د. هدى عبدالناصر تعيد اكتشاف أبيها من أوراقه الخاصة كاتباً وزوجاً رومانسياً: حاسم مع أعدائه.. قلبه مع الفقراء.. ولا يقبل أنصاف الحلول

22/07/2015 - 10:47:45

  الزعيم كان يشعر بالراحة وسط أسرته الزعيم كان يشعر بالراحة وسط أسرته

كتبت - نجوان عبد اللطيف

“اعتدت اكتشاف والدى بعد أن قرأت أوراقه التى دونها بنفسه على مدى سنوات طوال، وجمعها واحتفظ بها فى دولاب فى حجرة المكتب بمنزله، هى أوراق تكشف علاقة حميمة بينه وبين الكتابة، كان حريصاً على تدوين كل شيء من بيانات الحكومة لتحركاته العسكرية فى الجيش فى حرب٤٨خطاباته المتبادلة بينه وبين أسرته.. والده وزوجته وأخواته وبينه وبين أصدقائه، والأوراق تحوى الكثير من تفاصيل حياته قبل تحمله مسؤولية الأوطان وبعدها، كان يفكر بالورقة والقلم، هذه الأوراق قيمتها أنه كان يكتبها لنفسه، لميكتبها للنشر ولا ليطلع عليها أحد، هى أوراق معبرة عن أفكاره ومعتقداته دون تنميق أوتهذيب، هى ليس بمذكرات تكتب بإرادة صاحبها لتنشر فى حياته أو بعد انقضائها، يحذف منها ما يشاء أو يضيف، هى مجرد أوراق حميمة تروى بصدق لحظات مهمة فى تاريخه وتاريخ الأوطان”.


تلك رؤية الدكتورة هدى عبدالناصر ابنة الزعيم، التى سخرت علمها كأستاذة للعلوم السياسية لإنجاز هذا العمل الضخم (٦٠ عاماً على ثورة ٢٣ يوليو –جمال عبدالناصر الأوراق الخاصة)، والتى تفرغت لإنجازه لأكثر من خمس سنوات ولا زالت، حيث أنجزت ثلاثة أجزاء خرجت للنور منذ شهور الأول: جمال عبدالناصر طالبأ وضابطاً، والثانى: الثورة فى بدايتها، والثالث: تأميم قناة السويس، وتحت الطبع الجزء الرابع الوحدة المصرية السورية، وتعكف حالياً على الجزء الخامس بعنوان الثورة الاجتماعية مراجعة شاملة للنظام من ١٩٦١ إلى ١٩٦٧ ثم المجلد السادس عدوان ١٩٦٧، وحرب الاستنزاف.


د.هدى عبدالناصر أرادت بهذا العمل الجاد إعداد قاعدة من المعلومات والوثائق لهذه الفترة الثرية من تاريخ مصر يلجأ إليها الباحثون والدارسون لإعداد المزيد من الأبحاث العلمية عن تلك الفترة، الابنة لم تحجب أياً من الأوراق، حتى ولو كان سيتسبب فى انتقاد والدها، كما حرصت على إضافة العديد من الوثائق البريطانية والأمريكية، خاصة فى أثناء فترة ١٩٥٦ والملف العسكرى الخاص بجمال عبدالناصر، وقالت إنها شعرت بالفخر الشديد عندما قرأت تقييم رؤسائه له فى السلم والحرب، ولكنها ترى أن الأوراق تقدم أيضاً عبدالناصر الإنسان الإبن البار بوالده و بإهله، المحب لزوجته وأسرته، والثائر الذى بدأ طريق الثورة منذ كان طالباً فى المدرسة بالإسكندرية، وأصر على المضى فى طريقه بعزيمة لا تلين، وكان الطريق واضحاً أمامه.. ثورة تطيح بالاستعمار وأعوانه، وتنهى حكم أسرة محمد على، وتنتصر للفقراء والمعدمين وتبنى مصر الحديثة التى نباهى بها الأمم، شعب يحيا بكرامة وكبرياء، كما كتب فى أوراقه “الوطن اليوم ملك للمحكومين لا للحاكمين”.


