شهادة سامي شرف علي ثورة ٣٢ يوليو «الأعداء الثلاثة» ومحاولة اغتيال ناصر

22/07/2015 - 10:40:10

تقرير : سلوى عبد الرحمن

في ذكري ثورة ٢٣ يوليو لا نستطيع أن نتجاهل عوامل ونقاطا بل وأشخاصا أثروا وتأثروا بها، وتعاملوا معها في حينها، فعند الكتابة عن هذه الثورة نبحث دائما عما هو مختلف؛ لنقدمه في كل ذكري، كما نستعين دائما بمن عاصروها في بدايتها، وأول من يتبادر إلي ذهنك في عملية البحث هو معمل الرئيس جمال عبد الناصر وهو الأستاذ سامي شرف الذي كان يعيش كواليس كل مجريات حكم جمال عبد الناصر، لذلك تم التحدث إليه ليدلي بشهادته عن هذه الثورة التي كان لها الأثر الأكبر في تغيير مسار التاريخ والنظام في مصر، فما كدنا نتحد ث إليه عن الثورة وجمال عبد الناصر، وما أثير حولها حتي انفرجت أساريره، وكان الرد أنه اعتزل الحياه العملية من عام ٢٠٠٥ وكل ما يكتب في الصحف يؤخذ من كتبه التي سرد فيها كل صغيرة وكبيرة وأهدانا ثلاثة كتب لنستخلص منها ما يخص ثورة ٢٣ يوليو، وطلب منا ذكر ذلك، فبقراءة هذه الكتب وجدنا ما كتب عن الثورة كثير جدا فاستخلصنا منه أهم النقاط التي أدلي بها سامي شرف عن هذه الثورة، فيقول سامي شرف، لابد أن نعلم أولا أن عبد الناصر تمتع بما لم يتمتع به زعيم أو قائد من نفوذ وحب شعبى جارف، وكان يؤمن أن شعب مصر وأمته العربية ويمكن أن نقول بلا مبالغة ودول العالم الثالث أيضا حريتها وإنسانيتها وحقوقها فى أن تصوغ حياتها بنفسها، وكانت جماهير الأمة العربية من البحر إلى البحر هى الدرع الواقية لجمال عبد الناصر لقد قالها عالية : ( إن تحرير لقمة الخبز هو أول وأهم شرط لتحرير إرادة الشعوب).


الشيوعيون وثورة ٢٣يوليو


يقول سامي شرف إن الشيوعيين لم يستطيعوا أن يفهموا ما حدث الفهم الصحيح، وكانت نظرتهم قاصرة، ووقعوا فى أخطاء تقييمهم للثورة، وسجنوا أنفسهم داخل نماذج نظرية جامدة وبعيدة عن واقع المجتمع ورأى الأغلبية وكان رأى أكثرهم فى الثورة أنها مجرد انقلاب عسكري فاشي باعتبار هذا الوصف هوالأكلاشيه الجاهز لديهم، ولم يستطيعوا إلا أخيرا أن يضعوا أيديهم على الجوهر التحرري المتقدم لبرنامج ومنجزات الثورة .


إن اليسار الحقيقى فى مصر هو الشعب الذي عاش وحمل مسئولية القضية الوطنية والاجتماعية والذي أصبحت مصر له . هؤلاء هم اليساريون الحقيقيون الذين لا يمكن أن يتجهوا يمينا أو أن يسمحوا لليمين أن يحكمهم أو أن يرتد بهم ولا أن يعيد الملاك والرأسماليين .


إن اليسار ليس طائفة أو فرقة أو حزب ولكن مجموع الفقراء والمحرومين ومن يتطلعون إلى عالم أفضل وإلى مجتمع إنسانى.


