من المثقفين إلى محلب: نرجو إقالة عبدالواحد النبوى..!

29/07/2015 - 1:12:34

كتب - أحمد النجمى

حتى الحادية عشرة، آخر الليل.. يجلسون.. متسائلين هو إحنا مالناش بيوت ولا إيه عشان نقعد من صباحية ربنا لحد دلوقتى كل يوم ؟!.. ظلوا على اندهاشهم، حتى خرج عليهم الرجل ذات ليلة وفهموا منه حل اللغز..! فأما الجالسون فهم العاملون فى مكتب وزير الثقافة د. عبدالواحد النبوى، والرجل هو «النبوى» طبعاً.. الذى يجلس فى مكتبه نحو ١٤ ساعة يومياً.. إنه لايشغل وقته الطويل هذا بالقراءة مثلاً، أو بمشاهدة فيلم ذى قيمة أو أعمال تشكيلية، ولايشغل وقته أيضاً بالأعمال الإدارية والمالية للوزارة، إنه لايفعل شيئاً على الإطلاق.. تجرأ أحد العاملين ذات ليلة وسأله عن السر فى هذه «السهرة» كل ليلة.. فقال له النبوى: علشان لو الكاميرات سجلت لى وصورتنى، رئيس الوزراء يعرف إنى بسهر فى الشغل..! صدم الموظف فى تفكير وزير الثقافة، الرجل المسئول عن بناء أفكار المصريين.. الشعب الذى يحارب الإرهاب !


ولم تكن أولى الصدمات التى يتلقاها موظفو مكتبه فى سيادة الوزير.. لكن الصدمات التى تلقاها الرأى العام، سواء من المثقفين أو غير المثقفين، كانت أشد عنفاً، وأكثر قسوة، متتابعة لاتتوقف !


نعود إلى الوراء.. إلى أوائل مارس الماضى، حـين تم إعـلان اسم د. عبدالواحد النبوى وزيراً للثقافة، كان المهندس إبراهيم محلب رئيس الوزراء قد قابل اثنين من المرشحين لحقيبة الثقافة.. أحمد عبدالغنى رئيس قطاع الفنون التشكيلية بالـوزارة، والـذى عمـل إلى جـوار د. جابر عصفور، وزير الثقافة السابق.. ود. عبدالواحد النبوى الأستاذ المساعد للتاريخ (حاصل على الدكتوراه فى التاريخ الحديث والمعاصر بعنوان : مصر والسياسة البريطانية فى إمارات الخليج العربى ١٩٥٤ - ١٩٧٠، من كلية اللغة العربية بجامعة الأزهر سنة ٢٠٠٣)، وسرعان ما أسفرت المقابلتان عن إعلان اسم «النبوى» وزيراً..!


سنقفز على تفاصيل كثيرة وشائعات أكثر وراء اختيار النبوى.. الحقيقة التى ثبتت - بعد اختياره بأيام - هى أن د. أحمد الطيب شيخ الأزهر ، هو الذى اختار النبوى.. بعد الخلاف الضخم بين الوزارة فى عصر د. عصفور وبين مؤسسة الأزهر ..!


وأول ما فعله النبوى هو استبعاد أحمد عبدالغنى من منصبه، لا لسبب موضوعى إلا لكونه منافسه الوحيد على الحقيبة الوزارية..!


استغرق بعدها النبوى فى افتتاح أعمال الوزيرين اللذين سبقاه.. من دار الوثائق (التى تم إنجاز معظمها فى عصر د. صابر عرب) وعدد من المؤتمرات والفعاليات التى أسس لها وجهزها سلفه د. جابر عصفور..! أما إنجازات الوزير د. عبدالواحد النبوى فعنوانها «العناد»!


