الزعيم

22/07/2015 - 11:17:00

بقلم: أحمد النجمى

«الزعيم» فكرة تاريخية، دور تاريخى، مكانة تاريخية، «الزعيم» يأتى من صلب الشعب، أو باختيار الشعب، مولود من رحم إرادة الشعب، «الزعيم» مرحلة من تاريخ هذا الشعب، يتوقف أمامها المؤرخون، المنصفون وأصحاب الانحياز والمحبون والكارهون، والجميع - فى النهاية - لا يملك سوى أن يقدم إعجابه بتجربة هذا الزعيم.. وهو لقب رفيع الطراز، أساء استغلاله طغاة هنا وهناك، وتلقب به من لا يستحق، كثيرًا ما حدث هذا.. رحلت الأجساد وفنيت الأعمار، وبقى اللقب.. وبقى التاريخ قبل اللقب، لا يرحم من انتحلوه، لكنه ينصف من استحقوه.. «الزعيم» قد يحكم، وقد لا يصل إلى الحكم، لكنه - فى الحالتين - يبقى أكبر من فكرة «الحاكم»، فكم من حاكم لعنه التاريخ، وكم من زعيم خلده التاريخ.. !


تلك خواطر تتدافع إلى ذهن المرء وهو يحاول تحليل صفحات من تاريخ مصر الحديث والمعاصر، متوقفًا أمام شخصيات بعينها، لها أثرها العميق فى الحاضر المصرى - وإن كانت قديمة، ابتعد بها الزمان - وسيكون لها أثر بعيد.. ما دامت قائمة بيننا حية ترزق، خواطر تتدافع إلى ذهن المرء وهو يكتب عن ذكرى ثورة ٢٣ يوليو المجيدة وقائدها خالد الذكر «جمال عبدالناصر»، ولا يمكن أن يكتب عن ناصر دون أن يحيله هذا إلى «السيسى» وزعامته وتجربته.. أو دون أن يحيله إلى تجربة «محمد على» فى مطلع القرن التاسع عشر أو «عرابى» فى أواخر القرن نفسه أو سعد زغلول فى ثورة ١٩١٩.. جميعًا زعماء من صلب هذا الشعب..!


“الزعيم» الذى سخر منه الفنان الكبير «عادل إمام» هو الشخصية المعاكسة تمامًا لمن نكتب عنهم.. كان عادل إمام - حين صنع هذا العمل المسرحى العظيم فى التسعينيات – يقصد «منتحلى اللقب».. وهم كثر، من هتلر وموسولينى، إلى بعض طغاة العالم العربى المعاصر، ومنهم «مبارك» الذى عرضت المسرحية فى عصره.. ولفرط غرور نظامه، لم يلتفت إلى أن المسرحية بها طعن على شخصيته وعلى الصفقات المشبوهة لبيع الاقتصاد الوطنى فى عصره الزائل.. الطاغية دائمًا لا يصدق أنه هو المقصود بالذم والطعن، والطاغية يتخذ لنفسه لقب «الزعيم»، عرفنا هذا فى ليبيا والسودان وسوريا والعراق واليمن فى العقود الماضية، وعرفناه فى مصر أيضًا.. فى السبعينيات وحتى يناير ٢٠١١، كانوا طغاة ادعوا الزعامة، وما أكثر هذا النموذج شرقًا وغربًا..!


لكن الشعب هو - وحده - الذى يعطى الرجال لقب «الزعيم».. وهو فى «المعجم الوسيط»: «السيد والرئيس والكفيل والقائد»، أما المستبدون الذين حملوا لقب الزعيم، فقد وصفهم به إعلامهم فقط.. وصفهم هذا الإعلام بألقاب ما أنزل الله بها من سلطان، سقطت حين هلك عنهم سلطانهم، واستبدلها الشعب - ونفس الإعلام الذى كان يؤلههم - بألقاب وضيعة، يستحقونها.. ويستحقها أيضًا من كان ينافقهم ويجرى فى ميادينهم..!