الإخوان وثورة ٢٣يوليو


أما الإخوان المسلمون فقد كانوا منذ البداية يبذلون المحاولات لفرض الوصاية على الثورة ومحاولة احتوائها، وحاولوا تنصيب أنفسهم كالأب الروحى للثورة، لتلتزم بالتالى بتوجيهاتهم السياسية، وحينما شعروا بفشلهم فى احتواء الثورة وفرض وصايتهم عليها، خصوصا بعد فشل محاولاتهم بالاشتراك مع الوفد والشيوعيين فى التآمر على الثورة والقضاء عليها، فيما سمى بأزمة مارس ١٩٥٤ التى كان من مخططاتها أيضا احتواء اللواء محمد نجيب ، تلك المحاولة التى تصدى لها الشعب وعمال مصر بحق، وأفشلوها بانحيازهم إلى مصالحهم بالوقوف إلى جانب استمرار الثورة، فتحول الإخوان إلى ممارسة نوع خطير من الضغط، تمثل فى العنف والإرهاب المسلح التى بلغت ذروته فى أكتوبر سنة ١٩٥٤ فى حادث المنشية بالإسكندرية، حين حاولوا قتل جمال عبد الناصر، هذا الحادث الذى كان له ردود فعل واسعة، وجعلت منه نقطة تحول مهمة فى سلوك النظام الثورى وذلك بتدعيم وتقوية لأجهزة الأمنية كإجراء وقائى، وهو حق مشروع وواجب وطنى فى مثل هذا السياق، إذن فهناك أسباب موضوعية، وليست تبريرات لما حدث من صدام مع القوى السياسية، وخاصة الإخوان فلم يؤيدوا الثورة إلا بعد مغادرة الملك للبلاد والذي تحالفت الجماعة معه من قبل ضد حزب الوفد، ففى صباح ٢٣ يوليو استدعى حسن عشماوى لمبنى القيادة العامة للقاء عبد الناصر، الذى طلب منه تأييدهم للثورة، ورفض المرشد العام إصدار البيان، وكان فى المصيف بالإسكندرية، ولم يصدر بيان التأييد المقتضب إلا فى ساعة متأخرة من يوم ٢٧يوليو١٩٥٢ وبعد طرد الملك فاروق من مصر، وهذا من ضمن الأسباب التى أدت بمجلس قيادة الثورة إلي اتخاذ القرار بحل جماعة الإخوان إلي جانب عدم تأييدهم القانون الزراعي ومحاولة الجماعة فرض الوصاية علي الثورة بعد حل الأحزاب السياسية واتخاذ موقف معارض من هيئة التحرير.


الاتفاق الثلاثي علي اغتيال الثورة وعبد الناصر


الأعداء الثلاثة ومحاولة اغتيال جمال عبد الناصر (بريطانيا وأمريكا وإسرائيل ) ذلك الثلاثي الذي يترصد دائما لوقوع وضعف مصر والقضاء علي أي بادرة أمل للتقدم بهذه الدولة ومحاربة ثورة ٢٣ . يسرد سامي شرف في كتابه (سنوات وأيام مع جمال عبد الناصر ) عن المؤامر للتخلص من الثورة وزعيمها فيعرض بشيء من التفصيل لما تعرضت له ثورة ٢٣يوليو ١٩٥٢من مؤامرات ومحاولات مستميتة لضربها وإجهاض الدور الذي كان يقوده جمال عبد الناصر من أجل التحرر والاستقلال في هذه المنطقة الحيوية من العالم في العالم السري للمخابرات البريطانية، كان هناك فرع يطلق عليه (إدارة العمليات الخاصة) مهمتها القيام بالقتل والاغتيال وتتمتع بمهارة خاصة في تصوير الاغتيال على أنه حادث أو مصادفة، وحين طرد الجنرال جلوب من قيادة الجيش الأردني في أول مارس ١٩٥٥ أصيب رئيس الوزراء البريطاني أنطوني إيدن بحالة من الجنون وحمّل عبد الناصر مسؤولية هذا العمل، وكان رده عنيفا، وأعلن حربا شخصية على عبد الناصر وقال: (إما هو أو نحن) وقد عارض تفكير أنتوني ناتينج في كيفية حل الصراع العربي (الإسرائيلي) حيث كان يميل ناتينج إلى حل المشكلة في إطار الأمم المتحدة وهو ما يفيد بريطانيا أيضا إلا أن إيدن رفض قائلا له (ألا تفهم ! إني أريد تدميره ! أريد قتله ولا أريد بديلا.. ) وقد حاول وكيل يقول جوردو بروك وهو أحد ضباط المخابرات البريطانية : (إن القيام باغتيال ناصر لم يكن أبدا عملية سهلة وإن بعض