فى أوراق ناصر التى تقدمها د. هدى أماكن ترتبط بأحداث جلل وتواريخ غيرت مجرى التاريخ ، وأرقام هى عنوان الحقيقة..


ميدان المنشية بالإسكندرية ..


تبدو صورة ناصر فى ميدان المنشية وهو يعلن قرارتأميم قناة السويس وسط الجماهير هو المشهد الأكثر حضوراً فى ذهن الناس، فى المنشية أيضاً كانت محاولة اغتيال ناصر من قبل جماعة الإخوان عام ١٩٥٤، وفى المنشية كانت بدايات ناصر مع الثورة..


فى عام ١٩٣٠ كان تلميذاً فى مدرسة رأس التين بالإسكندرية عندما أُلغى دستور ١٩٢٣خرجت المظاهرات تطالب بعودته يحكى ناصر فى أوراقه: “كنت أعبر ميدان المنشية وجدت اشتباكاً بين البوليس والمتظاهرين، لم أتردد فى تقرير موقفى، انضممت فوراُ إلى المتظاهرين دون أن أعرف شيئاً عن سبب التظاهر.. شعرت أننى لست فى حاجة إلى السؤال، رأيت أفراداُ من الجماهيرفى صدام مع السلطة اتخذت موقفى دون تردد فى الجانب المعادى للسلطة. وهوت على رأسي عصا البوليس، ثم شحنت إلى الحجز والدم يسيل من رأسي مع عدد من الطلاب.. دخلت تلميذاُ متحمساً، وخرجت منه مشحوناً بطاقة من الغضب”.


تحكى د.هدى أنه منذ تلك اللحظة لم تغادره السياسة ولم يغادرها، حتى أنهم ضاقوا به ذرعاً فى المدرسة، ثم نقله جدى إلى القاهرة فى مدرسة النهضة بحى الظاهر، واستمر فى نشاطه السياسي وأصبح رئيساً لاتحاد الطلاب، وكان شغوفاً بالقراءة فى التاريخ، خاصة تاريخ الثورات ومنها الثورة الفرنسية ونابليون بونابرة والإسكندر الأكبر وغاندى، كما كان مهتماً بالأدب، قرأ لتوفيق الحكيم، حيث أعجب بشكل خاص بعودة الروح، وقصة البؤساء لفيكتور هوجو وقصة مدينتين لتشارلز ديكينز وبأشعار حافظ وشوقى، وكان معجباً بأفكار جان جاك روسو وفولتيير الذى كتب عنه مقالة بعنوان “فولتير رجل الحرية” نشرها فى مجلة المدرسة ووجدتها فى أوراقه، كما شارك بالتمثيل فى حفل المدرسة وقدم دور يوليوس قيصر فى مسرحية لشكسبير.


“بجمال جرح قديم فى جبينه”


كنت أردد هذا المقطع من أغنية عبدالحليم حافظ “المسؤلية” وأنا طفلة صغيرة وأعجب من أن صلاح جاهين يقسم فى الأغنية التى كتبها بجرح قديم فى جبين جمال عبدالناصر، حتى قرأت أوراقه، عرفت أنه أصيب بطلق نارى فى جبينه مزق الجلد، ولكنه لم يخترق الرأس، فى مظاهرة الطلاب التى قادها فى ١٣ نوفمبر عام ١٩٣٥احتجاجأ على تصريح وزير الخارجيىة البريطانية آنذاك معلناً رفض بريطانيا عودة الحياة الدستورية فى مصر.


