د. فخرى الفقى: من يعارض القناة الجديدة «مريض»

09/08/2015 - 1:04:42

عدسة: مصطفى سمك عدسة: مصطفى سمك

حوار: أحمد جمعة

تفاؤله ليس عاطفيًا، لكنه يستند إلى الورقة والقلم والرقم. الدكتور فخري الفقي، مساعد المدير التنفيذي لصندوق النقد الدولي السابق، ينظر لقناة السويس الجديدة من منظور مختلف. يرى أن القناة لها مردود اقتصادي مهم، من عدة جوانب، يأتي على رأسها الجانب الاقتصادي بما يمثله من زيادة في الاحتياطي النقدي، حيث ترتفع معدلات الناتج المحلي بما يعود بالنفع على معدل النمو، وخلق فرص عمل، والتصدير وإدخال النقد الأجنبي وزيادة المعروض منه في جسم الاقتصاد وشرايينه.


لكن في نفس الوقت يؤكد “الفقي” أن القناة لها أبعاد سياسية واعتبارات قوية للأمن القومي؛ حيث تساهم بشكل كبير في تعمير سيناء، فالتطرف يواجه بالتنمية، كما أجهضت كل مخططات إسرائيل الصهيونية بإقامة طريق يربط بين خليج العقية إلى ميناء أشدود عبر قناة أو سكة حديد. الفقي قال أن من يعارض القناة الجديدة «مريض».


بلغة الأرقام.. ما العائد الاقتصادي المتوقع بعد افتتاح قناة السويس الجديدة؟


قناة السويس تعتبر حدثا مهاما على كافة الأصعدة، وأهمها الصعيد الاقتصادي، ثم يأتي خلفه المحوران السياسي والأمن القومي.


فعلى المستوى الاقتصادي، فإن ازدواج قناة السويس وحفر وتعميق وتوسيع القناة الحالية فهذا يعني أن القناة أصبحت أكثر جاذبية لمرور الناقلات بصفة عامة، خاصة العملاقة والمحملة، وتستطيع أن تضاعف الإيراد الذي تحصله قناة السويس، حيث يرتفع من ٥.٣ مليار دولار سنويا حسب آخر إحصائية عام ٢٠١٤، إلى ١٣.٢ مليار دولار سنويا بعد ٨ سنوات عندما تصل إلى طاقتها القصوى وبالتدرج سنويا في الزيادة، وهذا يزيد حصيلة النقد الأجنبي.


ما انعكاس زيادة حصيلة النقد الأجنبي على الاقتصاد؟


تتمثل في عدة نقاط؛ أولا أن هذه الزيادة في الحصيلة بالتدرج ستُمكن هيئة قناة السويس التي اقترضت من شعب مصر ٦٤ مليار جنيه أن تُسدد أصل الدين من تلك الزيادة، بما يزيد من أصل العائد الأصلي للقناة خلال الخمس سنوات الأولى لعمل القناة، بالإضافة للفائدة على العائد الأصلي بما تمثل ٧.٥ مليار جنيه مصري سنويا.


ما مقدار الزيادة في الطاقة الاستيعابية للقناة؟


خلال الخمس سنوات الأولى ستزيد نسبة التجارة الدولية عما عليه، حيث تمر منها الآن ١٠٪ من حجم التجارة العالمية، والطاقة القصوى ارتفعت بعدما كانت ٤٧ ناقلة في اليوم ستصبح طاقتها الاستيعابية ٩٨ ناقلة في اليوم الواحد.


ما جدوى حفر القناة على الاقتصاد المصري؟


بعد ٦ سنوات إلى آخر الزمان سنجد أن قناة السويس سيُخصم منها مصاريف التشغيل كالمعتاد، والباقي يتم أخذ ضريبة بنسبة ٤٠٪ استثناءً وخلافا لقانون الضرائب على دخل الشركات، ويذهب هذا إلى الموازنة العامة للدولة تحت بند إيرادات عامة ضريبية والمتبقى سيدخل إلى الموازنة تحت بند إيرادات عامة غير ضريبية، بمعنى آخر أن الاستفادة الثانية أن الموازنة العامة للدولة ستستفيد بمزيد من الموارد الضريبية وغير الضريبية نتيجة أن إيردات قناة السويس ستصل إلى ١٣.٢ مليار دولار.