المسؤلون في المخابرات كانوا لا يؤيدونها لأن المخابرات في تلك الأيام وبعد الحرب العالمية الثانية لم تعد تعيش في عصر جيمس بوند) ولكن إيدن تجاوز وزارة الخارجية وتجاهل سلوين لويد وزير خارجيته الذي يقال إنه تخلص من ملف خاص بعملية قتل ناصر كان في مكتبه، وذهب مباشرة إلى المخابرات، واتصل بأحد كبار المسؤولين فيها وهو (باتريك دين)، الذي كان يتفق مع رأي إيدن في ضرورة إزاحة ناصر من المسرح السياسي بأية وسيلة ممكنة، ويقول الكاتب أنه يبدو أن إيدن وباتريك ين لم يحاولا الحصول على موافقة مدير المخابرات البريطانية (جون سينكلير) الذي كان ينظر إليه على أنه شخصية ضعيفة، واعتمد على (جورج يونج) الذي كان يتمتع بشهرة واسعة بعد اشتراكه في الانقلاب الذي أطاح بحكومة محمد مصدق في إيران في ١٥ مارس ١٩٥٦ بعث إيدن برسالة سرية للغاية إلى أيزنهاور، يحذره فيها من خطط ناصر للسيطرة على العالم العربي.


كما أن المخابرات البريطانية ألحقت ذلك بمعلومات أن ناصر قرر محاربة (إسرائيل) وأنه اختار شهر يونيو لبدء الهجوم وعلى أساس معلومات المخابرات البريطانية التي لم تكن موثقة ومشكوكا في صحتها قرر مجلس الوزراء البريطاني في ٢١ مارس ١٩٥٦ الموافقة على اقتراح وزير الخارجية بالعمل لإقامة حكومة صديقة للغرب في سوريا، وبعد ذلك بثلاثة أيام وفي واشنطن درست لجنة خاصة من وزارة الخارجية والمخابرات المركزية الأمريكية ممثلة برئيسها آلن دالاس وجيمس نجلتون وكيرميت روزفلت قدرة ناصر على حشد التأييد العربي لحربه ضد إسرائيل وتأثير ذلك في إمدادات البترول العربي واحتمالات تزايد النفوذ الشيوعي وفي ٢٨ مارس اتفق على تشكيل لجنة أمريكية بريطانية مشتركة تحت اسم (أوميجا) كان هدفها الأول تحذير عبد الناصر من نتائج تعاونه مع الاتحاد السوفييتي