وفى خطاب أرسله لصديقه على قبل هذه المظاهرة بشهرين قال ناصر: “لقد انتقلنا من نور الأمل إلى ظلمة اليأس، فأين من يقلب ذلك رأساً على عقب، ويعيد لمصر سيرتها الأولى يوم أن كانت مالكة العالم، أين من يخلق خلقاً جديدا ً لكى يصبح المصري خافت الصوت، ضعيف الأمل، الذى يطرق برأسه ساكناً صابراً على اهتضام حقه، ساهياً عن التلاعب بوطنه، يقظاً عالى الصوت، رافعاً رأسه يجاهد بشجاعة وجرأة فى طلب الاستقلال والحرية، لقد تكلمنا مرات عدة فى عمل يوقظ الأمة من غفوتها، ويضرب على الأوتار فى الحساسة فى القلوب، ويستثير ما كمن فى الصدور، ولكن كل ذلك لم يدخل فى حيز العمل إلى الآن. وفى خطاب آخر أيضاً لعلى قال قال الله تعالى “وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة”، فأين تلك القوة التى نستعد بها لهم؟ إن الموقف اليوم دقيق ومصر فى موقف أدق.


الكلية الحربية


رفضت الكلية الحربية قبول جمال عبدالناصر، حيث سقط فى كشف الهيئة؛ لأنه حفيد فلاح بسيط من بني مر وابن موظف بسيط، ولا يملك واسطة وشارك فى المظاهرات والتحق بكلية الحقوق حتى كانت معاهدة ١٩٣٦ واتجهت النية إلى زيادة عدد الضباط بصرف النظر عن طبقاتهم الاجتماعية تقدم من جديد، وقابل وكيل الكلية اللواء إبراهيم خيرى الذى أعجب بصراحته ووطنيته وإصراره على أن يصبح ضابطاً فوافق على التحاقه بالكلية، ولعل هذه القصة تم سردها فى فيلم “رُد قلبي” عند التحاق “سليمان” صديق على ابن الجنايني بالكلية الحربية.


منقباد


شكلت منقباد نقطة مهمة فى حياة ناصر هذه البلدة النائية فى صعيد مصر، تقول د. هدى حيث ترسخ فى ذهنه وبعض رفقائه من الضباط الصغار -حيث التقى هناك زكريا محي الدين وأنور السادات – ضرورة إصلاح الجيش وتطهيره من الفساد كجزء من جهاد أكبر لتحرير شعبهم، فقد وجدوا معظم الضباط الكبار عديمى الكفاءة وفاسدين، وقد تم إعداد الجيش على أنه جيش غير مقاتل طبقا لمصلحة الإنجليز، ونقل ناصر فى خطاباته لوالده ظروف البؤس والشقاء الذى يعيشه الناس، فهذا الجزء من صعيد مصر وأنه يتألم بشدة لحال الناس، وتقول د. هدى أعلم أن والدى من أسرة فقيرة، ولكنى لم أكن أدرك حقيقة ذلك حتى قرأت خطابات والدى لجدى حول محاولاته المستميتة للحصول على المجانية لأعمامى، وأنه كان يساعد جدى فى المصاريف قال فى خطاب لصديقه حسن النشار: “عندى موضوع أظنك تعرف له حل وهو رغبتى فى الحصول على المجانية لأخى الليثي، فهو حاصل على مجموع ٧٠٪ وهذا يخفف المصروفات عليَّ أنا شخصياً يبدو أن الوالد لن يدفع بالرغم من اتفاقى معه على المناصفة بيننا، بل أرسل لى فى طلب فلوس، جاوبنى بصراحة هل هذا فى مقدورك؟


عاش والدى حياة الفقراء وأدرك أهمية التعليم المجانى والعلاج للفقراء، فكانت من أهم قناعاته التى لم يتخل عنها أبداً وسعى لتحقيقها وبسرعة مذهلة.


هناك رسالة بعث بها إلى جدى يسأله المشورة فى المبادلة بين زميل له يعمل فى العريش، وأنه سيحصل على مقابل مادى ١٤٠ قرشاً زيادة فى المرتب.


جبل الأولياء الخرطوم


تبدو السودان حاضرة فى ذهن جمال عبدالناصر دائما كعمق إستراتيجى مهم وحيوى لمصر، ولإدراك أن النيل والعروبة كصلة الدم بيننا، وأنها كانت أول مدينة عربية تخرج عن بكرة أبيها لاستقباله بعد هزيمة ٦٧ فى مؤتمر الخرطوم ألذى أعاد لناصر ثقته فى النصر، والذى أبهر وأفزع العالم الذى كان يود أن ينتهى ناصر مع الهزيمة إلى حد أن مجلة النيويورك تايمز نشرت على غلافها استقبال جماهيرى لزعيم مهزوم.