الشعب أعطى هذا اللقب لعرابى باشا، وسعد باشا زغلول، وجمال عبدالناصر، وها هو زعيم يرفعه الشعب إلى نفس المقام: عبدالفتاح السيسى، وتأسيسًا على نفس الأفكار التى أعطت هؤلاء الرجال الأربعة لقب الزعيم يمكننا أيضًا أن نعطيه لمحمد على باشا مؤسس الدولة المصرية الحديثة.. ومن بين هذه الأسماء الخمسة - من محمد على إلى السيسى - يبدو اسما “جمال عبدالناصر» و»عبدالفتاح السيسى» الأجدر بالالتفات..!


المؤسس


«محمد على» أول هؤلاء الذين يستحقون لقب «الزعيم» فى التاريخ المصرى الحديث.. أولهم من حيث الترتيب الزمنى، وهو الذى أسس الدولة الوطنية المصرية، قبله كانت مصر «إيالة عثمانية» أى ولاية من ولايات السلطان العثمانى، صحيح أنها - عمليًا - كانت قد خرجت عن سيادة السلطان العثمانى منذ ثلاثة عقود، أى منذ صعود “على بك الكبير» ومحاولته للاستقلال بها والإطاحة بواليها العثمانى، لكنها - شكليًا - ظلت تابعة لعرش الخلافة العثمانية.. «محمد على» باشا، جاء بثورة شعبية أعجب أن المؤرخين لا يتوقفون أمامها طويلًا.. لقد وضعه المصريون بأنفسهم على كرسى الولاية، بعد ثورة شعبية عارمة، وتظاهرات مستمرة، وصعدوا به إلى «القلعة”، وعلى رأسهم الثائر العظيم الوطنى «عمر مكرم»، كان هذا فى العام ١٨٠٥..!


صحيح أن محمد على لم يكن مصريًا «كان من ألبانيا»، وصحيح أنه لم يكن متعلمًا من الأساس، لكنه كان يحلم أحلامًا عظيمة، جعلته يضع لهذا البلد مشروعه الوطنى الحديث، ولا نبالغ إذا قلنا إن مشروع النهضة المصرية منذ ١٨٠٥ حتى اليوم لايزال كما هو، يتمثل فى دولة قوية عسكريًا واقتصاديًا، متوسعة فى التعليم والخدمات، متميزة فى الزراعة والصناعة، صحيح أن المشروع كانت شروطه - وقتئذ - أيسر من شروطه الراهنة كثيرًا.. لكنها كانت تظهر وتتجسد لأول مرة، وكان السير عليها أمرًا بالغ الأهمية لمن سيأتى بعد ذلك من الحكام الوطنيين.. وضع محمد على اللبنة الأولى لكل مكونات الدولة المصرية الحديثة، هذا هو المنجز الرئيسى للرجل، وهو - أيضًا - ما عاقبه عليه الغرب “بريطانيا وفرنسا والقوى الاستعمارية آنذاك..”، وفرضوا عليه «معاهدة لندن» التى قوضت مشروعه، ذلك الذى كان يرمى لإنشاء إمبراطورية إقليمية واسعة.. فعاد مشروع محمد على داخل حدود الدولة المصرية، وتم تقليص جيشه وتقليم أظافره.. ولكن بقى محمد على كأول شخصية فى التاريخ المصرى الحديث تستحق لقب «الزعيم» مهما تكن اختلافاتنا مع هذه الشخصية..!


