ثورة يوليو.. بقايا رماد!

22/07/2015 - 11:21:41

الضباط الأحرار الضباط الأحرار

د. مصطفى نور الدين - كاتب مصري

    إذ يطرد الفلاحون من أرضهم التي منحتها لهم ثورة يوليو بعد شهرين من قيامها بتطبيق قانون الإصلاح الزراعي ونتساءل عما بقى؟ ويطرد العمال بالمئات من المصانع ونواصل التساؤل؟ ويباع القطاع العام ولا نعي ما يحدث؟ ويتدهور التعليم ولا يجد المواطن الرعاية الطبية ويعيش الناس في المقابر ويتزايد عدد الذين يعيشون تحت حد الفقر، وتتراكم الزبالة في كل مكان وتكاد الأمية تضرب خمسي عدد السكان والبطالة ضحيتها الملايين ومياه شرب ملوثة والمواصلات العامة سيئة وتتحكم البيروقراطية في سير الشؤون الخاصة والعامة والفساد معمم من البقشيش للرشوة والوساطة أسلوب توظيف وانعدام العدالة في فرض الضرائب والتهرب الضريبي وعمومية العشوائيات في العمران وسياسة الإهمال لدرجة الجريمة للآثار والكهرباء لا تضمن سير المشروعات والديون تتراكم بالمليارات والأثرياء يتضاعف عددهم والمئات يموتون في البحر بحثا عن أرض أخرى ويستمر الاتجار بالعقول بتصديرها لجلب عملة صعبة بدلا من استثمارها محليا لتحويل المجتمع من مجتمع ريعي إلى مجتمع منتج، ونتساءل عما بقى من ثورة يوليو!


    لا يمكن التطرق لما تبقى من مشروع "دولة يوليو" دون طرح كل الأسئلة. فكل السلبيات الراهنة هي بقايا إيجابيات "دولة يوليو" وهذه السطور ليست أهزوجة في "دولة يوليو" ولكن نظرة سريعة على ما كان إيجابيا وسلبيا. ما بقي من دولة يوليو هو الدولة البوليسية فحسب وكل إيجابياتها زالت بيد شيطان السلطة منذ "ثورة التصحيح" الساداتية وما تلاها في ظل حكمه وحكم حسني مبارك.


    إن عمر التجربة قصير للغاية لما يحتاجه أي تحول جذري للتحقق. لا نتردد في تحديد نهاية ثورة 1952 سياسيا مع الانقلاب الذي أطلق عليه السادات "ثورة التصحيح" عام ١٩٧١. فمن تلك اللحظة بدأ التشكيك فيما سبق إنجازه وتفكيكه والوصول بالنظام إلى نقيض ما أعلنته "دولة يوليو" عبر مراحل حياتها القصيرة. هذا القصر جاء نتيجة ضربتين سابقتين للتجربة. الضربة الأولى في عدوان ١٩٥٦ والثانية التي كانت قاضية في هزيمة ١٩٦٧.


    بين الحربين تم بناء السد العالي كأعظم أثر تركته، أيا كانت السلبيات التالية نتيجة إهمال النظام بداية من فترة سلطة السادات. وبعد النكسة كان الانشغال "بإزالة أثار العدوان". أي توقف للتجربة وتركيز الجهود على الجانبين العسكري والحربي وليس إكمال مشروع الدولة الذي بدأ مع الإصلاح الزراعي ثم سياسة التصنيع الثقيل. ذلك يعني أن هزيمة ٦٧ هي نقطة النهاية الفعلية للمشروع الاقتصادي واستمرار البعدين الاجتماعي والثقافي كقاعدة تدعم الدولة في ظل أزمة الهزيمة. وبعدها مع الانفتاح الاقتصادي بدأت مرحلة تكامل مشوه لمصر داخل العولمة الرأسمالية مجتمعا ودولة. أي "دولة مهلهلة" يتحكم فيها مافيا رجال الأعمال وقوى الضغط والنفوذ ومؤسسات بيروقراطية وسطوة بوليسية هي الاستمرار لميراث تاريخي طويل. وفي الجانب المواجه للدولة "مجتمع فساد" قننت الدولة وجوده كنوع من ترك الحبل للأفراد للتصرف لتحقيق مشروعاتهم الذاتية بكل الوسائل وفي انفصال عن أي مشروع وطني يلتفون حوله. فشلت إذن كل المشروعات الساعية لتنمية اقتصادية وحلت محلها المشروعات الفردية السريعة المردود المادي دون أن يعود ذلك على المجتمع بنقلة كيفية اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا.


    وبالنظر لثورة يوليو كمحاولة للحد من التبعية بشقيها الاقتصادي والسياسي فلقد أجهضها مع النكسة ثم ما تلاها في ظل قوانين الانفتاح وما أعقبها بمعاهدة كامب ديفيد نكوص كيفي عن مشروع "دولة يوليو" وتكريس للتبعية النهائية والفساد المقنن الذي استمر بعد اغتيال السادات من التيار الإسلامي الذي خلقته الدولة لمواجهة القوى الوطنية وخاصة اليسارية.


    ويلزم التنويه إلى أن التبعية الاقتصادية بدأت بطبيعة تراكم رأس المال منذ دولة محمد علي. أي بتوجيه هذا التراكم نحو سياسة هدفها إشباع طلب السوق الدولية وليس الحاجات الأساسية للمواطنين. فتركز التراكم بالانحصار في زراعة المحصول الواحد "القطن" لتلبية طلب السوق الخارجي ثم خضوع الدولة لشروط المجتمع الدولي بفض احتكارها للتجارة وفتح السوق للسلع الأجنبية وتحجيم التوسع الخارجي. ثم تجذرت التبعية في الفترات التالية وتزاوجت بتبعية سياسية مع خلفاء محمد علي خاصة الخديو إسماعيل وبشكل أخص الخديو توفيق، ثم تفاقمت في ظل الهيمنة المباشرة للإمبريالية البريطانية على مصر ونظام ملكي مقيد اليدين جبرا وطواعية.


