د.عبدالغفار شكر: ثورة يوليو نقلت مصر من التخلف إلى التطور

22/07/2015 - 10:37:25

  د. عبد الغفار شكر خلال حواره مع محمد حبيب   عدسة: ابراهيم بشير د. عبد الغفار شكر خلال حواره مع محمد حبيب عدسة: ابراهيم بشير

حوار أجراه: محمد حبيب

الدكتور عبدالغفار شكر نائب رئيس المجلس القومى لحقوق الإنسان ، لديه شهادة مهمة حول ثورة يوليو وتجربة الرئيس جمال عبدالناصر مع الشباب، حيث التحق شكر بالتنظيمات السياسية التي قامت بعد ثورة يوليو بداية من هيئة التحرير في عام ١٩٥٣ ثم الاتحاد القومي عام ١٩٥٨فالاتحاد الاشتراكي عام ١٩٦٣ وفي العام ١٩٦٤ أصبح أمينا للتثقيف في تنظيم الشباب الاشتراكي ثم «التنظيم الطليعي» الذي أسسه الرئيس عبدالناصر.


في هذا الحوار يؤكد عبدالغفار شكر أن ثورة يوليو نجحت في ان تنقل المجتمع المصرى من مجتمع راكد ومتخلف إلى مجتمع نام ومتطور من خلال الاهتمام بالصناعة وعدم الاعتماد على الزراعة فقط ، كما قضت الثورة على الوضع الطبقى ومجتمع النصف في المئة ، وثالث الانجازات هى القومية العربية.


شكر يرى أن ما تبقى من ثورة يوليو هومبادئها وأفكارها التي جعلت المصريون يعشقون عبدالناصر ويرفعون صوره رغم مرور ٤٥ عاما على رحيله.


ويقول إنه رغم تراجع اهتمام عبدالناصر بالحياة السياسية ومنظمات حقوق الانسان إلا أن الصورة الإيجابية لعبدالناصر فى وجدان الناس أنه كان منحازا للفقراء وكان يدافع عن استقلال مصر ومدافعا عن كرامة المواطن وأنشأ مصانع ووعمل مجانية التعليم ، لذلك فانجازاته الاقتصادية والاجتماعية هي الباقية.


وحول تجربة عبدالناصر والشباب يرى أن منظمة الشباب نجحت في تمكين الشباب وتخريج ٥٠٠ الف شاب مؤهلين سياسيا ويتولون المناصب المختلفة لكن التجربة لا تناسب العصر والافضل انشاء مفوضية مستقلة للشباب وإلى نص الحوار.


 بعد مرور ٦٣ عاماً كيف ترى ثورة يوليو وما هى إنجازاتها وإخفاقاتها؟


ثورة يوليو مرحلة مهمة  فى تاريخ مصر،لأنها نقلت المجتمع المصرى من مجتمع راكد ومتخلف إلى مجتمع نام ومتطور، فالثورة عندما قامت لم يكن لدى الاقتصاد المصرى أية فرصة للنمو، لأن المجتمع كان مجتمعاً زراعياً من الأساس، ومطلوب أن يتحول إلى مجتمع صناعى، لكن أمام التحول إلى مجتمع صناعى أن معظم السكان كانوا من الفلاحين ١٦ مليون فلاح من بين ١٩ مليونا هم عدد السكان وقتها ، وكان معظم هؤلاء الفلاحون فقراء، لأنه كان هناك الملكية الكبيرة للأراضى الزراعية أو الملكية الإقطاعية،  وبالتالي كان معظم المصريين لم تكن لديهم القوة الشرائية لكى تسمح للصناعة المصرية أن تنمو ، فالفلاحون كانوا آخر العام يسددون ما عليهم ولا يستطيع الفرد منهم أن يشترى حذاء أو ملابس ومنتجات أخرى كانوا لا يستطيعون شراءها، فكانت  الحلقة الرئيسية لإنقاذ الاقتصاد المصرى من هذا الركود والتخلف زيادة القدرة الشرائية لدى الفلاحين ،الأمر الذى سيساعد مصر على إنشاء مصانع لمنتجات متعددة.