الثائر


إذا كان محمد على باشا مؤسس الدولة المصرية، فإن عرابى هو مؤسس فكرة “الضابط الثائر”، الذى يقود ثورة شعبية، يدعمها الجيش.. هذه النظرية مصرية تمامًا - مائة بالمائة - تختلف تمامًا عن نظرية «العسكر» التى تهيمن على ذهن الغرب منذ نحو ١٥٠ سنة، أو فكرة «جمهوريات الموز» اللاتينية، التى يقوم فيها «جنرال» بانقلاب عسكرى ويستولى على الحكم، وبعد أسابيع ينقلب عليه زميل له فى الجيش ويصبح حاكمًا أيضًا.. الجيش المصرى مختلف، هو العماد الذى تأسست عليه الدولة المصرية فى العصور الفرعونية، فى البدء كان الجيش المصرى النظامى، الذى وحد البلاد على يد «مينا-نعرمر» موحد القطرين، وصار هو «الضامن» دائمًا لتماسك ووحدة وأمن ومكانة مصر، وحين فتح محمد على الباب لتجنيد المصريين وترقيهم فى السلك العسكرى، ظهرت أجيال من القادة من أبناء البلد.. منهم «أحمد عرابي»، الذى أسس لفكرة «إنقاذ الجيش للأوضاع المتردية»، فإذا فسد الحاكم، أو خان، أو لم يعد صالحًا للحكم.. تدخل الجيش ليغير الأوضاع.. هكذا ثار «عرابى» ورفاقه فى الجيش المصرى قبل ١٣٤ عامًا «٩ سبتمبر ١٨٨١»، وخرج كفارس نبيل ورفاقه إلى ساحة قصر عابدين ليواجه الخديو توفيق بمطالب الثورة العظيمة: زيادة عدد الجيش إلى ١٨ ألف جندى، تشكيل مجلس شورى النواب على النسق البرلمانى الأوربى، عزل وزارة رياض باشا.. فقال له توفيق: كل هذه المطالب لا حق لكم فيها.. وأنا ورثت ملك هذه البلاد عن آبائى وأجدادى، وما أنتم إلا عبيد إحساناتنا.. فرد عليه الثائر العظيم عرابى باشا: لقد خلقنا الله أحرارًا ولم يخلقنا تراثًا أو عقارًا فوالله الذى لا إله إلا هو لن نورث ولن نستعبد بعد اليوم.


استجاب الخديو مضطرًا، ثم تآمر مع القوى الأجنبية على التجربة العرابية، التى كان المصريون يؤيدونها تأييدًا جارفًا، حتى جلب الخديو وأعوانه الاستعمار البريطانى إلى مصر.. وتم تلطيخ صورة عرابى التاريخية العظيمة لعقود متصلة، حتى أزاح عنها المؤرخون المنصفون التراب، فعادت إلى نقائها، صحيح أنها لم تنل حظها من الإنصاف، لكنها تبقى برغم ذلك عصية على التشويه، عرابى الذى تم نفيه سنوات طوالٍ، عاد إلى مصر ومات فيها كآحاد الناس، لكنه كان قد أسس لنفسه زعامة تاريخية فريدة.. تؤكد أن جيش مصر ليس كبقية جيوش الدنيا.. لعله أول زعيم مصرى يتأسس على خلفية تجربته الثورية الفريدة شعار “الجيش والشعب.. يد واحدة»، لم يظهر هذا الشعار أو يرفع فى الميادين خلال عصر عرابى، لكنه تمت ترجمته إلى واقع سيعيش طويلًا بعد ذلك..!


سعد


الزعيمان - محمد على، وعرابى - اختلف موقعهما من الحكم.. الأول حكم مصر حكمًا مباشرًا، والثانى لم يحكم حكمًا مباشرًا.. كذلك فإن ثالث مستحقى لقب الزعيم - سعد باشا زغلول - لم يحكم الحكم المباشر ولا وصل إلى كرسى حكم البلاد.. صحيح أنه وصل إلى رئاسة الحكومة المصرية لنحو عام، لكنه لم يجلس على عرش مصر، وحتى خلال حكمه البلاد - كرئيس للحكومة - لمدة عام.. لم تخل هذه المدة اليسيرة من مضايقات الملك فؤاد ورجاله وحاشيته له، وسرعان ما أطيح به خارج دائرة الحكم..!


يحمل اسم سعد باشا زغلول مفتاحًا مهمًا من مفاتيح الوطنية المصرية، هو الزعامة المدنية المصرية، فمحمد على كان قائدًا عسكريًا ولم يكن مصريًا، وعرابى باشا كان قائدًا عسكريًا مصريًا ريفيًا، أما سعد باشا فجمع بين مصرية عرابى والطابع المدنى للزعامة، ليصبح أول رمز للسياسى المصرى المعاصر، يصل إلى مرتبة الزعامة.