    بداية مشروع "دولة يوليو" كانت بعد نحو شهرين من قيام الثورة بإصدار قانون الإصلاح الزراعي ثم تعدل في ١٩٦١ و١٩٦٨ ليصبح الحد الأقصى للملكية ٥٠ فدانا بعد أن كان ٢٠٠ فدان في أول تطبيق له، وحددت القوانين العلاقة بين المالك والمستأجر لتمنع طرد الفلاح ولتحدد قيمة الإيجار بسبعة أمثال الضريبة السنوية.


    في ظل "دولة يوليو" للمواطنين حق الاستمتاع بالخدمات في القطاعات المختلفة ولم يرق ذلك إلى تحقيق لعدالة اجتماعية تتطلب إعادة توزيع للثروة. هذا الاستمتاع المجاني في التعليم والصحة أساسا تحقق إلى قدر كبير. وتحقق بقدر معقول في حقل الثقافة بتوفير إصدارات بأثمان رمزية سواء للكتب أو المجلات الثقافية.


    فالعدالة الاجتماعية تحقق البعض من مظاهرها في الإصلاح الزراعي أو بالحصول على نسبة من أرباح شركات القطاع العام. ولم تتحقق تلك العدالة في القطاع الخاص. أي تجاور مواطنين يخضعون لمعيارين مختلفين. بنص "الميثاق" فإن "الحرية الاجتماعية لا يمكن أن تتحقق إلا بفرص متكافئة أمام كل مواطن في نصيب عادل من الثروة الوطنية. إن ذلك لا يقتصر على مجرد إعادة توزيع الثروة بين المواطنين وإنما يتطلب أولا وقبل كل شيء توسيع قاعدة هذه الثروة"، ويستلزم برنامج "دولة يوليو" لتحققه بحسب الميثاق: "سيطرة الشعب على كل وسائل الإنتاج وعلى توجيه فائضها طبقا لخطة محددة". هذا لم يتح له الزمن ليتحقق ولو نسبيا بسبب هزيمة ٦٧.


    ولعل واحدا من الأمور التي لا تنكر هو فتح مجال التعليم المجاني للغالبية ممن كان يستحيل عليهم سابقا التمتع به فزاد عدد التلاميذ والطلاب بنحو ٣٠٠ في المئة خلال السنوات الأولى للثورة. أدى ذلك إلى صعود فئات اجتماعية للسلم الطبقي والمهني وتكوين كادر بقدرته تسيير دولاب الأنشطة المختلفة والاستغناء بقدر كبير عن المهارات الأجنبية التي كانت موجودة إبان الاحتلال البريطاني.


    ما نشهده اليوم هو فجور الأثرياء الذين يعصون قانونا سنته الدولة للحد الأقصى للأجور في حين أن "دولة يوليو" وضعت حدا أعلى للرواتب بحيث لا تزيد على ١٠ آلاف جنيه سنويا وفرض ضرائب تصاعدية بنسبة تصل إلى ٩٠ بالمئة على دخول العليا. ما نشهد اليوم هو فجور المضاربين في سوق المال بالضغط على الدولة لتظل الفوائد التي يحصلون عليها من المضاربة في البورصة خالصة لهم ولا تستفد الدولة بها في سياستها المالية. ما نشهده هو استبداد أصحاب المساكن في رفع الإيجار في حين أن "دولة يوليو" وضعت قواعدها على مراحل وتم تخفيض إيجارات المساكن بشكل كبير لتحمي المستأجرين.


    عمل كشف حساب سيكون من الجور فيه الكلام عن فشل هنا أو هناك إن لم نأخذ في الاعتبار الظرف التاريخي الخارجي الذي تحكم في انعدام تحقيق إنجازات كبرى. فقصر عمر التجربة بالأخطاء التي وقعت لم تسمح بتغيير المسار أو حتى تعديله وعندما وصل السادات للسلطة وضع نهاية للتجربة قصيرة العمر.


    السلبية الأساسية في ثورة 1952 هي خلق مجتمع الاصطفاف حول فلسفة النظام السياسية الأحادية وحجر الاختلاف والمعارضة. أدى هذا الاصطفاف إلى غياب النظرة النقدية للممارسات السياسية والاقتصادية. وإلى تنازل فكري تم قبوله مما كان يعتبر يسارا معارضا لبلوغ مكانة في داخل النظام الجديد بأيديولوجيته وبالتالي انصهار وغياب البعد النقدي من سياسات الدولة. وأدى أيضا لتهميش كل معارضة مارقة وإجبارها للتحول للعمل السري بسبب الملاحقة والاعتقال الذي ساد كنهج دولة. هذا البعد مازلنا نراه اليوم في الاتهامات بكل أنواعها التي توجه للمعارضين إذ أصبح نمط تفكير مجتمعي بدلا من الاستفادة بثراء ما يقوله الرأي الآخر..


    أخيرا ما بقى من "دولة يوليو" هو آثار النكسة التي تدفع مصر وكل البلدان العربية فاتورتها من حينها حتى الغد. فكل ما يحدث من تمزقات وهيمنة خارجية هو نتاج تحلل دولة يوليو كقوة كانت الحارس على التوازنات الداخلية والإقليمية. ويسألونك عما بقى من ثورة ٥٢؟ قل الرماد!