على سبيل المثال، قال النبوى ذات يوم: لابد للمجلس الأعلى للثقافة من أن ينشر الثقافة فى أقاصى الصعيد..! اندهش الصحفيون الذين كانوا يقفون معه، فأى شاب صغير يعمل فى وزارة الثقافة أو حتى لايعمل بها، يعرف - يقيناً - أن هذا دور «هيئة قصور الثقافة» لا المجلس.. فماذا فعل الوزير؟ بدلاً من أن يعتذر، أو يقول إنه كان يقصد قصور الثقافة، بل ذهب يعقد جلسة مشتركة بين الأمين العام الجديد لـ «الأعلى للثقافة» ورئيس هيئة قصور الثقافة ووضعا خطة مشتركة لنشر الثقافة فى الأقاليم..!


موقف آخر «كوميدى» أيضاً للنبوى.. فى مارس الماضى صرح سيادته بأن (الـ ٢٢٠ مليون جنيه الخاصة بالباب السادس لم تصرف)، وكان يقصد الإساءة للدكتور جابر عصفور وزير الثقافة السابق.. هنا ولكن يفهم القارىء حكاية الـ ٢٢٠ مليونا والباب السادس نقول : هذا الباب فى موازنة الوزارة هو باب الإنشاءات والمشتريات من أبواب الموازنة السنوية، ويستدعى إجراءات وميزانية ومناقصات وعطاءات، وهى أمور تحتاج إلى وقت.. وكانت الإجراءات سارية، ومن المعروف أن هذه الإجراءات تأخذ شهوراً، فلا يتم صرف هذه المبالغ (الـ ٢٢٠ مليونا) سوى فى شهر أبريل أو مايو التالى.. هذا هو «الروتين» المتعارف عليه، وهذا الرقم غالباً مايخصص للإنشاءات وشراء سيارات وأجهزة كمبيوتر، وجزء مهم منه يذهب إلى المتاحف الفنية.. لكن النبوى أراد أن يضرب «كرسى فى الكلوب»! تبسم العاملون فى الوزارة ضاحكين من قوله هذا..!


ثم نأتى لـ «معارك الرءوس الطائرة»! همس هامس فى أذن عبدالواحد النبوى (٤٥ عاماً) فقال له أنه لابد أن يكون له رجاله الذين يعتمد عليهم، وصدق عبدالواحد الهمس، فأخذ يطيح بالرءوس.. بدأ بأحمد عبدالغنى - كما ذكرنا - ثم استدار إلى د. محمد عفيفى أمين عام المجلس الأعلى للثقافة، المؤرخ والمثقف والأستاذ الجامعى الشهير، ثم بأنور مغيث رئيس المركز القومى للترجمة، اخيرا الإطاحة بالدكتور أحمد مجاهد من هيئة الكتاب، (من نوادر عبدالواحد النبوى تصريحه «لليوم السابع» حين سأله المحرر: دكتور محمد عفيفى أستاذك؟ فقال له النبوى : لا .. عفيفى فى جامعة القاهرة وأنا من جامعة الأزهر ومجاهد (يقصد أحمد مجاهد) أستاذ مساعد!


هكذا يفكر الوزير فى الدرجات العلمية، فاقداً أدنى حد من البروتوكول ناسـياً مكانـة مـن يتكلم عنهم..!


قصة خروج د. محمد عفيفى تحكى.. والله تحكى، فقبل شهر ونصف الشهر من موعد التجديد للدكتور عفيفى كأمين عام للمجلس الأعلى للثقافة.. أرسل الدكتور عفيفى إلى الوزير خطاباً رسمياً يخطره فيه بأن هناك شهراً ونصفاً فقط تبقت على موعد التجديد ليتخذ الوزير قراره، إما بالتجديد أو إنهاء التعاقد.. ليعود عفيفى إلى عمله أستاذاً للتاريخ بآداب القاهرة، تجاهل النبوى الخطاب الرسمى.. برغم أن الأمين العام هو ثانى أكبر الرءوس فى وزارة الثقافة، بعد الوزير مباشرة .. واتصل به الدكتور عفيفى أكثر من مرة تليفونياً، ولم يرد.. دعنا من سبب الاتصال - برغم أهميته - ولنركز فى «تراتبية» العمل فى وزارة الثقافة: لابد للوزير أن يكون على اتصال دائم بالأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة، وإلا فإن دولاب العمل فى الوزارة سينهار، لكن النبوى لم يفكر فى ذلك، وربما لم يعرفه، إلى أن اضطر د. عفيفى إلى أن يذهب للقائه فى مكتبه فما كان من الوزير إلا أن قال له: تقعد لآخر يوم، ثم نتكلم! والهدف مفهوم، وهو ألا يظهر د. عفيفى بمظهر من استقال أو ترك العمل بإرادته.. بل بأمر معالى الوزير !