زعامة سعد باشا.. هى التى مكنته من أن يواجه الملك فؤاد بجبروته ويقول له : «باسم الأمة».. و»باسم الدستور»، وكانتا قبل ذلك من المحرمات.. حول شخصية سعد، اجتمع المصريون بعد ٣٧ عامًا من الاحتلال البريطانى، تبلورت «الشخصية المصرية» بوصفها الحديث - تبلورًا نهائيًا - مع زعامة سعد زغلول، قبلها كانت هذه الشخصية متذبذبة بين الانتماء للغرب تارة والخلافة العثمانية تارة ثانية، لكن مع سعد.. أصبح المصريون مصريين حقًا، تم “نحت» الشخصية المصرية التى عرفناها فيما بعد.. فى تلك السنوات، سنوات سعد زغلول، الذى تبلورت «مطالب الأمة» فى عصره فى استقلال مصر، وأخذ المشروع الوطنى ينمو سريعًا، ليشمل الديمقراطية النيابية، وبهذا تبلورت زعامة سعد، حاملة لمصر أهم أركان شخصيتها المعاصرة..!


الزعيم.. ناصر


إذن «الزعامة» هى نبت الظرف التاريخى، يصنعها هذا الظرف، ويؤهلها، ثم يقذف بها إلى طليعة الصفوف، لتتقدمها، وتساهم فى صنع التاريخ، لا أحد - مهما تكن حجم زعامته - يصنع التاريخ بمفرده، بل هو حلقة فيه، قبله حلقات وبعده حلقات..!


وفى “جمال عبدالناصر» .. تبلورت الزعامة فى أفضل صورها، فى تاريخ مصر والعالم العربى حتى أواسط القرن العشرين.


فهو - كمحمد على - اعتمد على «رأسمالية الدولة»، تلك الرأسمالية المقيدة بالتدخل الحكومى لضبطها وتنظيمها، ففتح الباب أمام الأموال وأصحابها ليعملوا، ولكن تحت سيطرة الدولة «رأسمالية وطنية»، وهو مثل “عرابي» ضابط من صلب مصر، من ريف مصر، عرابى كان من «الشرقية» وناصر أصوله صعيدية من «أسيوط»، وهو ابن بار من أبناء المؤسسة العسكرية العظيمة، سيف الأمة ودرعها، وهو كسعد زغلول زعيم يحلم باستقلال مصر، ثم باستقلال محيطها الإقليمى العربى والإفريقى.


لكن ناصر الذى استوعب كل هذه الزعامات وترجم مفرداتها إلى لغة جديدة فى عصر مختلف، أضاف إليها الكثير من مفرداته الخاصة.. خارجيًا، انتصر «ناصر» للقومية العربية، وحولها من مجرد نظرية فى الكتب كان يحلم بها مفكرون ومثقفون فى مصر وسوريا والعراق، إلى منهج سياسى حقيقى واقعى، اعترف به العالم كله.. وأسهم - بقوة - فى صنع سياسة «عدم الانحياز» التى تنتصر لإرادة الأمم المقهورة، ضد إرادة القوى الاستعمارية، وتحفظ لتلك الأمم إرادتها فى مواجهة استحواذ القطبين فى زمن “الحرب الباردة» ووجه سياسة مصر الخارجية إلى الشرق، فصارت القاهرة واحدة من أهم العواصم الصديقة لموسكو، ودول حلف وارسو.. فى الوقت ذاته صارت مصدرًا لإلهام كل حركات التحرر فى العالم الثالث.. ومصدرًا لدعم ثوراته فى مواجهة الاستعمار.. ألم يقل كاسترو من قبل إن ناصر كان الملهم الرئيسى له فى ثورته فى جبال “سييرامايسترا»؟ كان ناصر نموذجًا للثورة فى العالم كله، الثورة حين تنجح فى كسر كل القيود وتحطيم مشروعات الاستعمار على صخرة وطن عظيم كمصر..!