استقر فى يقين جمال بعد وصوله إلى السودان أنه لا أمل فى جيش هؤلاء قادته، ولا فى دولة هذا مليكها، وأرسل لصديقه النشار رسالة قال فيها: “الإخلاص معدوم والضمير لا تسمع عنه، حتى أنى بدأت أفكر فى نظرية، إذا كنت أنا الوحيد فى هذه البيئة أعترف بالضمير وبالذمة، فطبعاً أكون مغبوناً جداً.. إذ إن كل البلاوى ستقع على هذا الذى لا يرضى عن الذمة بديلاً.


فاكر نظريات الإصلاح التى كنا نتباحث فيها زمان.. وندرنا لها عشر سنوات!! لقد قدرت لها ١٠٠٠ سنة ونكون كسبانين كمان.


طبعاً فى الجو الهايص راح تقول جمال جرى له إيه؟


ولكن أقول هذا الكلام عن خبرة واحتكاك بفئة من الفئات المفروض أنها ترفع بمجد البلاد.


عندنا فى الخزان نجد مياه الفيضان محجوزة، والنيل يصل إلى مد البصر فى الاتساع.. المياه زرقاء والقمر يعكس نوره الفضى.. تصور كل المناظر دى وعليها شوية نسيم عليل كمان، وبالرغم من ذلك فأنا لا أستسيغها ولا أحس لها طعماً..علمأً بأنى لم أكن كذلك من مدة..


فهل مات الشعور؟ وهل ماتت العاطفة؟ سؤال أسأله لنفسي مرات عديدة، لكننى لا أعرف الجواب.. الحقيقة أن المصريين فى السودان ليس لهم أى حس أو صوت.. سواء فى ذلك الحكومة المصرية، أو الأهالى.. إن السودان مازال إلى الآن مصرياً بالاسم فقط.. لا حس.. دى حاجة تسد النفس”.


هذه الرسالة ربما توضح موقف ناصر فيما بعد تأييده لاستقلال السودان عن مصر.


وفى رسالة أخرى لحسن النشار كان يشكو نفاق المرؤوسين للرؤساء كتب: “كل عيبي أنى دغرى لا أعرف التملق ولا الكلمات الحلوة ولا التمسح بالأذيال، شخص كهذا يحترم من الجميع ولكن الرؤساء يسؤهم ذلك الذى لا يتملقهم


فهذا كبرياء وهم شبوا على المذلة فى كنف الاستعمار وكل الويل لذلك المتكبر يعاديه الجميع تلامذة العهد القديم، ويحزننى يا حسن أن أقول إن هذه السياسة نجحت نجاحاً باهراُ، فهم يصهرون نفوس الشباب الذين لم تصقلهم الأيام يحزننى أن هذا الجيل الجديد أفسده الجيل القديم، فأصبح منافقاً متملقاً، إننا نسير إلى الهاوية النفاق التملق تفشى فى الأصاغر نتيجة الكبار، أما أنا فقد صمدت ولا زلت فى عداء مستحكم مع هؤلاء الكبار”.


رسائل إلى تحية


كثير من الرجال الأشداء يخفون خلف نظراتهم القوية وصلابة مواقفهم وشجاعتهم فى مواجهة الملمات، مشاعر رقيقة وحنان فياض وقلب يسع الجميع، هذا ما أكدته د.هدى عبدالناصر عن والدها بنشرها لرسائله الخاصة بينه وبين أبيه وعمه وإخوته، حيث هو دائماً مهموم بأحوالهم ومشارك فى حل مشاكلهم، لكن المفاجأة تلك الرسائل التى يمكن أن نسميها غرامية لزوجته تحية كاظم، التى لم ينقطع عن التواصل معها طوال مشاركته فى حرب ٤٨- رغم صعوبة المعارك وصعوبة الاتصال - ما عدا أيام حصار الفالوجا، من بينها هذه الرسالة