من هنا جاء قانون الإصلاح الزراعى وتوزيع الأرض على الفلاحين لتصبح لديهم قدرة شرائية، وهذا كان مكتوباً فى المذكرة التفسيرية للقانون، وهو خلق قدرة شرائية للفلاحين، الذين هم القطاع الأكبر من السكان، وكانت هذه أول خطوة قامت بها ثورة ٢٣ يوليو، وهذا ليس كرها فى الإقطاعيين ولا انتقاما منهم، بل جاءت لأن الصناعة المصرية لم تكن لتنمو إلا إذا وجدت القوة الشرائية، وبالفعل صدر قانون «الإصلاح الزراعى» ووزعت الأراضى على الفلاحين.


النقطة الثانية أن ثورة يوليو نجحت في تغيير التركيبة الطبقية في المجتمع المصري ، حيث كان المجتمع ترتيبه الطبقي أن فى أعلى الهرم تجاراً رأسماليين ورأسمالية أجنبية وكبار الزراعيين، أما القاعدة فكانت للفلاحين والطبقة الوسطى وهو ما غيرته الثورة، فأطاحت بطبقة كبار الزراعيين وحل محلهم فلاحو الإصلاح الزراعى وهو التغيير الأول أما الثاني أنها أممت الرأسمالية الأجنبية والاحتكارية، وفتحت الباب أمام عمال القطاع العام فوصلوا إلى ٩٠٠ ألف عامل صناعى، والتطور الأهم الذى خلقته سياسة ثورة يوليو هو تعليم أبناء الفلاحين والعمال، فلم يكن التعليم مجانياً قبل الثورة، وكان أقصى ما يمكن أن الموظف يعلم ابنه، وبعد الثورة تم فتح باب التعليم أمام أبناء الفقراء وظهر قطاع واسع من المتعلمين والمثقفين واتسعت الطبقة الوسطى وظهر أبناء الفلاحين الذين حصلوا على الدكتوراة وشغلوا العديد من الوظائف، وفى بداية الثورة تم إنشاء المجلس القومى للإنتاج، الذي كان وراء اقامة شركة الحديد والصلب والعديد من الشركات التى كانت نواة للقطاع العام فظهر برنامج النمو الصناعى الذى أعده الدكتور عزيز صدقى وزير الصناعة الأسبق عام ١٩٥٩ وكان تراكماً للخبرة الصناعية .


وكانت أهم المشكلات أمام الصناعة هى أن البنوك كان يملكها كبار ملاك الأراضى الزراعية حيث كانوا مساهمين فيها ، فرفضت البنوك تمويل الشركات فوضع عبد الناصر خطة تنمية لخمس سنوات تشمل الصناعة والمجتمع وأمم البنوك وشركات التأمين وأصبحت فى حوزة الدولة وذلك لتمويل مشروعات الخطة الخمسية، وهذه المسائل الرئيسية التى نقلت مصر من مجتمع متخلف إلى مجتمع نام ومتطور، وفى هذا السياق طرحت الثورة العدالة الاجتماعية، وهى الركن الأساسى لسياسات عبد الناصر والتى مكنت ملايين المصريين من الحصول على دخل مناسب،


أيضا فأن ثورة يوليو نجحت في إقامة علاقات قوية لمصر مع الدول العربية حيث نلتقى معها فى مجموعة من العوامل التى تجعلنا أمة، وبالتالى بذلت مصر جهودها لتطوير العلاقات مع الدول العربية وساعدت فى تحريرها من الاستعمار مثل الجزائر وأطاحت بنظم متخلفة مثلما حدث في اليمن فكان هذا هو الدور الرئيسى للثورة فظهرت القومية العربية ونما الشعور بها في معظم البلدان العربية ونشأت أول وحدة في التاريخ الحديث بين مصر وسوريا رغم أنها لم يقدر لها الاكتمال.


فثورة يوليوغيرت المجتمع وصمدت في مواجهة العدوان الثلاثي وخرجت بمكاسب، وأكدت حقها في قناة السويس وفي الاستثمارات الأجنبية أن تسير وفق السياسة المصرية، وأعتقد أن الثورة كانت مرحلة مهمة في تغيير المجتمع المصري لكن البعض صوٌر الإصلاح الزراعي والتأميم على أنه سلب للحقوق لكنه كان إعادة توزيع الثروة بما يحقق مصلحة الأغلبية العظمى من الشعب المصري.