أما داخليا، فقد أزال ناصر بثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢ المجيدة حكم أسرة محمد على الذى دام نحو ١٥٠ سنة متصلة، وأطاح بـ”فاروق» الفاسد المفسد من الحكم وخلص المصريين من طغيانه، وسرعان ما تحولت ثورة يوليو إلى «واقع اجتماعى اقتصادى جديد»: الإصلاح الزراعى، مجانية التعليم الكاملة، إلغاء الألقاب، إسقاط الملكية والتحول إلى الجمهورية، وثورة حقيقية فى التصنيع نقلت مصر - آنذاك - من تصنيف الدولة الزراعية إلى الدولة الصناعية، فأصبح لدى مصر قلاع صناعية من «الحديد والصلب» فى حلوان إلى «الألومنيوم» فى نجع حمادى، وشيدت مصر فى عصره «السد العالى» الذى يجسد ليس فقط نموذجًا علميًا وهندسيًا جبارًا كفل لمصر وقتئذ مددًا من الكهرباء التى أنارت كل بقعة مأهولة وأسهمت فى التصنيع بقوة وحمت مصر من سنوات الجفاف التى اجتاحت إفريقيا فى الثمانينيات، بل - إلى جانب كل ذلك - يجسد نموذجًا للإرادة المصرية، والعناد المصرى الصلب النبيل .. قال جمال ذات يوم متحديًا الاستعمار الذى حاول منع بناء السد: حنبنى السد ولو “بالمقاطف»! ومن أجل السد، ومن أجل تنمية مصر بصورة شاملة، أمم جمال عبدالناصر قناة السويس فى ١٩٥٦، ليصفع الاستعمار صفعة مدوية، ولتخوض مصر - على خلفية هذا القرار - واحدة من أنبل حروبها دفاعًا عن استقلالها وإرادتها: حرب ١٩٥٦.. تلك التى خرجت منها مصر دولة من أهم دول العالم، وخرج منها ناصر زعيمًا عالميًا، وتحطمت على صخرتها نهائيًا.أحلام بريطانيا وفرنسا كدولتين استعماريتين..!


ولم تمض مشروعات ناصر العملاقة هذه دون خطة سياسية.. فقد صدرت “القوانين الاشتراكية» فى مطلع الستينيات، لتنتصر - بصورة حاسمة - لطبقتين كانتا فى طليعة مؤيدى ناصر: الفقيرة والمتوسطة، وليجرى تأميم الرأسمالية غير الوطنية، ومهما قيل عن أخطاء حدثت فى تأميم بعض الشركات آنذاك، إلا أن إجمالى خطوات هذا التأميم جاءت فى صالح عموم الشعب، بأموال التأميم تم تمويل بناء مئات المصانع وآلاف المدارس واستصلاح عشرات الآلاف من الأفدنة وتوظيف ملايين الشباب، وبها تم بناء الجيش المصرى الحديث، الذى تعرض لمؤامرة دولية أمريكية - صهيونية فى١٩٦٧، فأعاد ناصر بناءه وخاض به حربًا من أشرف وأنبل حروب مصر.. هى حرب الاستنزاف التى حققت فيها القوات المسلحة المصرية انتصارات فذة على العدو الصهيونى.. وأهلت جيشنا لخوض حرب ١٩٧٣ المجيدة..!


هذه التجربة الفذة - التى استغرقت ١٦ عامًا من ١٩٥٤ إلى ١٩٧٠ - هى ذروة الزعامات المصرية السياسية فى القرنين التاسع عشر والعشرين، وهذه الزعامة المكتملة الملامح - زعامة خالد الذكر “جمال عبدالناصر» - هى الزعامة المصرية الوحيدة التى وصلت إلى ذروة السلطة خلال هذين القرنين المذكورين، ولم يكن غريبًا أن يبكيه المصريون المخلصون ويخرجوا فى وداعه هذا الخروج التاريخى المهيب، كما لم يخرجوا من قبل.. خرجوا - بعد ذلك - فى ثورتى يناير ٢٠١١ ويونيو ٢٠١٣ المجيدتين خروجًا هائلًا، ليس مقطوع الصلة بخروجهم فى وداع جمال عبدالناصر، الذى كان ملهمًا قويًا لهم فى خروجهم فى هاتين الثورتين ضد المخلوع مبارك والمعزول مرسى.. لينفرد ناصر من بين الزعماء الذين سبقوه بهذه الصفة.. وهى أنه لايزال قادرًا على التأثير «الواسع » فى الشارع المصرى، وعلى إلهام المصريين بمعنى ناصع الوضوح: الثورة.