عزيزتى تحية


سلامى وأشواقى وقبلاتى التى لا يمكن أن أعبر عنها، تصلني جواباتك وأنتظر البريد لعلى أجد جوابا منك.. وأنا أراك أمامى طول الوقت، بل وأتخيلك فى المنزل عند حضورى وخروجى.. وبعد أن شعرت بالحاجة إليك.. والحقيقة فإن قيمتك عندى لا يمكن أن تقدر.. وأنا فى هذا الشهر بالذات يونيو.. الذى ارتبطنا فيه أذكر السنين التى قضيناها معاً، يوماً يوماً وأجدها كلها سعيدة، وأشعر أنك كنت السبب فى هذه السعادة.. التى أرجو الله أن تدوم.


وفى رسالة أخرى كان ناصر فى غاية الانشغال، لأن تحية هانم لم تجد معاونة لها بالمنزل، رغم ضيق الحالة المادية، موضوع الخادمة كان محور ٤ رسائل مع الزوجة والعم خليل!.


ضياع فلسطين١٩٤٨


لم تكن مصر قررت بعد المشاركة فى الحرب على العصابات الصهيونية فى فلسطين بعد أن قررت بريطانيا رفع الانتداب، تهيئة لإنشاء إسرائيل وطناً لليهود تنفيذاً لوعد بلفورن، قرر عبدالناصر التطوع مع الفدائيين فى فلسطين حتى لو خسر وظيفته، ولكن بعد أن قررت مصر المشاركة وعدد من الجيوش العربية سافر جمال وخاض معارك كثيرة، وكان من بين من حوصروا فى الفالوجة، وكان ناصر يدون التحركات العسكرية بالتفصيل، وهو ما يثبت ضعف القيادة وتخبطها وانعدام كفاءتها، وعدم الاستعداد بالخطط وبالسلاح وبالتدريب، رغم أن بريطانيا أعلنت عن نواياها من قبل، مما تسبب فى نكبة ٤٨ وضياع فلسطين وهزيمة الجيوش العربية. مما أدى إلى مزيد من مشاعر السخط والغضب من الضباط الصغار إزاء الملك وأعوانه، وتنشر د. هدى رسالة كريم ثابت المستشار الصحفى للملك فاروق عقب قيام ثورة ١٩٥٢ والتى يضع فيها المسؤلية الأولى على عاتق الفريق محمد حيدر باشا وزير الدفاع الذى أكد للملك أن الجيش مستعد للمعركة، وهو الأمر الذى كان مخالفا للواقع ملك مسؤلا أيضاً، لثقته الزائدة فى حيدر إلى الحد الذى جعلته يفرضه على رئيس الوزراء النقراشى، وجعل الملك ينفرد بالعمل معه، دون إحاطة النقراشى أو أى من المسؤلين.


وأشار ثابت إلى أن حيدر كان يبلغ الملك بأخبار تدعو للارتياح على سير المعارك على عكس الحقيقة، وجرت مواجهة بينهما فى منزل حسن يوسف، حيث كنت حاضرا مع عمر فتحى كبير الياوران، أطلع الملك فاروق الفريق حيدر على رسائل مبعوثة إليه من ضباط صغار لم يكشف عن أسمائهم تحكى عن الوضع المتردى للجيش المصرى فى القتال، ولكن حيدر كابر وادعى عكس ذلك مع أن التفاصيل الكثيرة التى قرأها الملك من الأوراق تنبئ بالحقيقة. وقال لى الملك فى طريق العودة إلى القصر لولا هؤلاء الضباط لما عرفنا الحقيقة. وأغلب الظن أنهم كانوا الضباط الأحرار وأغلب الظن كان جمال عبدالناصر.