ويقول (كيث كامبل) ضابط المخابرات إنه بحث أيضا تنفيذ عمليات سرية ضد ناصر، وتقرر اتخاذ إجراءات، عنيفة وتم الاتفاق على مؤامرة أنجلو أمريكية لزعزعة ناصر تشمل احتمالات قيام بانقلاب عسكري في سوريا إذا استمرت دمشق في تأييد ناصر، وأطلق على هذه العملية اسم كودي (استراجل) في ٣١ مارس ١٩٥٦ التقى جورج يونج عددا من رجال المخابرات المركزية الأمريكية من بينهم جيمس آيكل بيرجر مدير مكتبها في القاهرة، وتتابعت الاجتماعات وكان رأي المخابرات البريطانية أنه يجب البدء بعمليات شاملة ضد ناصر، وأنه يجب اعتبار مصر أداة في يد الاتحاد السوفييتي ودعوا الأمريكان للتخلي عن الوقوف على السياج، وأنهم إذا لم يتحركوا على الفور ذلك يدل على ضحالة المعلومات الأمريكية والتي وصفت بـ «الزبالة» وكانت وجهة نظر الإنجليز أن سوريا هي مفتاح المنطقة وكانت وجهة نظر الإنجليز أن مصير الأردن ولبنان يتوقف على ما يجري في سوريا، في أول إبريل بعث مندوبو المخابرات المركزية الأمريكية بتقرير إلى واشنطن يوجزون فيه الموقف البريطاني والذي يلخصه كلام أحد ضباطهم : (مستعدة لخوض معركتها الأخيرة ومهما تكن التكاليف فسوف ننتصر)، وفي الوقت نفسه لم تكشف لندن للأمريكان عن عملياتهم السرية المزمع القيام بها، ولو أنها أوضحت أن هدفها الرئيسي هو إقامة حكومة سورية صديقة هاشميين في العراق، واستنتج الأمريكيون أن بريطانيا قد تحدثت مع تركيا والعراق بشأن خططها ومما جاء في تقرير المخابرات الأمريكية: (نعتقد أن الحكومة البريطانية تدرس استخدام الخطط التالية أو بعضها: الصرف من الأموال العراقية لتأييد الأحزاب الصديقة للعراق في سوريا التأييد النشط لشق حزب البعث إثارة القلاقل القبلية في منطقة الجزيرة والاضطرابات الحدودية مع تركيا وإسرائيل)، مما يستدعي المساعدة العراقية لإعادة الاستقرار إلى سوريا والاستعانة بالأحزاب الصديقة للتسلل من لبنان. ولكن ضابط المخابرات الأمريكية ويلبور كرين إيفلاند مؤلف كتاب (حبال من الرمال) الذي كتب التقرير سخر من هذه الخطط البريطانية، واستبعد قدرة العراق على تنفيذها، وأضاف إيفلاند في تقريره أن المخابرات البريطانية تتوقع أن تقوم إسرائيل بعمليات خاصة ضد مصر وتدمير أسلحتها الجديدة التي استوردتها من الاتحاد السوفييتي، وأن تشن هجوما ضد غزة، ولكن الذي لم يعرفه إيفلاند حينذاك أن بن جوريون كان قد اقترح بالفعل على إيدن القيام بعملية مشتركة ضد ناصر مما مهد للتواطؤ الذي تم بعد ذلك في الهجوم على مصر وشهدت هذه الفترة عودة التعاون الوثيق بين المخابرات البريطانية والمخابرات الإسرائيلية، وشغلت امرأة رئاسة مكتب المخابرات البريطانية في تل أبيب، بعد ذلك بدأت الحكومة البريطانية في إعداد الرأي العام البريطاني والدولي وتهيئته لتنفيذ مؤامرتها ضد مصر وسوريا، فقامت المخابرات البريطانية بتسريب أخبار عن تدفق الأسلحة السوفييتية والتشيكية إلى سوريا، ونقل بعضها مراسل جريدة الديلي تلجراف في بيروت الذي كان عميلا سريا للمخابرات البريطانية، وقد قامت المخابرات الأمريكية بالتحقق من هذه المعلومات فوجدتها زائفة وبعث إيدن في ١٥مايو برسالة إلى أيزنهاور تتضمن معلومات المخابرات البريطانية بأن جمال عبد الناصر يخطط لقلب نظمة الحكم في العالم العربي خاصة صديقة الغرب، وبدأت المؤامرة ضد سوريا، ففي يونيو بدأ السفير البريطاني في دمشق (جون جاردنر) بدعم الفئات الصديقة للعراق بتقديم الأموال للضباط المناوئين لليسار، حتى يتمكنوا من التعاون مع السياسيين ميخائيل إليان وجلال السيد وكذلك مساعدة بعض الفئات القبلية على الحدود السورية ­ العراقية، كذلك عمل السفير البريطاني الكاتب والرحالة ورجل المخابرات البريطانية (د. فريا ستارك) على ضمان تأييد الإخوان المسلمين ولكن ميخائيل إليان وبقية المتآمرين اضطروا للفرار من سوريا حين ارتد عليهم رد الفعل الوطني في سوريا بعد ذلك قابل رئيس الأركان العراقي اللواء غازي الداغستاني في جنيف أديب الشيشكلي الذي سبق أن سقط حكمه سنة ١٩٥٤ كذلك اجتمع الشيشكلي بعدد من ضباط المخابرات البريطانية في بيروت الذين كانوا يعدون جماعات ضاربة لاغتيال الضباط اليساريين.


وفي منتصف يوليو ١٩٥٦ سحب العرض الغربي بتقديم قرض لبناء السد العالي، وكان رد عبد الناصر التفكير بتأميم شركة قناة السويس،


واحتياطيا بعث بمجموعة من ضباط المخابرات إلى مالطا وقبرص وكانت العلاقات بين عبد الناصر والأسقف مكاريوس وطيدة جدا، وكانت مصر تؤيد نشاط منظمة أيوكا باعتبارها إحدى حركات التحرير، كما كانت العلاقات جيدة مع دوم منتوف رئيس وزراء مالطة وذلك لتقييم احتمالات الرد العسكري البريطاني ولمعرفة تفاصيل حجم ووضع القوات البريطانية في المنطقة في ٢٦ يوليو ١٩٥٦ أعلن عبد الناصر في خطاب جماهيري وصف في لندن بأنه هستيري تأميم شركة القناة، ومن وجهة النظر القانونية لم يكن ما قام به أكثر من شراء أسهم الشركة، في تلك الليلة لم يخف إيدن مرارته من هذا القرار وهو يستقبل زائريه الملك فيصل ملك العراق ورئيس وزرائه نوري السعيد