إلى جانب قصة الإطاحة بأحمد عبدالغنى ود. محمد عفيفى وبالمثقف المهم أنور مغيث، تتعدد قصص السيطرة من عبدالواحد فى دولاب الوزارة، يتساءل أبرياء النية: وماذا فى ذلك؟ أليس هذا من حقه؟! نعم.. ولكن وزارة الثقافة - تحديداً - لها طبيعة خاصة متعارف عليها منذ عقود طويلة، وهى أنه لابد من «توافق» بين الوزير والمثقفين على قيادات الوزارة، بحكم اتصال عملها المباشر مع الجماعة الثقافية المصرية، لا نعنى بهذا التوافق أن يجلس الوزير مع المثقفين أو تحدث مشاركة فعلية بين الطرفين فى الاختيار، ولكن أن يكون لكل اسم يتم اختياره دور ثقافى معروف أو إنجاز ملموس، لا أن يأتى الوزير بأسماء مجهولة - مع احترامنا لهم جميعاً - ليفرضها على الواقع الثقافى، وإلا فما الفارق بين عبدالواحد النبوى وبين علاء عبدالعزيز آخر وزير ثقافة فى عصر «المحظورة» والذى اعتصم المثقفون للإطاحة به، وكان هذا من تباشير نجاح ثورة ٣٠ يونيه المجيدة؟


وأخيراً.. لجأ النبوى إلى تصرف ساذج جديد.. فقبل أسبوعين ظهرت مطالبات منظمة وجماعية للإطاحة به .. وانتظمت هذه المطالبات فى شكل حركات ثقافية، مثل «جبهة الإبداع المصرى» التى أصدرت بياناً قبل نحو عشرة أيام للمطالبة بإقالة النبوى متهمة إياه بتخريب الثقافة المصرية.. فما كان من النبوى سوى أن أوحى للموظفين فى وزارته بأن التغييرات التى جاءت به وزيراً «أوامر دولة»، وبأنه لن يتم تحريكه من على كرسيه.. وكأن النبوى مسنود ! كل ما استهدفه النبوى من هذا - الذى انتهى بجبهة وهمية من الموظفين وصغار المثقفين العاملين فى وزارته تسانده، والمعلومات تقطع بأن هذه الجبهة لا وجود لها - كل ما استهدفه هو إسكات الألسنة.. ناسياً أن معظم هذه الألسنة من المثقفين الذين وإن كانوا يتعاملون مع وزارته إلا أنهم لايعملون فيها !


ومهما قيل عن وطنية النبوى أو أنه هو الذى حمى وثائق مصر من المحظورة فى زمن المعزول مرسى، حين كان النبوى يدير دار الكتب.. وهذا صحيح، فإنه لايعنى جدارة النبوى بوزارة الثقافة، التى يجب أن يكون على رأسها رجل يفهم الواقع الثقافى المصرى، ويستطيع تحريكه والتأسيس على الموجود فيه، أو بناء الجديد الناقص، وأن يكون متوافقاً مع التيار الثقافى العام.. أما أن يكون رجلاً من هذا الطراز، فلا يمكن أن يكون.. من هنا، يبدو منطقياً تماماً أن يغدو مطلب إقالته جماعياً بين المثقفين ..!