الضباط الأحرار


“من الصعب الحصول على جميع منشورات أو اجتماعات الضباط الأحرار قبل الثورة؛ لأنه تنظيم سرى، ولكن حاولت تجميع بعض منشوراتهم الموثقة”، الكلام للدكتورة هدى عبدالناصر من بين هذه المنشورات “نداء من الضباط الأحرار” أيها الصباط ما كدنا نتخلص من حيدر الخائن الأول والمسؤول الرئيسى عن الهزيمة التى منى بها الجيش فى حرب فلسطين، والذى تستر على المجرمين واللصوص من الخونة أمثال حسين سرى، حتى فوجئنا بمؤامرة بعض من الضباط الذين هتفوا فى ١٠ فبراير ١٩٥٢ بنادى الضباط، فانساق وراءهم بعض السذج وهتفوا له، وأتاحوا بذلك الفرصة الذهبية للسراية لتعيده للجيش فى صورة بطل وبدأ عمله بتحطيم قضية الأسلحة الفاسدة بشهادته التمثيلية.. أن جميع الضباط المتهمين لا يتطرق الشك إلى ذمته.


والفصل الثانى هو تصريحاته بأنه عاد للجيش وفى يده اليمنى علاوات وترقيات واليسرى الرتب والنياشين، فما السر فى الإغداق على الجيش فى الوقت الذى تنكر فيه الحكومة على جميع الطوائف تحسين أحوالهم، الطبقة الحاكمة التى فشلت فى تحقيق مطالب الشعب المتحالفة مع الاستعمار تحاول استمالة الجيش بالرشوة لاستعماله كأداة للبطش بالحركات الوطنية، إن الجيش لن يرفض تحسين أحواله ولكنه يرفض أن يكون ذلك على حساب المطالب الشعبية.


وتقول د, هدى الضباط الأحرار فى بياناتهم عملوا على ترسيخ مبادئ وأسس وعقيدة لجيش وطنى ظلت قائمة حتى اليوم وحكمت تصرفاته وردود أفعاله إزاء الأحداث والتغيرات المهمة منذ ٢٥ يناير حتى ٣٠ يونيو إلى الآن.. مثل ما ورد ففى بيان للضباط الأحرار بعد حريق القاهرة يناير ١٩٥٢موجه للضباط بعنوان (الجيش مع الشعب) يهيب بهم ألا يكونوا أداة طيعة فى أيدى الخونة لإرغام الشعب على ما يكره، ويقول إن مهمة الجيش الحصول على استقلال البلاد، وأن وجود الجيش فى الشارع إنما هو لإحباط مؤامرات الخونة للتدمير والتخريب، ويؤكدون أنهم لن يقبلوا ضرب الشعب، ولن يطلقوا رصاصة واحدة على مظاهرة شعبية، ولن يقبضوا على الوطنيين المخلصين.. الجيش مع الشعب دائماً ولن يستجيب إلا لنداء الوطن.


يوليو ١٩٥٢


تؤكد د. هدى عبدالناصر من خلال الوثائق أن عبدالناصر عقد العزم على تقديم موعد الثورة مع باقى الضباط الأحرار الساعة الواحدة من صباح ٢٣ يوليو وكانت لديه الشجاعة والإصرار وحسن التقدير فى لحظة فارقة على الاستمرار فى خطته، رغم قيام ضابط مخابرات بإبلاغه قبل ساعات قليلة بأن البوليس الحربى علم بالموعد ويعمل حالياً على مواجهتها، ونجح الضباط فى محاصرة الملك، وكان عبدالناصر محدد الأهداف يعرف طريقه بوضوح ولا يقبل بأنصاف الحلول، قال هذه ثورة بيضاء، ورفض كل الأراء التى كانت تريد إعدام الملك فاروق، ولكنه أصر على إنهاء حكم أسرة محمد على، أولا بتنازله عن العرش لابنه الرضيع، ثم بتشكيل مجلس قيادة الثورة، وإعلان الجمهورية وكتب فى أوراقه “اليوم الوطن ملك للمحكومين لا للحاكمين”.


