«الواقعية الجديدة» سياسة أوباما من طهران إلى هافانا

29/07/2015 - 11:54:12

تقرير : هالة حلمى

من هافانا إلى طهران تتجلى رغبة أوباما فى ترك بصماته على التاريخ السياسى الأمريكى مع اقتراب موعد مغادرته البيت الأبيض مستندا على تطبيق رؤيته السياسية التى يطلق عليها المحللون «سياسة الواقعية الجديدة» التى يحاول من خلالها إثبات ان سياسة عزل الأعداء فشلت لسنوات وأن تحقيق الأهداف عبر الوسائل الدبلوماسية هو الأنجح وفقاً لمقتضيات الواقع الجديد على الساحة الدولية .


فى حديث أجراه الصحفى البارز توماس فريدمان ونشرته مؤخرا صحيفة نيويورك تايمز كشف الرئيس الأمريكى باراك أوباما عن رؤيته للسياسة الخارجية قائلاً إن مبدأى هو الحديث بهدوء مع حمل عصا غليظة دون أى نية لاستخدامها، فنحن منفتحون ولكننا نحافظ على قدراتنا الردعية» وأن هيمنة الولايات المتحدة لاتجعلها تخسر شيئاً حين تمديدها إلى أعدائها فمع قوتها الساحقة» يمكن لأمريكا القيام ببعض المخاطرات المحسوبة تلك المخاطرات التى يشير إليها أوباما قد تنجح مع كوبا تلك الدولة الصغيرة التى ليس لها طموحات عسكرية أو توسعية وأقصى طموحات حتى الآن تحسين أوضاعها الاقتصادية بعد سنوات من العزلة تقلص خلالها الدور الروسى حاملة راية الفكر الشيوعى الذى تتبناه كوبا ونفذه بحرفية تامة ولسنوات طويلة رئيسها السابق فيدل كاسترو .


أما الاتفاق مع إيران فهو بمثابة إخراج مارد من القمقم . فالمكاسب التى حصلت عليها إيران من هذا الاتفاق تفوق كثيرا خسائرها. فقد كسبت إيران رفع الحظر عن أرصدتها المجمدة التى تقدر بـ ١٥٠ مليار دولار ثم رفع العقوبات الأمريكية والأوربية تدريجيا مع تطبيق إيران لالتزاماتها النووية. وفقاً للاتفاقية هذه العقوبات كانت تستهدف القطاعات المالية والنقل وقطاع الطاقة خاصة الغاز والنفط كما ان الاتفاق لايحرم إيران كلية من تطوير قدراتها النووية كل ذلك سيدعم سياسات إيران التوسعية وأطماعها فى منطقة الشرق الأوسط والتى ظهرت جلياً فى تلميحاتها وتصريحاتها المستفزة الخاصة بالبحرين فى الأيام الماضية. وفى مقال مشترك كتبه وزيران سابقان للخارجية الأمريكية «هنرى كيسنجر وجورج شولتز» أكد الاثنان على إبراز المكاسب التى جنتها إيران من وراء الاتفاق مع سعى ايران المتواصل إلى توسيع رقعة نفوذها الاقليمى بحيث أصبحت الشبكة التى نسجتها أقوى من سلطان الحكومات فى المنطقة كما فى لبنان والعراق وسوريا واليمن. وأشار المقال إلى تمكن إيران من الوصول إلى مواقع متقدمة حول الممرات المائية الاستراتيجية فى الشرق الأوسط الأمر الذى ساعدها على تطويق المملكة العربية السعودية وتهديد دول مجلس التعاون الخليجى . كل ذلك ينبئ كما يتوقع بعض المحللين عن دخول المنطقة فى مرحلة صراعات جديدة قد تعيد رسم خريطة الشرق الأوسط بأكمله . ويعلق على هذا مارتن انديك السفير الأمريكى السابق فى إسرائيل والذى يرأس حالياً معهد بروكينجز للدراسات السياسية، قائلا إن واشنطن لم تحدد بعد صورة النظام الإقليمى الذى سترسمه مع إيران والمفاوضات فى لوزان لم تقتصر على احتمال حيازة طهران سلاحاً نوويا بعد عشر سنوات بل تناولت أيضا مستقبل الشرق الأوسط برمته» . وعلى مسرح الأحداث فى الساحة السياسية الأمريكية تبدو الصورة كأن هناك خلافاً عميقا بين أوباما وخصومه الجمهوريين فى الكونجرس الأمر الذى يهدد بعرقلة تمرير الاتفاق فى غضون ٦٠ يوما وفقاً لما ينص عليه الدستور الأمريكى هذا الخلاف ربما يكون مجرد «شو» سياسى كما وصفه وزير الخارجية المصرى الأسبق نبيل فهمى منذ أيام على أساس أن أمريكا وحلفاءها لابد أن يكونوا قد استفادوا جيدا من الاتفاق النووى مع إيران وأن المصالح الأمريكية ثابتة ولايمكن لأى رئيس فى البيت الأبيض أن يتخلى عنها قد يكون هذا صحيحاً إلى حد كبير ولكن الشىء المؤكد أيضا أن إظهار خلاف حول قضية كبرى مثل الملف النووى الإيرانى سيتم استغلاله من قبل الجمهوريين فى الكونجرس إلى أبعد حد فى حملة الانتخابات الرئاسية القادمة التى باتت على الأعتاب (نوفبمر ٢٠١٦) ومن المؤكد أن الجمهوريين لن يفوتوا الفرصة لإحراج أوباما وحزبه الديمقراطى ومرشحته الأبرز حتى الآن هيلارى كلينتون التى سارعت بتأييد الاتفاق. ومع موقف إسرائيل المعارض للاتفاق سيحاول الجمهوريون الوصول إلى الأصوات اليهودية التى تصوت تقليديا لصالح الديمقراطيين الأمر الذى قد يحسم الموقف لصالحهم فى بعض الولايات الرئيسية مثل فلوريدا وأوهايو وبنسلفانيا.