وماذا عن سلبيات ثورة يوليو؟


مشكلة الثورة أنها جاءت في فترة من التاريخ كان النموذج السائد في الدول المستقلة حديثا أنها في ظل التعددية الحزبية لا تستطيع أن تنجز ما هو مطلوب  إنجازه فأثر هذا على النظام السياسي وكان النظام سلطويا وظهرت سياسة الحزب الواحد فكان الجانب السياسي المتعلق بالمجتمع الذي كان متخلفا وهو ما أدي إلى تكبيل السلطة التشريعية وعدم تمكينها من مراقبة الحكومة فالجيش رغم تطوره لم يكن خاضعا للرقابة الشعبية، وهو ما أدى إلى ظهور مراكز قوى داخله وحدث تحلل كان من رموزه عبد الحكيم عامر وصلاح نصر فعندما دخلنا معركة مع إسرائيل انهزمنا فكانت نقطة الضعف في الثورة هي الجانب السياسي وإلغاء التعددية الحزبية والرقابة الشعبية المتمثلة في منظمات المجتمع المدني .


لكن الثورة رغم الهزيمة بعيوبها ومميزاتها هي خطوة مهمة في نقل مصر من مجتمع متخلف إلى مجتمع راق وكانت هناك محاولات لتصوير السادات ومبارك على أنهما امتداداً لناصر وهذا ليس صحيحا لأن السادات نقص عن مبادئ عبد الناصر في عام ٧١ وغير علاقات مصر الخارجية من روسيا إلى أمريكا ، وأنشأ تعددية حزبية « شكلية «.


ماذا تبقى من ثورة يوليو ؟


يبقى من يوليو أفكارها الرئيسية الكبرى..الاستقلال الوطني والعدالة الاجتماعية والقومية العربية وهذه المفاهيم الثلاثة ما زالت قائمة ومطلوبة حتي الآن ففي ثورة يناير هتف المصريون ينادون بالعدالة الاجتماعية والحرية والعيش، ولو بحثنا هذه الأهداف لوجدناها من أساسيات ثورة يوليو.


لكن البعض يرى أن ثورة يناير قامت على ثورة يوليو؟


يناير قامت على النظام السلطوي القائم وليس على مجمل إنجازات ثورة يوليو، فرفض الشعب الحزب الواحد والرئيس الذي يتحكم في كل شيء، فثار الشعب على هذا النظام لكنه في ذات الوقت رفع صور ناصر في ميدان التحرير واعتبره حقق للشعب إنجازات كبيرة على مستوى الصناعة والتأميم لتوفير التمويل ونشر العدالة الاجتماعية والتي مازالت مطلوبة حتي الآن واستعادة العلاقة مع الدول العربية وحماية الدول العربية التي تتفكك، ويجب أن تتضامن مصر معها ليتمكن العرب من تحقيق الاستقلال وعدم الخضوع للغرب.


وهل مصر الآن لديها القدرة للعب هذا الدور المؤثر في محيطها ؟


مصر عليها أولا أن تحقق التطور الديمقراطي وإذا لم تحقق هذا فلن تستطيع أن تقوم بأي دور، فثورة يناير قضت على النظام السلطوي والأحزاب الكرتونية وأرادت مجتمعا سياسيا حرا والجانب السلطوي مفروض علينا الآن ويمكن أن تكون الثورة في مراحل مد وجزر، ونرى الآن الشباب الذي صنع الثورة أخذ جانبا سلبيا وتنحي عن الصورة لكنه حتما سيعود إلي الميدان لتحقيق أهدافه.. فلابد من فتح الباب أمام الجميع للمشاركة وإنشاء أحزاب قادرة علي المنافسة، فلابد من بناء نظام ديمقراطي حتي نستعيد وحدة الأمة العربية،هناك مثال بسيط ، فمصر بعد ٣٠ يونيه استعادت علاقاتها مع دول كبرى ولم يسر السيسي في إطار الخضوع للسياسة الأمريكية مثل سابقيه ورأينا العلاقات مع السعودية والإمارات والكويت ساعدت مصر في الصمود أمام الحرب التي تجر إليها واستطاعت هذه الدول التنسيق للتأثير في السياسة العالمية.