كانت أهداف الثورة الستة ماثلة أمام أعين ناصر طوال الوقت، وكان يعطى الاستقلال والعدالة الاجتماعية الأولوية، وعرض على الوفد الوزارة بعد نجاح الثورة، ولكنه اشترط عليهم العمل وفوراً من أجل إجلاء القوات البريطانية من القنال، وإصدار قانون الإصلاح الزراعى من أجل القضاء على الإقطاع، وتوزيع الأرض على المعدمين من الفلاحين زارعيها، ولكن الوفد رفض فكان تشكيل الوزارة برئاسة على ماهر، وبعد٤٦ يوماً صدر قانون الإصلاح الزراعى وتحديد الملكية ب٢٠٠فدان وبدأت مفاوضات الجلاء التى تعثرت بسبب مراوغة المحتل البريطاني، وفى ٨ نوفمبر١٩٥٣ طبقاً لوثيقة بين أوراقه لقرار أصدره مجلس قيادة الثورة باسترداد أموال الشعب وممتلكاته من أسرة محمد على بالمصادرة، وينص ذات القرار على رد أموال الزعيم أحمد عرابى وغيره من ضحايا الثورة العرابية ممن صودرت أموالهم، وهنا ترسيخ لقيمة الزعماء وتضحياتهم من أجل الوطن.


وتشير الدكتورة هدى إلى اهتمام ناصر بالفقراء وإحساسهم بأنه يعمل من أجلهم، ورغم أن العمال لم يكونوا قد حصلوا على مكاسب بعد، اللهم إلا من خلال أهاليهم من الفلاحين، إلا أنهم كانوا سنده فى أزمة ١٩٥٤ مع محمد نجيب الذى تحالف مع الإخوان، وبعض قيادات الوفد للانقضاض على السلطة، خاصة عمال النقل، وكان مجلس قيادة الثورة قد ألغى الأحزاب فى يناير ١٩٥٣ وأصدر قرارأً بحل جماعة الإخوان بعد عام فى يناير ١٩٥٤ننشر الوثيقة الخاصة به: قرر مجلس قيادة الثورة حل جماعة الإخوان، وتعتبر حزباً ينطبق عليها أمر المجلس بحل الأحزاب السياسية.


الإخوان المسلمون


كعادتهم نقضوا العهد مع الثورة التى شاركتهم فى الحكومات فى بدايتها، واتفقوا مع نجيب، بل وحاولوا اغتيال ناصر عام ١٩٥٤ فى حادثة المنشية الشهيرة وأطلقوا عليه ثمانى رصاصات، وكان ناصر مؤمناً بأن الرجعية والإرهاب ضد تقدم البلاد بل هما أداة لتدميرها، كما الحال الآن صار مبارك والإرهابيون يدفعون بمصر للخلف تنشر د. هدى من أوراق ناصر ما قال فيها “كنت أعلم أن الهضيبى اختفى، ومن مخبئه أعلن الجهاد ضد الثورة ورجالها، الحرية التى


حصلنا عليها لا يمكن أن تعيش طالما كان هناك تضليل، وطالما هناك رصاص وجماعات سرية، ولهذا يجب أن يزول الإرهاب والجماعات والضلال ولو تحت اسم الإسلام. من أجل مصر يجب أن نسير فى طريقنا محطمين الرجعية والإرهاب”.


وتشير د. هدى عبدالناصر إلى إحدى الوثائق التى ستنشر فى الجزء تحت الطبع، حيث قال فى ٢٩ أغسطس ١٩٦٥ بعد مؤامرة الإخوان، والتى يجب أن يأخذها فى الاعتبار من يدعون للمصالحة مع الإخوان: قال ناصر: “لا يمكن أن نقابل ذلك باللين، هل نعفى كما فعلنا من قبل لقد عفينا مرة – فى إشارة لعفوه عن الجماعة والإفراج عن قيادتها- لن نستطيع أن نعفو بعد ذلك، وكل مسؤول عن عمله.. إذن المؤامرة سنقابلها بشدة ونسحقها”.


كيف كشفت هذه المؤامرة؟ مواطن بلغ.


