المحتوى الاجتماعي الطبقي للثورة السورية

22/07/2015 - 11:20:40

صورة ارشيفية صورة ارشيفية

هيفاء أحمد الجندي - كاتبة سورية

    طغى على أغلب المقالات والدراسات البحثية التي تناولت الثورة السورية الطابع السياسوي والثقافوي، ولم ير بعض الباحثين في الثورة الشعبية إلا ثورة سياسية لمقارعة الاستبداد، واختزلت بمطلبي الحرية والكرامة، وجرى الالتفاف على طابعها الاجتماعي، لأنه لم يتم تفكيك بنية نظام الاستبداد، ولا تشريح التركيب الاقتصادي الاجتماعي السوري، وهذان الشرطان يتيحان لأي باحث الوصول إلى خلاصات فكرية تكون بمثابة مقدمة لإنتاج نظرية للثورة، وبطبيعة الحال لا يمكن التأسيس لهذه النظرية، من دون أن يأخذ الباحث بعين الاعتبار، سمات الإمبريالية في طورها العولمي المالي وعلاقتها بالطغم الحاكمة وتأثير هذه العلاقة العضوية على مختلف الشرائح الاجتماعية.


    لم تكن الثورة السورية ثورة منظمة، أيديولوجية لها قيادة هرمية، وإنما ثورة عفوية ولم يأخذ الصراع شكلا كلاسيكيا بين طبقتين متمايزتين، أي الطبقة العاملة ورجال الصناعة الرأسماليين، بل أخذ شكل ثورة شعبية ديمقراطية، ضد نظام الطغمة المالية - العائلية التي استحوذت على السلطة والثروة واستفادت طوال فترة حكمها، من الشكل البيروقراطي المغلق وراكمت الثروات الطائلة وتحولت فيما بعد، إلى بورجوازية ريعية وفرض عليها هذا التحول التخلي عن بعض الإصلاحات الاجتماعية التي ارتبطت بما سمي دولة الرفاه، ووجدت نفسها أمام مأزق تاريخي، لأنها تريد منافذ لتوظيف الأموال المنهوبة. وعلى أثر ذلك، رُفع شعار التطوير والتحديث، ولم تكن الغاية منه إلا افتتاحا لعهد الليبرالية الاقتصادية، والانفتاح على الأسواق وكان لهذه السياسات تأثير بالغ الضرر على الشرائح الدنيا الفقيرة، لأنه جرى إغراق الأسواق المحلية بالبضائع المستوردة والأجنبية، وتضرر من جراء هذه السياسات الحرفيين وصغار المنتجين.


    وجرت فيما بعد مصادرة بعض الأراضي الزراعية لتقيم عليها البورجوازية الجديدة مشاريعها العقارية والخدمية، ووجد الفلاح نفسه محاصرا ومكبلا، وشعر بصعوبة بالغة في الحصول على وسائل الإنتاج اللازمة لتقدم الزراعة كالسماد، البذار، المحروقات، فضلا عن تضافر عوامل أخرى لها علاقة بالظروف الطبيعية والمناخية، كشح المياه والجفاف. وأسهمت هذه الأسباب في تراجع الظروف المعاشية للأغلبية الشعبية وأدى ذلك إلى تزايد هجرة المفقرين الجدد من الريف إلى المدينة والتحقوا بالاقتصاد غير النظامي، والموازي والأعمال الهامشية ونتج عن التوسع الرأسمالي الريعي كوكبة من العشوائيات ومن أحزمة الفقر، وتعميم العمل الرخيص ولولا الطابع الريعي للسلطة الحاكمة، لكان بالإمكان استيعاب هذه الكتلة المهمشة، في مجالات حرفية كثيفة العمالة، بيد أن اعتماد الدولة على الريع أسهم في تقليص بورجوازية السوق التي وجدت نفسها مضطرة للتواؤم مع محسوبية السلطة النيوميراثية المستقوية بعلاقاتها مع الممولين الخارجيين، وفق تعبير المفكر اللبناني جلبير الأشقر، سيما وأن الطور الحالي من الإمبريالية ـ والذي يتسم بصعود رأسمال المالي على حساب الإنتاجي ـ لا يشجع على الإطلاق مرحلة تكوين اقتصاد منتج ومتمحور على ذاته، بل يعزز من تبعية  الطغم المالية الحاكمة التي تراكم لا لتوظف رأسمالها في القطاع الإنتاجي، وإنما في قطاع المضاربات المالية والاستثمارات العقارية الخدمية. وهذا الشكل من التوظيف، لا يسهم في تشكيل سوق محلية ولا سوق للعمل.