هل ثورة المصريين في يناير بسبب السلطوية أم الظلم الاجتماعي ؟


أنا قلت السلطوية لأنها الأساس الذي يخرج منه الظلم الاجتماعي والذي يحدث فيه الفساد والنهب، وبالفعل كانت العدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية مطالب أساسية من ثورة يناير، فالنضال ضد السلطوية والعمل بجدية على خلق نظام ديمقراطي سيفتح الباب أمام العدالة الاجتماعية ولا تعارض بين النضال من أجل الديمقراطية والنضال من أجل العدالة الاجتماعية.


البعض يطالب بتأخيرالديمقراطية لأننا في ظروف صعبة وارهاب وبالتالي تحقيق الديمقراطية ليت له الأولوية الان ما رأيك؟


ليس مجرد رأي لكن حقائق التاريخ أن النظام الذي يحكم البلد تنتج منه سياسات أمنية واقتصادية واجتماعية ، ووجود نظام ديمقراطي يشمل سلطة تنفيذية وسلطة تشريعية، وسلطة قضائية على قدم المساواة، أما في إطار حكم السلطوية فالسلطة التنفيذية تطغى على باقي السلطات، ونحن على مدار ٤٠ سنة نرى طغيان للسلطة التفيذية على التشريعية، ومؤتمرات يعقدها القضاء لإصلاح النظام القضائى بحيث يكون قائما على أسس موضوعية وليس على معايير شخصية فمصر قادرة على تحقيق المسائل الأخرى عندما يكون هناك نظام ديمقراطي، فالنظام الديمقراطى معناه توازن السلطات مع بعضها لا توجد سلطة تطغى على الأخرى لدينا سلطة تشريعية متمثلة فى مجلس النواب معبر عن جميع الأطياف والفئات وقد يكون به نواب رجال أعمال أو عمال وفلاحون.


ولكن بالممارسة سنصل إلى المجلس الذى يعبر عن كل طبقات الشعب، فيه التقدمى والرأسمالى، وعندها يكون لدينا مجلس يراقب القوانين والتشريعات وكذلك السلطة التنفيذية، وبعض الناس يطالبون بتعديل الدستور الحالى مدعين أنه لا يمكن الرئيس من الإصلاح ويحد من صلاحياته، لكن الحقيقة أن الرئيس لدية سلطات ويستطيع أن يحل مجلس النواب وإقالة الوزراء، ولكن الدستور ينص على أن القرار يكون بمشاركة مجلس الوزراء وبالتالى تكون القيادة رشيدة ، الدستور الجديد من أهم ميزاته أن رئيس الجمهورية يشاركه مجلس الوزراء فى قيادة السلطة التنفيذية، وقال إنه فى مقابل القوة والاختصاصات التى يتمتع بها رئيس الجمهورية، هناك سلطة تشريعية تستطيع فى وقت معين أن تطالب باستفتاء على عزل رئيس الجمهورية اذا فقد الثقة والاعتبار، فهناك توازن بين السلطات.


ما تفسيرك لعشق كثير من المصريين للرئيس عبدالناصر رغم أن كثيرا منهم لم يروه ؟


لأن عبد الناصر كما قلت كان منحازًا للفقراء و جعل التعليم بالمجان، والمصريون علموا أولادهم، والمفارقة أن معظم من لا يريدون العدالة الاجتماعية ويطالبون بإلغاء مجانية التعليم وأن يكون بمقدور الأغنياء هم أبناء من تمكنوا من التعليم بالمجان والمنتفعين بالإصلاح الزراعى وخرج منهم من كان طبيبًا وضابطًا ومهندسًا، وقس على ذلك ملايين الأسر، وكان منهم من طبقة الأغنياء والوسطى وفلاح فقير كان يستطيع أن يعلم أبناءه، وبالتالى أصبح فى وجدان الناس الصورة الإيجابية لعبدالناصر أنه كان منحازا للفقراء وكان يدافع عن استقلال مصر ومدافعا عن كرامة مصر وكان يدعو للاستقلال عن أي نفوذ أجنبي وأنشأ مصانع وشغل عمالا، إذن المواطن أصبح لديه احتياجاته، لكن الجانب السياسى الذى كان ضعيفًا أصبح هناك بديل له وهى الجوانب الاقتصادية والاجتماعية التى نقلت مصر نقلة كبيرة جدَا.


