حبيبتى أثينا.. لا تبكى ( ٣-٣ )

12/08/2015 - 10:49:18

عادل  سعد عادل سعد

بقلم - عادل سعد

فى آخر إحدى الأمسيات، كنت عائدًا بالأتوبيس الزجاجى، والمقاعد خالية، عندما قامت عجوز لتجلس بجوارى، وأفسحت لها مرحبًا.


نظرت نحوى باسمة وقالت بالعربية: «مصرى؟». قلت مستغربًا: «نعم». قالت وهى على وشك البكاء: «أصل أنا مصرية».. ترتدى فستانًا رقيقًا، أبيض وعليه رسوم صغيرة من الورد، ومدت يدها واستخرجت من حقيبتها محفظة بداخلها صورتها عندما كانت صغيرة فى مصر وقلت ضاحكًا: «وهل ما زلت تتذكرينها؟».


قالت: «أنا مصرية يونانية، من الإسماعيلية، رجعت اليونان لكن أنا مصرية، الناس هنا مش بيحبوني، أنا كنت مبسوطة هناك، الناس هناك طيبين».


قلت لها: “ولماذا لا ترجعين؟”


قالت: «تأخرت.. وأخاف ألا يتذكرنى أحد هناك.. أكيد جيرانى ماتوا».


قلت: “على الأقل تزورينها سياحة” قالت غاضبة: «أنا سائحة؟ لا.. أنا مصرية.. حد يبقى سياحة فى بلده؟ لا.. أنا نفسى أقعد مع الناس فى الشمس ونتكلم زى زمان وناكل بسبوسة.. بسبوسة بالسمن البلدي.. وشمام الإسماعيلية.. ومانجة الإسماعيلية».


أشرق وجهها باستعادة الماضى فقالت: «إنت عارف؟. حتى المعفن اللى بيقف فى الشارع؟ أنا باحبه».


وظلت ربع ساعة تصف ذلك المعفن، حتى عرفته بائع عربة الفشة والطحال والسمين


كنت عندما سافرت للمرة الثانية لليونان بعد ربع قرن رئيسًا للاتحاد المصرى للشطرنج، وأرسلت جواز سفرى مع أفراد البعثة المسافرة لبطولة العالم للشطرنج، فى بورتو كاراس، وتعثرت إجراءات الحصول على التأشيرة، وكانت اليونان منضمة حديثا للاتحاد الأوربي، وأخبرنى مدير الاتحاد بالموقف، وذهبت للسفارة وأخبرت الموظف المختص أن هذه المعاملة لا تليق، ويبدو أن هذا أغضب القنصل التى كانت تتابعنا من كاميرات المراقبة، فخرجت غاضبة.


قالت إن أوراقنا ناقصة، وأنها لا تصدق أننا بعثة رياضية، وتريد ما يثبت ذلك.


وقلت إن قرار سفرنا موقع من رئيس مجلس الوزراء كبعثة رسمية، وجوازات السفر، بنفس الأسماء الموجودة فى قرار الدولة، فقالت إنها لا تعترف بذلك، وتريد اعترافًا بذلك من اليونان.


خاطبت الجهة المنظمة للبطولة فى اليونان، وأرسلت ما يفيد أننا ممثلون لقارة إفريقيا، فى بطولة العالم.


وكان الوقت يمضي.


وقبل السفر بعشر ساعات أخبرتنا أنها وافقت على منح التأشيرة لأربعة لاعبين ورفضت الباقين.


وكان هذا معناه أن يسافر نصف الفريق بلا مدربين ولا إداريين وألغيت السفر.


عقدت مؤتمرًا صحفيًا بالاتحاد عن منع بعثة مصر الدولية من السفر لحضور بطولة العالم فى الشطرنج، ونشرته جريدة الأخبار وجريدة الأهرام. وتدخلت القنصل من خلال أحد معارفها الفاسدين فى جريدة الأهرام، ونشرت تكذيبًا لما نُشر، وادعت أننى لم أقدم ما يفيد أننى أعمل صحفيًا، وأننى بلا عمل ولهذا رفضت التأشيرة، برغم أن جواز السفر مكتوب بداخله المهنة.


بعد شهر وبالمصادفة، جاءت بطولة العالم للكبار فى اليونان، فحملت أوراق البعثة لوزارة الخارجية المصرية، مرفقًا بها تقريراً بما حدث للبعثة السابقة، وردود القنصل الكاذبة، وأرسلت الخارجية رسالة للسفير مباشرة لإنهاء الإجراءات وإبلاغها بالقرار.