تقول د. هدى العبرة الثانية هى أهمية الظهير الشعبي الذى إذا آمن بأن هذا النظام يعمل من أجله، سيساعده بلا حدود، فى أوراق ناصر يتحدث كثيراً عن تكافؤ الفرص واللامركزية والرقابة على الأعمال ومحاربة الفساد فى الإدارة الحكومية كان يدرك مبكراً أهمية الأجهزة الرقابية، سماها فى أوراقه ههيئة للمحاسبة نافذة وهيئة للرقابة كما أشار لقانون للموظفين، وتحدث عن محاسبة الوزراء وكتب الوزير ليس موظفاً ولكنه سياسيا، وأشار إلى أهميةً أن يؤمن المسؤلون بالعمل الجماعى.


وتشير د| هدى فى أوراق ناصر إلى قصة نادى الجزيرة، حيث قررت الحكومة الاستيلاء على قسم من نادى الجزيرة لتكون مدينة للشباب، وقال ناصر فى أوراقه نادى الجزيرة قطعة أرض تساوى فى ذاك الوقت ٤٠ مليون جنيه يتمتع بها فئة محدودة من الناس أغلبها من الإرستقراطيين السابقين الذين يعتبرون أنهم فئة حرمتها الثورة من ممارسة أرستقراطيتها.


منذ البدايات قرر ناصر أن مصر كبيرة وعلى الجميع أن يعاملها كالكبار واستطاع مع نهرو وسوكارتو ونيكروما وتيتو فرض سياسة الحياد الإيحابى وعدم الانحياز فى مؤتمر باندونج الشهير، وقرر الانفتاح على العالم وعندما تواطأ الإنجليز والأمريكان ورفضوا تسليح مصر إلا باعترافها بإسرائيل كانت صفقة الأسلحة التشيكية، التى تقول عنها الدكتورة هدى إنها أول توجه لدولة من العالم الثالث فى مجال السلاح إلى الكتلة الشرقية، ومن ثم كان لها دوي هائل، وتشير د. هدى إلى قضية الاستقلال الوطنى الراسخة فى ذهن جمال منذ الصغر وجعلته يشرع فى التفاوض على الجلاء منذ قيام الثورة كتب “إننا لا نساوم على حريتنا، الشعوب التى تساوم على حريتها توقع فى نفس الوقت على عبوديتها”


كانت القاعدة البريطانية فى القناة تضم ٨٨ ألف جندى بريطانى، رغم أن المعاهدة تنص على ١٠ آلاف جندى فقط عندما أخذ البريطانيون فى التلكؤ ووقف المفاوضات ثم استئنافها، قرر ناصر المقاومة على الأرض كما قرر حصار القاعدة وعدم توصيل المؤن الغذائية إلا لتغطية احتياجات العشرة آلاف جندى فقط سياسة مقاومة وتجويع كما قال ناصر فى أوراقه ليعلم دالاس أن وجود قاعدة فى القناة وسط شعب يقاوم لا فائدة منها، وعقدت اتفاقية الجلاء وفى حرب ١٩٥٦ ألغى ناصر الاتفاقية وصادر القاعدة_ تساوى ٣٠٠ مليون دولار- وقامت بتمصير كل الشركات البريطانية، كما تقول د. هدى إن النصر السياسي من العدوان الثلاثى كان كبيراً جداً، ومن أهم إنجازاته إذكاء مشاعر القومية العربية، السوريون فجروا خط الأنابيب الذى يمد القوات المعتدية بالبترول وفى البحرين نام العمال البحارنة على ممر الطائرات لمنع الطيران البريطانى من التحرك لضرب القوات المصرية ..


أوراق كثيرة جمعتها د.هدى عبدالناصر تحكى تاريخ ثورة يوليو ومفجرها وزعيمها الذى كتب..


الوطن مش فرد ولا عدة أفراد الوطن تفاعل أجيال وتفاعل أعمال، هذا الجيل الشاب كتب عليه أن يتحمل تبعات الكفاح لتحقيق آمال المستقبل.. لقد جاء مع القدر ليكافح ويضحى من أجل نهضة مصر والأمة العربية كلها.