    إن التحالف الطبقي بين النخب المالية في الأطراف واحتكارات المراكز هما المسؤولان عن تهميش وإفقار الشرائح الدنيا، ولا يمكن للقوى الغربية أن تضحي بهذه الطغم لأنها تلعب دور الوسيط الذي يقع على عاتقه نقل فائض عمل الفلاحين والعمال والمنتجين إلى الحواضر الغربية الرأسمالية، ومن شأن هذه العلاقة أن تعزز هيمنة هذه الأخيرة وتحكم على مسار التطور الاقتصادي بالتبعية للخارج، وتكرس الأشكال ما قبل الرأسمالية وتحديدا في الأطراف والهوامش، لأن القوى الإمبريالية  تدرك أن فك الارتباط يمكن أن يسهم في تطور القوى المنتجة ويغير علاقات الملكية الطبقية، وتبدأ بعد ذلك مرحلة بناء اقتصاد منتج مستقل.


    وبناء على ما ذكر أعلاه، يمكن تفسير الطابع الاجتماعي للثورة بانسداد تطور القوى المنتجة، والاستغلال المزدوج الذي تعرضت له الطبقات المفقرة، وبطبيعة الحال لا يستقيم أي تحليل للثورة، من دون إيلاء المسألة الاجتماعية الدور الأساس لانتفاضة الشعب السوري، مع العلم أن كل ثورة سياسية جوهرها اجتماعي ولا أعلم لماذا جرى التعاطي مع البعد الاجتماعي، بكثير من الفوقية، من قبل بعض الباحثين، مع أن وعي الجوع والظلم والتهميش هو من دفع الجموع للاحتجاج والتظاهر، وهو سابق على وعي الحرية وهذا الأخير لا يبقى على حاله وإنما يرتقي ويتطور من خلال الممارسة الثورية إلى أن يصل إلى وعي الحرية.


    وهذا ما أكد عليه ماركس، حين قال إن المسألة الاجتماعية تتحول إلى قوة سياسية موجودة في مصطلح الاستغلال،  أي في الفكرة القائلة بأن الفقر هو نتيجة الاستغلال  من خلال طبقة حاكمة تمتلك كل وسائل العنف.


    إذن، لم يعد من سبيل لإنكار المضمون الشعبي العمالي الفلاحي للثورة السورية، وهذا المحتوى يتوافق مع كل منطق الثورات التي حصلت في العالم، ولا يتعارض أبدا معها، وأكبر مثال على ذلك الثورة الفرنسية التي يمكن اعتبارها ثورة فلاحية، وإن كانت البورجوازية قد سيطرت عليها بالتدريج، وحسب توصيف المفكر سمير أمين فإن الثورة الفرنسية لم تكن مجرد ثورة برجوازية، أحلت النظام الرأسمالي محل النظام القديم، وسلطة البرجوازية محل الأرستقراطية، هي أيضا ثورة شعبية ديمقراطية وفلاحية تحوي بذور الثورة الاشتراكية ولكن لم تتوفر شروطها.


    وحتى الثورة الروسية لا تختلف عن نظيرتها الفرنسية، لجهة أنها ثورة فلاحية قامت ضد كل أشكال القنانة البالية ولكن ما يميزها عن غيرها أنها قامت على يد حزب قوي الارتباط بالطبقة العاملة والمثقفين الراديكاليين، من دون أن ننسى أيضا الثورة الصينية التي حصلت على أسس تضمنت تحالفا مع فقراء الفلاحين ومتوسطيهم.


    مهما يكن من أمر فإن الثورتين الروسية والصينية ثورتان اجتماعيتان، بسبب غلبة الطابع الفلاحي، وواجهتا أيضا التقلبات المعتادة في الثورات الكبرى ونتائج التوسع غير المتكافئ للرأسمالية العالمية، وضحتا فيما بعد بالأهداف الشيوعية في سبيل المتطلبات العاجلة للحاق الاقتصادي، وسارع هذا الانزلاق إلى التخلي عن الملكية الجماعية التي حددتها شيوعية ماركس، وما صاحب ذلك من تدهور للديمقراطية الشعبية التي خنقتها الدكتاتورية والدموية.