ولهذا جاء تصريح أوباما أنه يأمل أن تكون المناقشات فى الكونجرس معتمدة على الحقائق وليس على السياسة أو المزاجات الشخصية وبالمثل يأمل مرشحو الحزب الديمقراطى استغلال عودة العلاقات الدبلوماسية مع كوبا فى جذب أصوات ذوى الأصوات اللاتينية الذين يشكلون نسبة كبيرة من الأصوات فى الولايات الجنوبية.


وعلى المستوى الشعبى العام كشف استطلاع للرأى أجراه معهد جى اف كى ان ٥٩٪ من الأمريكيين غير راضين عن الدور الذى تقوم به الولايات المتحدة فى الشئون الدولية بشكل عام وأن ٣٩٪ غير راضين عن أداء أوباما فى السياسة الخارجية بشكل خاص.


من جانب آخر وبعيدا عن حسابات المكسب والخسارة على الصعيد السياسى فإن الحسابات الاقتصادية تبشر بمكاسب وفرصاً كثيرة للشركات الأمريكية والأوروبية فى ظل فتح الأبواب أمام الدخول الى الأسواق الواعدة فى إيران وكوبا وقد قدر أحد رجال الأعمال الأمريكان حجم الاستثمار الذى تحتاجه الأسواق الإيرانية بحوالى تريليون دولار منها مايتراوح بين ٢٣٠ ملياراً إلى ٢٦٠ ملياراً فى قطاع النفط والغاز فقط خلال الخمسة أعوام القادمة بخلاف استثمارات هائلة فى مجال البنية الأساسية التى تحتاج كلها إلى إعادة تشييد ويتوقع الخبراء الاقتصاديون أن العديد من الشركات التى ستدخل إيران ستكون من خلال دبى ثانى اكثر شريك تجارى لإيران بعد الصين وصحيح ان السوق فى كوبا ليس فى حجم السوق الإيرانى إلا أن الفرص أيضا هناك عريضة خاصة مع توافر الرغبة السياسية من جانب الرئيس راؤول كاسترو لتبنى سياسات اقتصادية أكثر انفتاحا ورأسمالية بعد سنوات طويلة من سيطرة الدولة على مفاصل الاقتصاد. وإن كان خبراء الاقتصاد يحذرون من الاندفاع إلى تلك الأسواق فالمخاطر والعوائق مازالت قائمة وتظهر فى البيروقراطية المعقدة التى تحكم النظام الحكومى فى كوبا وأما إيران فيكفى الاطلاع على تقرير البنك الدولى الذى يضعها فى المرتبة ١٣٠ بالنسبة للدول التى يسهل بها الدخول إلى عالم الأعمال بالإضافة إلى انتشار ظاهرة الرشوة. من المؤكد أن لكل طرف حساباته فى المكسب والخسارة والمستقبل وحده سيكشف لنا من الذى نجح فى تحقيق أهدافه من وراء هذه الصفقات وعلى حساب من .


 



آخر الأخبار