بعد انهيار٤ عقارات.. نرصد حكايات الليل فى «صوان» إمبابة

12/08/2015 - 11:38:56

تقرير: أحمد جمعة

حاجــــز من القماش يمتد بعرض شـــارع


أبو رية والمتفرع من شارع زكى مطر يحجز الرؤية عما وراءه، صوت انبعاثات لضجيج يكمن فى المنطقة المستترة خلف هذا الساتر، ما هى إلا لحظات حتى تتضح الأمور، رجُل ستينى يجلس على كرسيه الخشبى الذى ربما كان آخر ما وصلت إليه يده عندما هرول من هول الصوت، يكمن عم “أحمد حسن” فى بداية الصوان الذى تمت إقامته لإيواء المتضررين من انهيار ٤ عقارات فى حدث هزّ أرجاء منطقة إمبابة بالجيزة.


أمام هذه العقارات تولت إحدى الجمعيات الأهلية إقامة هذا الصوان الذى يؤوى ١٢٠ أسرة اضطرت قسرًا للسكن خارج الـ”٤ حيطان” التى لطالما مثلت لهم الأمان، لا يجد عم أحمد قولا يلخص به ما جرى لكل هذه الأسر سوى مقولة واحدة تخرج جافة من حلقه: “عايشين فى الشارع يا ابنى، وأكتر من ١٠٠ أسرة نايمة فى مجهول، مش مشكلة الأكل، المشكلة فى الأمان إنك مش قاعد فى بيتك”.


مجرد دخولك إلى “الصوان” الممتد لإيواء الأهالى ليلا ستجد ٣ مشاهد غير تقليدية لأوضاع استثنائية؛ تجمعات نسوية تتناثر بينهن أطراف الحديث حول “الحال الذى تغير بين عشية وضحاها”، رجال واقفون يجمعون مزيداً من الطلبات للتقدم بها إلى محافظة الجيزة لحل مشكلتهم وربما الذهاب بها لمقر رئاسة الوزراء ومقابلة المهندس إبراهيم محلب واستغاثته، انتهاء بمن افترشوا الأرض دون ساتر أو مانع ومن أمامهم ملابس جمعوها قبل ساعات من سقوط لَبِنات المنازل أرضًا.


“الفساد اللى فى المحليات هو السبب فى هذه الكارثة”.. يؤكد عم أحمد أن ما حدث لهذه العقارات يعود لفساد بحى إمبابة الذى سمح بهدم أحد العقارات المخالفة دون وضع احتياطات الأمان للعقارات المجاورة، فما إن استحضروا “البلدوزر” لهدم منزل من طابقين، لم تمر عدة ساعات إلا وسقط بجواره عقار مكون من ٦ طوابق بعد تأثره بتصدع جراء عمليات الهدم، والذى بدوره سقط على عقارين آخرين تسبب فى سقوطهما معًا، بخلاف تأثيره على العقارات الأخرى المجاورة التى أصبحت قاب قوسين أو أدنى من الانهيار..”صحاب البيت راحوا بطريق غير مباشر للحى ودفعوا فلوس وطلعوا تصريح بالهدم وكان المفروض الحى يبعت مهندس معاهم أثناء الهدم لأن البيت واقع، لكن رئيس الحى أكد أن المنازل لن تتأثر، ولكن بعدما مشيوا بساعة البيت وقع”.


لا يعبأ محمد سالم -٤٣ عامًا- بتأكيد محافظ الجيزة خالد زكريا العادلى، بتوفير عدد من الوحدات فى مدينة ٦ أكتوبر للمتضررين من انهيار العقارات أو منحهم ٥٠٠ جنيه شهريا لتوفير سكن بديل، يقول إنه يريد الحصول على سكنه الذى هُدم فوق رأسه، لأنه لا مجال أمامه للانتقال إلى أكتوبر والتى تكبده مصاريف فوق طاقته للوصول إلى محل عمله: “يعنى أنا راجل بقبض ٩٠٠ جنيه أصرف منهم ٤٠٠ جنيه على المواصلات كل شهر من أكتوبر للشغل. إحنا عاوزين إعادة بناء لبيوتنا مش أكتر ونفضل قاعدين فى منطقتنا”.