وكانت نصيحته لإيدن: (لم يبق أمامك سوى طريق واحد هو أن تضرب، وأن تضرب بعنف الآن وإلا فسيكون كل شيء متأخرا) وما إن غادر ضيوفه حتى عقد إيدن مجلسا للحرب مجلسا عسكريا) استمر حتى الساعة الرابعة صباحا، ومما قاله إيدن في تلك الليلة: (لن أسمح لناصر أن يضع يده على زورنا) (قصبة تنفسنا) لابد من تدمير موسوليني المسلم، أريد إزاحته ولا اكتراث على الإطلاق إذا سادت مصر الفوضى والدمار، وشكل إيدن على الفور ما سمي (بلجنة مصر) للإشراف على الرد وإدارة الأزمة خاصة إذا تقرر أن تنتهج بريطانيا وحدها سياسة مستقلة دون مشاركة أمريكية أو بقية الحلفاء الغربيين برئاسة سكرتير مجلس الوزراء (نورمان بروك) وعضوية بعض الوزراء وكبار الموظفين، وكان الهدف الرسمي لهذه اللجنة هو أن يؤدي استخدام الدبلوماسية الحاسمة وعرض القوة العسكرية معا لإسقاط ناصر اختير عدد من العسكريين لوضع مشروع خطة أطلق عليها (موسكتيرز) حصر تداولها بين عدد قليل من كبار المسؤولين وللأعين فقط، ولم تبلغ واشنطن حليفة بريطانيا الأقرب ونسقت مع المخابرات الفرنسية بسرية تامة لتحقيق الخطة. وفي الوقت نفسه شكلت لجنة أخرى (لجنة دووس باركر) الاستشارية من الخارجية البريطانية لاستخدام لوسائل غير العسكرية في الدعاية والإعلام ومواجهة الإعلام المصري، وتبنت اللجنة خطة للدعاية السوداء واختراق وسائل الإعلام الإقليمية بهدف تقليل نقد السياسة البريطانية في المنطقة، حتى أنه طلب من هيئة الإذاعة البريطانية المعروفة استقلالها ولو نظريا على الأقل بتبني سياسة إعلامية أشد عدوانية وأطلقت هذه


اللجنة وغيرها من فروع المخابرات البريطانية حملة من الدس والوقيعة وبث المعلومات الخطأ بواسطة الجرائد ووكالة الأنباء العربية، وهي وكالة أنباء كانت مدعومة من المخابرات البريطانية ومختلف وسائلها في كل الشرق الأوسط. بل عمدت هذه الحملة إلى طباعة منشورات مزورة باسم هيئة الاستعلامات المصرية تدعو فيها إلى السيطرة على الأقطار العربية وعلى صناعة النفط بواسطة مصر ومن اختراعات الدعاية البريطانية التي استخدمت في هذه الحملة فضح وجود معسكرات اعتقال مصرية يشرف عليها النازيون السابقون وافتتح في عدن ما سمي (صوت مصر الحرة) بدأت تبث برامجها في ٢٨يوليو ١٩٥٦ واعتقدت السلطات في مصر آنذاك أن هذه الإذاعة تعمل في فرنسا، وهو ما سارعت إلى تأييده المخابرات البريطانية علىسبيل التمويه إلا أنه اتضح بعد ذلك أن الذين كانوا يديرون هذه المحطة هم آل أبو الفتح. الذين كانوا يتعاونون مع جميع الأجهزة الغربية الإنجليزية والفرنسية والأمريكية والسعودية كذلك على حد سواء،