ثالثا، أن هيئة القناة السويس عندما ستحصل على ١١ مليار في السنة السادسة معنى ذلك أن هيئة قناة السويس ستحول الحصيلة كاملة إلى البنك المركزي مقابل أن يضع المركزي هذا المبلغ كغطاء ثم يصدر ما يقابله بالجنيه المصري وتعطيه للهيئة لتصريف أمورها والباقي يصب في الموازنة، وهذا يعني أن الدولارات تذهب إلى البنك المركزي بما يدعم الاحتياطي من النقد الأجنبي لدى البنك المركزي، فمصاريف القناة في حدود من ١ إلى ١.٥ مليار دولار، وبالتالي فإن ١٠ مليارات دولار على الأقل ستذهب للبنك المركزي بدلا من ٣.٥ مليار دولار عما كانت عليه.


وعندما يدعم الاحتياطي النقدي فهو يدعم الجنيه المصري بما يوقف التدهور الذي لحق بالجنيه المصري خلال السنوات الأخيرة، بعدما كان الدولار يساوي ٥.٥ جنيه مصري قبل ثورة ٢٥ يناير حتى وصل إلى ٧.٨ جنيه الآن، بما يقرب من ٤٥٪ انخفاض في قيمة الجنية المصري خلال ٤ سنوات.


ماذا عن إقامة المشروع الضخم الخاص بتنمية محور قناة السويس؟


لم نكن نستطيع البدء في تنفيذ المشروع بدون الازدواج في قناة السويس لأنها متطلب مسبق، ويوم ٧ أغسطس بدأ تطوير مشروعات المحور بالتوازي مع إقامة ٦ أنفاق للقناة، حيث تم صرف ما يقرب من ٣٢ مليار جنيه على حفر قناة السويس، وبالتالي فالباقي من قرض المصريين سيذهب لإقامة الإنفاق، ٣ في بورسعيد تحت القناة المزدوجة منهم واحد للسكة الحديد واثنان للسيارات والشاحنات، وكذلك الوضع في الإسماعيلية، إضافة لنفق الشهيد أحمد حمدي وكوبري السلام وبعض المعديات.


معنى ذلك أنه سيتم الوصل بين شرق وغرب القناة بما يسمح بتدفق الأفراد والمعدات إلى الجانبين، وبالتالي فهذا المشروع يمُكننا من تعمير سيناء كذلك، فكيف نعمر شرق القناة بنفق واحد وكوبري السلام؟!.


متى يبدأ العمل في الأنفاق؟


خلال عامين وسيتم صرف ما يقرب من ٣٢ مليار جنيه، ولدينا خبرة أتت للشركات المصرية من خلال مشروعات مترو الأنفاق وخبرة المهندس العالمي هاني عازر، وتعاقدنا في زيارة الرئيس عبدالفتاح السيسي لألمانيا مع إحدى الشركات الألمانية العملاقة لتصنيع ٤ بريمات كبيرة وحفارات، وتم توريد ٢ منهم خلال الشهر الماضي، والباقي منهم سيتم استلامه في الشهر المقبل. والمخطط العام تم إرساؤه على “دار الهندسة” من عام ووضعت التصميم وهذا مكتب استشاري عالمي مقره في لندن. وعند حفر الأنفاق سنبدأ في تنمية المحور ابتداءً من شمال غرب قناة السويس، مرورا بالإسماعيلية وانتهاء بمدينة بورسعيد.


ما تأثير تنمية محور قناة السويس على تنمية سيناء؟


إذا نجحنا خلال ١٠ سنوات في تنمية المحور، فإننا نستطيع في التوسع شرقا في تعمير سيناء بالتوازي مع إقامة محور القناة، لأنه ينعكس على مزيد من الدخل لأفراد سيناء، فالأولوية لمن يعمل هناك لأهل مدن القناة وسيناء والمحافظات القريبة من مدن القناة مثل الشرقية والدقهلية ودمياط، وهذا يسحبنا إلى ملف الأمن القومي الآثار السياسية، فتعمير سيناء ممكنا لأنه سيكون هناك تدفقات بشرية، وستجد أن سيناء بها من الخيرات التي لم نكتشفها بعد.


ومنطقة محور قناة السويس تعتبر من المناطق الاقتصادية ذات الطابع الخاص، وبالتالي فالأراضي بها انتفاع فقط وليست تمليكا.