وأسقط فى يد القنصل المتعجرفة.


وطلبت إجراء مقابلات على حدة مع كل عضو من البعثة. وعندما جاء دورى حضر السفير، وكان ضخمًا ووسيمًا.


وسألني: هل أنت صحفي؟ وكانت هناك مترجمة حاضرة، فقلت: نعم، قال: وما الذى يثبت ذلك؟


قلت: المهنة موجودة على جواز السفر.


وقدمت له عدة جرائد ومجلات عليها صوري، كرئيس تحرير ومدير تحرير بعدد من المجلات والجرائد.فسأل المترجمة.


ولما أوضحت له طبيعة عملى بوضوح، أضفت أن المسافرين بعضهم أبطال العالم للشطرنج تحت ٢٠ سنة، واستخرجت بعض المجلات الأوربية، التى تشير لذلك، فطوّح بيديه فى الهواء، وكان من الواضح أنه صدقنى تمامًا ومستاء من تصرفات القنصل.


بعدها انتصب واقفًا؛ ليتحدث معها باليونانية، وقال إنه لا يريد مشاكل، وأن من الواضح أنها تعنتت فى منع التأشيرة الأولى، وأن كل ما قالته بشأنها غير صحيح.


استوقفته باليونانية معتذرًا. صاح متراجعًا: واووو تتحدث اليونانية


قلت: نعم قليلًا، أتحدث اليونانية وأشجع نادى أولمبياكوس.. وأحب نيقوس كازانتازاكس وأندريوس بابا اندريو والخورياتيكى (السلاطة اليونانية) والبوزوكى وموسيقى زوربا.. وتيودراكيس، وعمومًا أنا آسف لمقاطعتك.. لكننى رأيت أن من غير اللائق أن أتظاهر بأننى أستمع للغة لا أفهمها.


فصاح: لا.. لا.... وزمجر ناحية القنصل وهمهم غاضبا:.. كازانتزاكي.. تيودراكيس... أوليمبياكوس..


وصافحنى بحرارة وخرج.


جلست القنصل تتفحصني، كمصيبة، هبطت عليها من السماء، وكنت حريصًا على أن أنظر نحوها مستهينًا


كانت ما زالت كما تركتها: قصيرة وشريرة وماكرة. سألتنى خائبة: هل أنت صياد؟وفهمت ما تقصد؛ لأنها تقصد أننى أحد عمال عزبة البرج الغلابة الذين يزدحم بهم ميناء بيريا. فقلت: لا.


قالت: وكيف تعلمت اليونانية؟


قلت: كنت أسافر كثيرًا هناك، وفى بلدنا كان هناك جرسون يونانى يدعى خارالامبو، نحبه كثيرًا، لأنه مصري، وتعلمت من ابنته اليونانية. فاحتقنت.


وبعد نصف ساعة حصلنا على التأشيرات.


عند العودة لمصر، رجعنا من سالونيكى لمطار أثينا، وكان أمامنا ترانزيت ١٢ ساعة للطيران للقاهرة، ووقفت مهزومًا لنصف ساعة، وفى النهاية لم أتحمل وتركت حقائبى مع المدرب وهربت من المطار.


حملنى المترو الفاخر كالسهم، لوسط المدينة.


فى سوق مونستراكي، كانت الشوارع خالية، لم تعد هناك دراخما، وسألت عن تى شيرت وكان سعره لا يقل عن ٤٠ يورو، وشبشب وكان سعره ثمانين يورو وانصرفت حزينًا، كانت الأسعار فى اليونان ثلاثة أضعاف ألمانيا، والمدينة تئن تحت وطأة اليورو.


بائع لفائف اللحم مع البيرة كرياكوس كان الوحيد الباقى من ميدان أمونيا..


سألته وسط صخب الميدان: هل تتذكرني؟ كنت أعرفك من ٢٥ عاما قال: ياااااه


انتهى من الزبائن والميدان مازال ممتدًا أمامنا، وجلس إلى جواري.


قلت أحدّث نفسي: جرى بنا العمر يا كرياكوس.


وسمعته يحدِّث نفسه: أنا عجوز لكننى أعمل؛ لأننى لو توقفت فلن أجد الطعام.


وقفز طفل عراقى يتسول. وقام الشيخ كرياكوس محنيًا على الطاولات يمسحها..


فى مدينة كانت لا تعرف جائعًا.