وتتابعت خطوات المخابرات البريطانية في حملتها ضد جمال عبد الناصر وهدفها الأول هو التآمر على اغتياله، ويتساءل البعض إذا كان أنطوني إيدن قد أصدر أمر مكتوبا للمخابرات باغتيال عبد الناصر أو أنه اكتفي بتعليمات وأوامر شفوية ولكن بعض ضباط المخابرات البريطانية كانوا يشكون في جدوى هذه السياسة، وينتقدونها ويعتقدون أنها لن تنتهي بأية نتيجة، وفي أول يوم حضر فيه إلى (برودواي) اسم أحد مكاتب المخابرات (ديك وايت) مدير المخابرات الجديد حذره ضابط المخابرات «جاك أسيتون» مما يجري في الشرق الأوسط من عمليات يجب أن تتوقف و»أن أكثرها ليس سليما أو أمنيا»


ولكن الذي حدث هو انه استبعد كل الذين لا يؤيدون رئيس الوزراء


والمخابرات في سياستهم العدائية والدموية ضد عبد الناصر، وحدث ما هو أكثر من ذلك


فقد تطورت العلاقة البريطانية مع الموساد و»إسرائيل» إلى درجة التواطؤ، وأرسل «نيكولاس إليوت» مندوبا للمخابرات


البريطانية إلى تل أبيب لإقامة نظام اتصال مأمون، وأقيم خط مباشر للاتصال بين إيدن وبن جوريون والمخابرات العسكرية


الإسرائيلية، وجرى استخدام نظام اتصال سري للغاية يتجاوز وزارة الخارجية للاتصال مع الفرنسيين، أيضا عرفت المخابرات المركزية الأمريكية أن بريطانيا تخفي شيئا، وتتقوقع داخل صدفة وأن ضباطها لا يريدون إشراك زملائهم الأمريكيين في المعلومات.


في هذه الأيام الخطيرة اجتمع النائب البريطاني المحافظ (روبرت بوتين) برئيس الوزراء البريطاني وسمع منه خططه


وسياساته نحو مصر وعبد الناصر، وبعد هذه المقابلة قام النائب المحافظ بزيارة وكيل وزارة الخارجية البريطانية (إيفون كيركباتريك) وقال له : (أعتقد أن رئيس وزرائنا مجنون فرد عليه كنت أستطيع أن أؤكد ذلك منذ أسابيع).


ولم تتوقف المحاولات البريطانية عن استعداء أمريكا ضد عبد الناصر واعتباره خطرا يجب استئصاله، قام جورج يونج بثلاث زيارات لواشنطن لإقناع الأخوين دالاس أحدهما جون وزير الخارجية والثاني آلن مدير المخابرات بأن عبد الناصر هو الذي يفتح أبواب الشرق الأوسط أمام الاتحاد السوفييتي.


وفي أحد الاجتماعات قام يونج بإبلاغ المخابرات الأمريكية بأن بريطانيا والعراق سوف يقدمان على تدبير انقلاب في سوريا، وعندئذ وافقت المخابرات الأمريكية على وجهة نظر المخابرات البريطانية في هذه النقطة، وأصرت على عودة عملية استراجل والتي تهدف إلى تنفيذ الانقلاب. وطلب ميخائيل إليان من إيفلاند ومن آرشي روزفلت مندوب المخابرات المركزية الأمريكية مبلغ نصف مليون دولار وفسحة ثلاثين يوما لإقامة نظام جديد وتحدد توقيت الانقلاب في نهاية شهر أغسطس ١٩٥٦.


ومضت المخابرات البريطانية في تشكيل (حكومة ظل) مصرية بعد أن منحها إيدن تفويضا في هذا الاتجاه، فاتصلت ببعض المحيطين باللواء محمد نجيب الذي كان قد عزل من منصبه، كما اتصلت ببعض رجالات حزب الوفد وبعض السياسيين، لكن السفير البريطاني في القاهرة والمخابرات العسكرية البريطانية كانوا يعتقدون بأنه لا يوجد في مصر أي بديل يمكن أن يتصدى لجمال عبد الناصر.


وفي ٢٧ أغسطس١٩٥٦ قام عدد من المسؤولين ورجال المخابرات البريطانيين بلقاء عدد من الشخصيات المصرية في جنوب فرنسا، وفي جنيف تم لقاء آخر بين ضباط في المخابرات البريطانية وأعضاء من حركة الإخوان المسلمين في مصر.