هل تجربة الاهتمام بالاقتصاد أولا على حساب السياسة قابلة للتكرار مرة أخرى ؟


تجربة عبد الناصر كانت بنت أيامها وكان فيها الإيجابى والسلبى، وهزيمة ٦٧ كانت نتيجة أن كل شيء كان فى يد السلطة التنفيذية وبداخلها صراعات، لكن الآن نحن نحتاج إلى نظام ديمقراطى حقيقى حتى لا نعيد الكرة مرة أخرى لأن الحاكم الفرد الذي لا توجد مؤسسات تحاسبه ، شاء أو أبى سوف ينزلق النظام إلى الفساد مرة أخرى.


يوليو ويناير ويونيه ما الفرق بين الثورات الثلاث وهل هناك تناقض بينهما؟


أرى أن الثورات الثلاث تجتمع في أنها محاولة للمجتمع المصرى أن يغادر نهائيًا ساحة التخلف والديكتاتورية والحاكم الفرد، فثورة يناير أهم شئ فيها أنها أنهت النظام السابق، ثورة يوليو جاءت للمحافظة على هوية الدولة لأن الإخوان المسلمين كانوا يعتبرون مصر نقطة وثوب إلى الدولة الإسلامية الكبرى، فالهوية الوطنية كانت غير متواجدة لديهم وهذه كانت نقطة الضعف الرئيسية عند الإخوان، وبالتالى أعتقد أنه ليس هناك تناقض فى أن هناك قوة حية فى المجتمع المصرى ساندت ثورة ٢٣ يوليو بمبادئها التى ذكرتها وجاءت قوى حية أخرى من المجتمع المصرى لتصحح المسار بإسقاط النظام السلطوي لكنها تمسكت بالعدالة الاجتماعية والاستقلال الوطنى ثم جاءت الثورة الثالثة في ٣٠ يونيه، وهى ثورة شعبية حقيقية، لكى تحافظ على الوطنية المصرية.


بالنسبة للشباب.. كيف نجح عبد الناصر فى جذب الشباب وجعلهم ويلتفون حوله؟


الشباب هم المستفيد الأكبر من ثورة ٢٣ يوليو، جمال عبد الناصر عاش ١٨ سنة فى الحكم،و فى هذه الفترة الأجيال الجديدة تعلمت وفتحت أمامها آفاق التطور، صحيح أنه كان هناك بعض الشباب الذي ينتمى لتنظيمات تعارض جمال عبد الناصر مثل الإخوان المسلمين والشيوعيين واتبع معهم سياسة القمع ودخلوا السجون، لكن الأغلبية أن الشباب تعلموا فى ظل ثورة ٢٣ يوليو، الثورة هى من أنشأت هيئة التحرير ثم الاتحاد القومى فالاتحاد الاشتراكى وكانت جميعها تنظيمات غير فعالة وكانوا مع السلطة أيا كانت، الشباب فى عام ١٩٦٠ كان يمثل قوة لكنه كان يشعر بالفراغ، وفى تلك اللحظة كلف جمال عبد الناصر زكريا محيى الدين بإنشاء منظمة الشباب، ومحيى الدين فعل شيئا مهما جدًا، استدعى شخصيات من كل الاتجاهات السياسية جاء بشخص إخوانى وواحد شيوعى وآخر قومى وشخصيات يمينية، فجاء بالدكتور محمد الخفيف والدكتور إبراهيم سعد الدين وهم قيادات ماركسية كبرى لكنهم تأقلموا مع الثورة وودعوا مسألة البروليتاريا، والدكتور أحمد كمال أبو المجد والذى كان فى فترة من الفترات عضو مكتب إرشاد جماعة الإخوان المسلمين والدكتور أحمد صادق الكشيرى أستاذ القانون فى جامعة عين شمس، ثم طلب منهم إعداد برنامج فكرى للمنظمة، وبالفعل نجحوا فى صياغة برنامج فكرى فيه القيم السياسية بعيدًا عن تعنت التيارات الحزبية، وكان يتكون من ٤٥ محاضرة تدرس على ثلاث مراحل، الأولي منها يتعلم الشباب مضمون المصطلحات مثل مفهوم الاشتراكية والقومية العربية وهذه المرحلة كانت عبارة عن عشر محاضرات تدرس فى عشرة أيام يخرج منها الشباب وهو لديه ثقافة سياسية ،المرحلة الثانية كانت تتمثل فى محاضرات تعمق لديهم المنهج العلمى فى التفكير والدراسة، والمرحلة الثالثة توسع المصطلحات والأفكار للشباب، فى ذاك الوقت هذا البرنامج أصبح البرنامج الدراسى للشباب بالإضافة إلى حلقات حوارية حقيقية مفتوحة وحرة للمناقشات بين الشباب فى معسكرات دون المحاسبة على ما يقوله الشباب، وفى الآخر نجحت التجربة وخرجت نصف مليون شاب وفتاة كانوا أعضاء فى المنظمة منهم ٣٠ ٪ من الفتيات، والذي مازال يناضل من أجل العدالة الاجتماعية حاليا هم خريجو أعضاء هذه المنظمة منهم د.أحمد بهاء شعبان، ود. هانى عنان،ود.على شمس الدين رئيس جامعة بنها، وشباب كثيرون تولى مناصب ومسئوليات كبيرة وظلوا على ولائهم للأفكار وللمفاهيم الأساسية لثورة ٢٣ يوليو.