اقتصاديون يرون أن مشروع القناة الجديدة وتنمية المحور سيصب في مصلحة الأمن القومي.. كيف يتحقق ذلك؟


كلما ارتفع مستوى المعيشة وزاد المردود من القناة والمحور وتنمية سيناء سنجد أن مستوى معيشة المواطن في هذه المناطق يرتفع وهذا في حد ذاته يكون طاردا للأفكار المتطرفة، فالإنسان يتطرف نحو الأفكار الهدامة عندما يعم الفقر، وعندما يشعر المواطن أن هناك أملا للأفضل يتمسك بالحياة أكثر ويساعد أكثر، وبالتالي ينئى بنفسه عن تبني أفكار ضيقة متطرفة، وينحصر الإرهاب.


ولذلك فإن حركات التطرف لن تجد صدى لها، كما أن إسرائيل لا تسول لها نفسها أن تغامر في يوم من الأيام أن تطأ بقدميها في أي شبر من سيناء، لأن به ملايين البشر وقتها، وإذا استطعنا تعمير سيناء بـ٥ ملايين مواطن ستصبح قوة سكانية مقابلة لعدد سكان إسرائيل بالكامل، ولذلك فعند الانتقال للعيش ٥ ملايين مواطن مع زيادة معدل النمو السكاني ستجد إسرائيل أنه لا منفذ لتطبيق أطماعها الصهيونية على هذه المنطقة.


بالإضافة إلى أن حفر القناة وتوسيعها وإزدواجها سيجعل كافة المخططات التي حاولت إسرائيل إنشاءها بالربط بين خليج العقبة وميناء أشدود عبر البحر المتوسط بسكة حديد أو قناة لمنافسة قناة السويس، والقناة الجديدة ضربت في مقتل جدوى أي مشروع تقوم به إسرائيل.


فمسألة حفر قناة جديدة تفوق قدرات بعض الدول الكبيرة مهما امتلكت من أموال؛ لأنها تحتاج لطاقات ووقت كبير، وبالتالي أصبح مشروع إسرائيل لا قيمة له.


لماذا رغم هذه المزايا لا زال هناك من يهاجم المشروع ويشكك في مميزاته؟


لأنه شخص مريض، ومن الممكن أن يكون المشروع فوق قدرته على الاستيعاب، ومن يذهب إلى هناك سيجد معجزة حقيقية.


الجنيه المصري شهد هزة عنيفة مؤخرا مقابل الدولار.. هل تستمر هذه الحالة بعد افتتاح القناة؟


الجنيه سوف يحافظ على قيمته ولن يتدهور أكثر من ذلك، وربما يهبط قليلا، والمؤكد أنه لن يتدهور كما الحال في الشهر الماضي، وكلما زادت إيرادات القناة والسياحة وتحويلات المصريين بالخارج والاستثمار الأجنبي سيسترد الجنيه عافيته مرة آخرى.


وما حدث خلال الفترة الماضية يعزى لسحب ١.٧٥ مليار دولار لأعمال التكريك، وهذا ما أثر على الاحتياطي النقدي في الفترة الأخيرة، وربما كان أهم عوامل الزيادة الأخيرة في سعر الصرف.


الرئيس السيسي دعا لشراء شهادات الاستثمار لحفر قناة السويس وبالفعل شارك المصريون في دفع ٦٤ مليار جنيه.. هل هذه الطريقة هيّ الحل الأمثل لتمويل المشروعات القومية؟.


المصريون لديهم استعداد بوازع وطني أولا قبل كل شيء ثم بدافع المنفعة الاقتصادية للمشاركة في المشاريع القومية لمصر خلال المرحلة الراهنة، وخاصة عندما شاركوا في قناة السويس لأنها في وجدانهم تمثل عبقرية مصرية توفى فيها الكثير من أجدادهم، ودفعوا لأكثر من حافز؛ الأول الحس الوطني بالمشاركة في هذا المشروع الضخم وترك ذكرى إيجابية لأحفادهم، ثانيا فهم أرادوا معاونة الرئيس السيسي وقالوا “لن نخذل هذا الرجل”، يأتي خلف ذلك الفائدة المرتفعة والتي وصلت لـ ١٢٪، ويحصلون على الإيراد كل ٣ أشهر بقدر ٣٪ من الفائدة، وهذا معناه أن المصريين سيثقون في السيسي حال طرحه مشاريع آخرى، مثل محور قناة السويس أو توليد الطاقة النووية في الضبعة.


لكن لا يجب أن تحول قناة السويس إلى صكوك أو أسهم، لأنها تعطي حقا مشاعا على الأرض، وستكون ملكا للمصريين بعد ٥ سنوات، لأنها لو تحولت إلى أسهم لشارك فيها الإسرائيليون بأغلب الأسهم.