    إنها لحيلة على قدر كبير من التضليل أن ينكر البعض انبثاق الثورة من شكاوى الفلاحين لمجرد أن يكون قادتها مهنيين ومفكرين وأفرادا من الطبقة الوسطى، ولا بد أن نعرج على ما ذكره المؤرخ الماركسي إريك هوبسباوم، في سفره المهم "عصر الثورة" عندما عرض لأوضاع الفلاحين التي تفاقمت خلال السنوات العشرين قبل اندلاع الثورة الفرنسية، إذ كانت مستحقات الإقطاعيات تلتهم النصيب الأكبر من دخل الفلاح. ويقول هوبسباوم إنه في عام 1848 وبسبب الآثار التي خلفها الاقتصاد البرجوازي على الأراضي تحولت نزعة التمرد الفلاحية إلى حركات وبائية لم تنضج إلا بعد أواسط القرن التاسع عشر ولا سيما في أوساط العمال الذين لا يمتلكون الأرض، وفي عامي 1834 و1835 حصل التضامن العفوي في أوساط مجتمع العمال وبين الرجال الذين ماتوا كعمال الحرير في ليون، وكان يجمع هذه الحركة ويلم شملها الجوع والبؤس. ولكن الجديد الذي قدمته هذه الحركات هو الوعي الطبقي فلم يعد الفقراء يواجهون الأغنياء، وإنما أصبحت هناك طبقة عاملة تواجه أرباب العمل، على عكس الثورات العربية التي افتقدت لهذا التفارق الطبقي ولو حصل لتم القضاء على الأشكال "الماقبل رأسمالية" وعلى العلاقات الأبوية البطريركية وشبه القرابية في الأرياف والهوامش، وما حدث هو تفكيك الإقطاع من أعلى من قبل الدولة العسكرية البيروقراطية، وهذا الإجراء ينسجم مع بنية الدولة العربية أو الدولة/ الطبقة التي كانت تستحوذ على الفائض من خلال الهيمنة الأيديولوجية، وسبق أن وصم ماركس شكل تطور بلداننا بالركود والدائرية، وعزا ذلك إلى استبداد الدولة الأبوية الزراعية، وحيازتها للملكية وكانت ركيزتها في ذلك القبيلة والعشيرة، وعزز من هذا الانغلاق والركود فيما بعد الهيمنة الكولونيالية.


    بنية الدولة العربية بتركيبها الاجتماعي تشبه، إلى حد كبير، واقع الهند التي كانت صناعية عندما حولها البريطانيون إلى بلد زراعي، وقضوا على الصناعات اليدوية، وأدت هذه السياسة إلى تسريع وتعميق ملكية الأراضي الطفيلية، حيث كان يتم جمع الفائض من الفلاحين من دون وسطاء، وفق ما ذكره باريجنتون مور في كتابه "الأصول الاجتماعية للديمقراطية والديكتاتورية".


    وبالعودة إلى الثورة السورية، فما كانت لتكون ثورة لولا انضمام فلاحي الأرياف وفقراء المدن والحرفيين وصغار المنتجين، وهذا التوصيف يتقاطع إلى حد كبير مع التعيين الطبقي الذي وسم به جرامشي طابع الصراع في إيطاليا، والذي رآه ثلاثي الأبعاد (البرجوازية والبروليتاريا والفلاحين والفئات الوسطى) والفرق الجوهري بين واقع الصراعين أن الكتلة المفقرة السورية ثارت ضد نظام طغمة مالية ريعية، وليس ضد طبقة رأسمالية صناعية صاعدة، وأكثر ما كانت تحتاجه هذه الكتلة هو التنظيم والقيادة اللتين تمكنانها من امتلاك الوعي اللازم والضروري، بيد أن ما كشفت الثورة عنه هو وجود أزمة وعي حقيقية مردها غياب الأحزاب، وانكفاء المثقفين، وعدم انخراطهم بالحراك الثوري كما يجب، ولم يولوا أيضا أية أهمية للمستوى الايديولوجي في الصراع وقدرته على حدوث تغيير جذري في وعي الفئات المفقرة والشعبية، لأنه وبمراحل الاستعصاء الثورية والردة يحصل نكوص لهذا الوعي إلى وعي طائفي وغيبي يساعد القوى المضادة للثورات على التقدم، وعندها تتبدل مواقع الصراع والمواجهة، ويمكن أن يعزز هذا التحول من سيطرة الطبقات المسيطرة، ويعيد إنتاج هيمنتها ويثبت مواقعها، حيث تدعم القوى الامبريالية هذه الطبقات المسيطرة، وهذا الدعم الذي قلل بعض المثقفين الليبراليين من خطورته.


     إن التحالف العمالي الفلاحي الشعبي يقود الموجة الأولى من الثورة الشعبية والديمقراطية التي لا يمكن أن تكون إلا جزءا من ثورة اشتراكية على المدى البعيد؛ لأن الثورات في زمن الهيمنة العولمية المالية لا يمكن أن تقود إلا إلى ثورات اشتراكية. وفي معرض نقده لماركس اعتبر سمير أمين أن إنجلز وماركس لم يقدرا أن الأمم الفلاحية ستثبت أنها أكثر ثورية في الانتقال نحو الاشتراكية.