هل نحن فى حاجة إلى منظمة الشباب مرة أخرى؟


الحقيقة أنه لا يمكن تكرار مثل هذه التجربة لأن هناك الان تعددية حزبية بينما في الماضي كانت منظمة سياسية واحدة ، وبالتالي الآن منظمة الشباب ستصبح ملك من فى ظل التعددية الحزبية؟ لكن هناك فكرة أخرى مطروحة وغير ملتف إليها بالقدر الكافى، ففى عهد الرئيس المؤقت عدلى منصور كان الدكتور مصطفى حجازى مستشارًا للشئون السياسية وطرحت فكرة كيف نهتم بالشباب واجتمعنا وقلنا المطلوب تمكين الشباب بشرط إعطائه الثقافة الضرورية بحيث يكون على مستوى العصر الراهن، وأنه يندمج من خلال البرامج التى سيتم وضعها إلى مؤسسات المجتمع من يريد الدخول فى حزب يسارى يدخل، يمين يدخل، جمعية أهلية أيا كان أو منظمة حقوقية يدخل بحيث يكون لديهم اختيارات، وبالفعل وصلنا إلى فكرة إنشاء مفوضية للشباب هذه المفوضية يكون لها مجلس أمناء ومراكز الشباب تكون هى الجهات التنفيذية لها ويعطى للشباب هذا البرنامج فيه قيم وثقافة العصر وخبرة العمل الجماعى وخبرة الاشتباك مع مشكلات المجتمع وإيجاد حلول لها وبالتالى تصبح مفوضية الشباب إطارا لتمكينهم لأن يلعبوا دورا بالاندماج فى المجتمع دون التلقين أو الاجبار بأن يكون يساريا أو يمينيا أو رأسماليا أو إسلاميا أو غير ذلك ووصلنا فى هذا المشروع بأن تكون المفوضية مستقلة ولها مجلس أمناء يرأسها، والشباب هم من يقوم بعمل اللجان القيادية فى هذه المفوضية وناقشنا هذه الفكرة مع ما يقرب من ٥٠٠ شاب وفتاة من شباب ثورة ٢٥ يناير وكانوا تقريبا موافقين على هذه الصيغة ووثقنا المشروع القانونى للمفوضية لكن المستشار عدلى منصور قال «إن هذا مشروع كبير وأنا رئيس مؤقت ونؤجله إلى أن يأتى رئيس منتخب وهو الذى يتحمل مسئولية هذه المفوضية» وتوقف المشروع.


ولماذا لم يتم فتح الأمر في عهد الرئيس السيسي؟


تم فتحه مرة أخرى عندما قام ياسر رزق رئيس تحرير الاخبار عندما كتب مقالا عن حاجتنا لمنظمة شباب وأنا كتبت مقالا عن تجربة المنظمة وأكدت على انه لا يمكن تكرار المنظمة وإنما ننشئ مفوضية للشباب تحقق نفس الأغراض ومتكاملة مع طبيعة النظام الجديد الذي به احزاب بعديدا عن التلقين وتلائم روح العصر ونتمنى أن يتم تنفيذ تلك التجربة المهمة للشباب.


 



آخر الأخبار