حبيبتى أثينا .. لا تبكى ( ٢-٣ )

29/07/2015 - 11:39:04

عادل  سعد عادل سعد

بقلم - عادل سعد

تحت أطلال الأكروبول الشهيرة بالعاصمة اليونانية أثينا، كنت أعمل وأنا طالب بالجامعة على جبل بلاكا، في مطعم يمتلكه ثلاثة أشقاء لم يتزوجوا، شقيقتهم الوحيدة عانس، كانت تحضر أحياناً وترحل ومانولي يدير البانوراما في الطابق الأعلى والحسابات، لورد بكل المقاييس، شياكة وجمال ونظافة، عمره ٧٠ عاماً، ولا يطلب من الدنيا سوى أن يستمتع مع الأصدقاء بالسهر والحياة.


في أول المساء، يقف كوستا أمام صورة أحد القديسين، وكان يضع أمامها شمعة، والشمعة مغموسة في الزيت؛ حتى لا تحترق سريعاً توفيراً للنفقات.


كل يوم يعاتب كوستا القديس قائلا: «أنت تعرف جيداً أننا لا نجد ما نأكله... وليس عدلاً ما يحدث.. نحن نعمل كل يوم، كل يوم.. ونصلى، وأنت لا تفعل شيئاً... حرام أن تتركنا».


وقبل أن يزداد انفعاله غاضباً، يوقد عود ثقاب، ويشعل الشمعة؛ لتسدل نوراً على وجه القديس.


«يني».. صاح كوستا. كان قد قرر تغيير اسمي العربي؛ لأنه لا يعرف كيف ينطقه «اخرج يابنى إلى الشارع نريد زبائن هذا حرام».


كان يحترق في المطبخ وسط اللحوم والبطاطس المقلية وأذناه على السلم الخشب؛ ليسمع أقدام الزبائن، وقبل أن يشتبك مع النيران، يرش قليلاً من السكر على الباب؛ ليمنع الحسد.


صعد للمطعم جروب من التشيك، فتيان وفتيات، وانبعثت ضحكاتهم صاخبة وصرخاتهم، وهم بالشورتات القصيرة والمايوهات، يبحثون عن طريقة للوصول إلى أعلى المطعم.


صاح من تحت الأرض: «يني... يني». قلت: «نعم يا سيد كوستا جروب جيد».


قال: «شكراً يا ينى..أنا أحبك يا بني تعال.. تعال.. لنعمل بسرعة لتجهيز السلاطة اليونانية الخورياتيكي».


«كم عددهم؟». قلت: «تقريباً ٤٠».


قال مفتخراً وهو يفرك يديه: «ووووو»، ورسم علامة التثليث والصليب، وذهب مسرعاً نحو الشمعة، ونفخ فيها؛ ليسدل الظلام على القديس.


أغلب الأيام كان كوستا يعمل بلا مقابل؛ لأن الأقدام التي يسمعها، ويهرول لخدمتها، من أصحاب مانولي، يأكلون مجاناً.


كان يخاف مانولي، ويخجل منه، ولا يجرؤ على مناقشته طويلاً.


اعتدت أن أرحل في نهاية المساء مع مطربة المطعم جوليانا، كانت في العقد الرابع، ونهبط الجبل في الثانية ليلاً؛ لتستقل تاكسي، وأنتظر الأتوبيس.


في آخر الليل، مرقت أمامنا فاتنة، أخرجتني عن وقاري المكتسب من مصاحبة سيدة فغازلتها، ووسط دهشتنا استدارت وجاءت ناحيتنا.


كانت عارية، إلا من نصف تي شيرت، وتحت عنقها الجميل نهدان ولا أروع، وتنورتها القصيرة، لا تزيد على سنتيمترات، وساقاها الطويلتان في رشاقة، تلتقيان عند دوران لا تنزل من عليه العيون.


قالت: «أنت حبيبي». قالت: «هل تريد الآن؟» قلت: «نعم؟».


انتبهت للصوت، كان رجلا.