السيسى


أما «عبدالفتاح السيسي» فهو خامس هذه الأسماء التى تستحق لقب «الزعيم».. نضع اسمه بينهم مراهنين عليه، رهانًا وطنيًا وقوميًا مؤكدًا، واثقين بأنه قادر على تخليد اسمه بين هذه الزعامات.. هذا الرجل الذى جاء من رحم التجربة الوطنية المؤلمة لمصر، حين حكمها «الإخوان» عامًا أسود من يونيو ٢٠١٢ إلى يونيو٢٠١٣.


كان على «عبدالفتاح السيسي» أن يتخلص من نفس العدو الرجعى الذى تخلص منه ناصر عام ١٩٥٤ وعام ١٩٦٥: “الإخوان».. تخلص ناصر من «المحظورة» حفاظًا على الدولة المصرية، ووجد عبدالفتاح السيسى نفسه مضطرًا إلى تخليص الوطن كله منهم فى ٣ يوليو ٢٠١٣، حين انتصر لثورة الشعب العارمة ضد حكمهم الإرهابى المشئوم.. جاء السيسى من نفس الرحم التى جاء منها ناصر: المؤسسة العسكرية المصرية، عمود الدولة الوطنية، وركنها الركين.. وسرعان ما اقترن فى ذاكرة الشعب وعاطفته بناصر، لاسيما حين رسم السيسى لمصر سياسة خارجية مستقلة، ضربت سيطرة واشنطن على مقدرات الاقتصاد الوطنى وعلى تسليح الجيش المصرى، وفكك الأحلاف التى ورط مبارك مصر فيها، ومن بعده مرسى.. وسرعان ما استعادت مصر - السيسى مكانتها الإقليمية والعالمية.. إلى ذلك، أعاد السيسى لمصر قدرتها على الحلم.. بقناة السويس الجديدة، تلك الملحمة الفنية الهندسية التقنية - وقبل ذلك البشرية - التى توشك على الافتتاح خلال أيام، مجسدة قدرة المصريين على صنع مستقبلهم، دون حاجة إلى مساعدات خارجية، وبسواعد أبنائهم، وبتمويل من مدخراتهم التى صنعت معجزة فى التمويل خلال ثمانية أيام..!


هذا والحرب دائرة ضد الإرهاب فى سيناء، تخوضها قواتنا المسلحة الباسلة ليل نهار، تجتث الإرهاب، وتحطم من ورائه أحلام قوى عالمية فى تغيير خارطة الشرق الأوسط، نعم.. المعركة فى سيناء ليست ضد الإرهاب فقط، صحيح أن اجتثاث الإرهاب هدف وطنى رفيع، لكن ضرب القوى الدولية والإقليمية التى تغذى هذا الإرهاب هو هدف استراتيجى بالغ الأهمية لمصر وللعالم العربى كله اليوم، تلك القوى المتمثلة بالضرورة فى أمريكا وإسرائيل وتركيا وقطر.. تلك القوى التى حطم السيسى مشروعها فى تفتيت خارطة الشرق الأوسط.. يوم انتصر لثورة ٣٠/٦ المجيدة.


ها هى الزعامة الخامسة - زعامة السيسى - فى الصورة.. فليراقبها المصريون ويدعموها، حققت الكثير، ولايزال أمامها الكثير الذى سوف تحققه بالضرورة، وفى النهاية يبقى الحكم للتاريخ.. وفى جميع الأحوال، يبقى ناصر زعيمًا ملهمًا، وتبقى ٢٣ يوليو ١٩٥٢ ثورة خالدة، يتطلع المصريون إلى قيمها التاريخية.