وأضاف: “العقارات فى الشوارع الخلفية خاصة شارعى على عبدالعال وبلال تضررا من انهيار المبانى، لأن المشهد كان زى القنبلة اللى بتوقع كل حاجة، وهناك بعض السكان أخلوا منازلهم خوفا من سقوطها، والحكومة كل يوم بكلام ومفيش حاجة رسمى، والمحافظ غير متعاون ولا يقدّر الظروف التى فيها السكان”.


ومن كلام محمد سالم نتلقى إشارات بأن انهيار هذه العقارات القديمة ربما يكون مدبرًا وفيه اتفاق شيطاني بين مُلاك هذه العقارات وبعض العناصر الفاسدة فى الإدارة الهندسية بحى إمبابة، كانت نتيجته انهيار هذه العقارات والتخلص من أنقاضها القديمة لإعادة بناء هذه الأرض والاتجار فى شققها كما الاتجار فى غسيل الأموال، الأهم فى هذا الاتفاق أن الانهيار تم دون سقوط ضحايا.


“أم كريم”.. تلك السيدة التى تركت “تحويشة عمرها” عندها شعرت باهتزاز جنبات الشقة التى كانت قبل اليوم تؤويها لتفترش أرض شارع “لا يستر”، تقول: “ الحاجة فى البيوت فوق ولو حد طلع ممكن البيت يقع بيه والناس خايفة تطلع، ومش عارفين نجيب أى حاجة ومستنيين البيت يقع كل يوم. بتشوف شقا عمرك بيضيع قدامك وأنت مش عارف تعمل حاجة”.


تمتعض من كثرة السؤال دون تنفيذ: “وجهنا نداءات لرئيس الجمهورية ورئيس الحكومة عن طريق الإعلام لحل مشاكل الناس من يوم البيت اللى وقع ولم يفعلوا شيئًا، مصر بتفرح وعاوزين نفرح معاها، احنا كل اللى طالبينه إعادة بناء منازلنا، كل حاجتنا ضاعت وحمدنا ربنا”.


لحظات من الرعب بلغت ذروتها عندما شعرت السيدة “أم عمرو” بأن البيت يهتز بها، تقول: “البيت كان بيهتز، ملحقتش ألبس إلا هدومى ونزلت جرى وخدت العيال معايا قبل ما البيت يقع علينا”. ترفض الانتقال إلى مدينة أكتوبر “أنا ولادى فى المدرسة، ومش عارفة أوديهم فين، دول حتى ماشلوش الأنقاض اللى فى الشارع”.


على جانب من الطريق يقف مجموعة من الشباب المتطوعين التابعين للجمعية الأهلية التى تولت إقامة الصوان لخدمة الأهالى المتضررين، حيث تم تشكيل لجنة طوارئ للتدخل السريع بعد انهيار العقارات للوقوف على احتياجات المتضررين، بحسب قول فادى أشرف أحد المتطوعين، مما يعطى مساحة أخرى للمتاجرة السياسية استغلالا لهذا الحادث لأنه لا أحد يدرى إلى أى أيديولوجية سياسية يعمل هؤلاء الشباب المتطوع لخدمة المتضررين.


وأضاف: “ تم توصيل أول دفعة من المساعدات؛ حيث شملت ملابس ومتطلبات وأدوية خاصة لأصحاب الأمراض المزمنة والحرجة، بجانب توزيع عدد من المراتب والملابس للذين هرعوا دون أن يأخذوا ملابسهم، وكذلك مواد غذائية جافة ومطبوخة”.


المصور قامت بالاتصال برئيس حى إمبابة الذى حاول الهروب أكثر من مرة خاصة لكشف الاتفاقات السرية بين مهندسى الحى وأصحاب المنازل المنهارة مقابل أشياء أخرى إلا أنه أحتج بإنشغاله بالاجتماع مع محافظ الجيزة بسبب هذه العقارات.