نزلنا من الجبل، أنا وجوليانا نسقط على بعضنا من الضحك، كانت جوليانا مثلي، قد توقفت؛ لتتفحصه جيداً. وفي النزول قالت: «مستحيل.. نهداه.. واووو.. وجماله.. وشفتاه... ونعومة ساقيه».


وأردفت ضاحكة: «لو عندي نصف إمكانيات هذا الوغد؛ لجعلت كارامانليس رئيس جمهوريتنا يركع تحت أقدامي».


بعد أيام كانت جوليانا من حقها أجازة والفرقة الموسيقية.


أخبرني مانولي بذلك، وكنت مع صمؤيل الجارسون الصعيدي الآخر، نعمل على خدمة الفرقة وأعضائها؛ لتشجيع الزبائن على الرقص، وبعد قليل نشاركهم حلبة الرقص، ويضحك مانولي ويرفع أنخاب الكئوس في صحتنا، وتصل المتعة ذروتها عندما يقبض صمؤيل الصعيدي على الكنبة بين أسنانه؛ ليرقص بها تاركاً ذراعيه بالهواء، ويصرخ زبائن المطعم من الانبهار.


كنا نشتري أطباقاً للتكسير؛ لأن ضيوفنا اليونانيين يحتفلون بجمال المرأة عندما ترقص، بتكسير الأطباق تحت قدميها، والكئوس والأكواب، وحرصاً على تقليل الخسائر نشتري الأطباق المصنوعة خصيصاً لذلك، ويشتريها الزبون لاستكمال المتعة.


يوم غياب الفرقة الموسيقية، قلت لمانولي: «لن يحضر أحد وكوستا سيسلخنا».


قال: «لا تقلق لن تجد مكاناً في المطعم صديقي موسيقار شهير،سيحضر، وهو نجم التليفزيون والسينما».


في المساء جاء، في الثمانين من العمر، وحده مع آلة البوزوكي، الشبيهة بالعود، وامتلأ المطعم حتى ضاق بعشاق فنه من الأجانب واليونانيين.


في العاشرة مساء، توقيت استراحة الموسيقى لنصف ساعة، توجهت نحوه كما أفعل مع الفرقة الموسيقية؛ لأعرف طلباته من المأكولات والمشروبات، وكنت مسحوراً بأداء ذلك العازف المسن القدير، الذي أشعل النار في المطعم بالرقصات الصاخبة، والأغنيات القديمة التي يتأوه عند سماعها الجالسون، ويقفزون من أماكنهم غير قادرين على القعود؛ لينفجروا في حلبة الرقص مع بقية الأجساد الصاخبة.


سألته: «سيدي ماذا تشرب؟». قال وهو يتفرسني: «سطل خروب وواحد عرقسوس».


ووسط دهشتي قال: «مصري وصعيدي مش كده؟ أنا عرفت من مانولي».


وأضاف: «شوف.. أنا ما يهمنيش كل اللي سمعته دااا.. أنا هاسمعك الشغل اللي أنا باحبه... ولو عايز حاجة أطلبها».


«ذهب الليل طلع الفجر والعصفور صوصو صوصو.. شاف القطة قال لها بسبس قالت له نونو نووو.. ناو ناو».


وارتج المطعم بالرقص، على أغنيات محمد فوزي وفريد وعبدالوهاب.


وبكى وهو يغني: «يا مصطفى يا مصطفى أنا باحبك يا مصطفى، سبع سنين ف العطارين وانا باحبك يا مصطفى».


قلت: أين عرفت كل ذلك؟ قال: «حبيبي أنا كنت رئيس فرقة محمد فوزي واسمي موجود في معظم أفلامه».


لم يأكل سوى لقمة، وشرب كأساً من الكونياك، ولملم البوزوكي، وأدخله في الجراب الجلدي بمعاونة مرافق، وعانق صديقه مانولي وخرج، وقبل أن يرحل استخرج ٥٠٠ دراخمة ودسها في يدي، وقال: «سلم لي على مصر، لأن متهيألي مش هاشوفها تاني»