وقيل في هذه الاجتماعات إن اللواء محمد نجيب سينطلق من بيته المعتقل فيه للاستيلاء على الرئاسة، وإن بعض الضباط المنشقين يتفاوضون مع بعض المدنيين لاغتيال جمال عبد الناصر وإقامة حكومة جديدة برئاسة محمد صلاح الدين وزير الخارجية الوفدي السابق، وذكر أيضا اسم علي ماهر وأن في جيبه أعضاء الوزارة الجديدة، وبرزت أسماء مجموعة من الضباط المتآمرين بقيادة البكباشي حسن صيام قائد إحدى كتائب المشاة ولكن الوزير البريطاني (جوليان إيمري) كان يفضل اختيار الأمير محمد عبد المنعم ابن الخديوي السابق عباس حلمي الذي عزلته بريطانيا من الحكم لميوله الوطنية سنة ١٩١٤ وأن يعهد لأحمد مرتضى المراغي برئاسة الحكومة، وكان يقيم في بيروت بعد أن فر من مصر، وقد قام المتآمرون بإبلاغ «إيمري» أنهم لن يتحركوا إلا بعد أن تزحف القوات البريطانية والفرنسية في اتجاه القاهرة. وكانت أهم شخصية اعتقد الإنجليز أنهم نجحوا في تجنيدها للمشاركة في تغيير نظام الحكم في مصر هي قائد الجناح عصام الدين محمود خليل مدير مخابرات الطيران المصري، الذي اجتمع في روما مع أحد أبناء العائلة المالكة محمد حسين خيري، وبعد ذلك بأسابيع في بيروت اجتمع خليل مع مدير المخابرات البريطانية في لبنان جون فارمي، وكان عصام الدين محمود خليل يبلغ كل ما يتعلق بهذه الاتصالات وكلفه عبد الناصر بمتابعة الاتصال بهم لكشف مخططاتهم ونواياهم هم والأمريكان والفرنسيون، وكان يتسلم في كل مقابلة مبلغاً من الجنيهات الإسترلينية كان يسلمها لخزينة الرئاسة، وبعد أن قرر عبد الناصر فضح هذه المؤامرة، قمت بأوامر من الرئيس عبد الناصر بتسليم المبالغ كلها، وكانت تقارب المائة وسبعين ألف جنيه، وحسبما أذكر ١٦٦ ألف جنيه إسترليني لحسن عباس زكي وزير الخزانة في ذلك الوقت لإيداعه في خزينة الدولة كما تقرر أن يتم صرف هذه المبالغ لتعويض المتضررين من شعب بور سعيد نتيجة العدوان عليهم، ولكن ضربهم عبد الناصر في مقتل عندما أعلنت السلطات المصرية الكشف عن شبكة مخابرات بريطانية والقبض على أعضائها والذين كانوا يعملون تحت غطاء أعمال إدارية ولم تيأس انجلترا وحاولت من جديد حين طلبت من الصحافي البريطاني) التأثير علي طبيب عبد الناصر ورشوته بـ٢٠ الف جنيه لوضع السم في الشكولاته التي تأتي له من جروبي، وبالفعل قاموا بتجارب كثيرة حتي تصل دون أن تفسد ووصلت الشكولات إلي بيت عبد الناصر، ولكن لم يأكلها عبد الناصر لأن الطبيب هو أحد ضباط المخابرات العامة المصرية، وفي محاولة أخري لاغتياله بوضع غاز الأعصاب بفتحات التهوية ولكن سرعان ما عدلوا عنها لصعوبة تنفيذها والسم عن طريق السجائر، كما وضعت إسرائيل السم له في القهوة عن طريق جرسون كان يقوم بالخدمة في حفلات عبد الناصر، وانكشف الجرسون واعترف بالخطة كاملة، ومحاولات الاغتيال لاتعد ولا تحصي وتحتاج إلي صفحات وصفحات، ولكن نستخلص من ذلك أن جمال عبد الناصر كان المعضلة الكبري للأعداء الثلاثة وفرنسا كانت تلعب معهم علي استحياء إلي أن أصبحت أحد أعضاء العدوان الثلاثي بسبب مساندة عبد الناصر لثورة الجزائر، وأمريكا تدخلت بسبب اللعب من وراء ظهرها، وكانت بداية تراجع دور إنجلترا كدولة عظمي وامبراطورية لا تغيب عنها الشمس وبداية هيمنة أميركا كدولة عظمة بديلة لإنجلترا..