٢٣ يوليــو ثورة «تمصير البترول»

22/07/2015 - 10:17:10

  جمال عبدالناصر فى معامل تكرير البترول فى السويس جمال عبدالناصر فى معامل تكرير البترول فى السويس

كتب - غالى محمد

قبل ٢٣ يوليو ١٩٥٢، كان البترول الذى يتدفق فى الأراضى المصرية حكرًا على الشركات الأجنبية، وحين صدر فى عام ١٩٤٧ قانون “الشركات المساهمة” الذى نص على أن يكون ٤٠٪ من أعضاء مجلس إدارة الشركات المساهمة- على الأقل- مصريين.. وتخصيص ٥١٪ من ملكية الأسهم للمصريين.. حين صدر هذا القانون انسحبت الشركات الأمريكية العاملة فى مجال البحث عن البترول فى مصر.. كان ثمة صراع أمريكى - بريطانى على البترول فى مصر، بريطانيا كقوة استعمارية موجودة على الأراضى المصرية وأمريكا كقوة اقتصادية عملاقة ظهرت بقوة فى الحرب العالمية الثانية، وجاءت ٢٣ يوليو لتهدم كل هذه المعطيات، ولتضع مقدرات العمل البترولى فى أيدى المصريين..!


فبعد ثورة ٢٣ يوليو المجيدة، أخذت قوى الاستعمار آنذاك تردد على مسامع الشعب والمسئولين أن مصر فقيرة بتروليًا، لكى تظل منفردة بمقدرات هذه الصناعة وحدها فى مصر.. لكن الحكومة المصرية بعد الثورة أولت اهتمامًا كبيرًا لقطاع البترول.


المهندس “شريف إسماعيل” وزير البترول يؤكد أن قطاع البترول فى مصر يعمل وفق سياسات ثورة ٢٣يوليو المجيدة، وإن كان هذا مع تغيير آليات العمل لتساير المتغيرات الاقتصادية العالمية وكذا التطور التقنى الهائل الذى طرأ على صناعة البترول.


وأشار إسماعيل إلى علامات مهمة وضعتها ثورة يوليو المجيدة على خارطة العمل البترولى فى مصر، أبرزها أن الثورة استطاعت أن تجذب شركات غربية للعمل فى مصر، فى مجالات البحث والاستكشاف والتنقيب ووقعت عدداً كبيراً من الاتفاقيات مع هذه الشركات، فى الوقت ذاته نجحت الثورة فى تضخيم “المنتج المحلى” فى صناعة البترول وكسرت احتكار الشركات الأجنبية الأمريكية والإنجليزية فى مجال التنقيب عن البترول.. وأضاف شريف إسماعيل: لا يمكننا أن ننسى أيضاً أن ثورة ٢٣ يوليو قامت بدور مهم للغاية فى مجال “تكرير البترول” بما خدم السوق المحلية ووفر لها منتجات بترولية متنوعة وأسس - بعد ذلك - لتكرير البترول الموسع الذى تشهده مصر الآن.. كما أن مصر لم تشهد بداية لصناعة “البتروكيماويات” إلا مع ثورة يوليو، التى وضعت أسس هذه الصناعة العملاقة، ووضعت ملامح العمل المؤسسى البترولى فى مصر بإنشائها “الهيئة العامة للبترول” التى لعبت الدور الرئيسى فى إنتاج الزيت والغاز.


وأكد وزير البترول المهندس “شريف إسماعيل” أن مجمل صناعة البترول فى مصر الآن آت من الجهد الملموس الذى اضطلعت به ثورة يوليو، والتى أدركت من بدايتها أن البترول هو فى صميم الأمن القومى لهذا الوطن، وهى العقيدة التى يعتنقها قطاع البترول فى مصر إلى الآن.


حيث رأت الحكومة المصرية ضرورة تعديل قانون الشركات المساهمة والمناجم والمحاجر لتشجيع رأس المال الأجنبى للعودة إلى البلاد للمساهمة فى تطوير صناعة البترول، فأصدر عام ١٩٥٣ قانونًا لتعديل الأحكام التى تضمنها قانون ١٩٤٨ وهو يتيح للشركات الأجنبية والمصرية حق البحث عن البترول واستغلاله وجعل الأولوية للشركات المصرية وقد صدرت بعد ذلك تعديلات لهذا القانون لتشجيع الشركات للبحث عن البترول فى عام ١٩٥٣ منحت الجمعية التعاونية للبترول «وهى شركة البترول المصرية الوحيدة آنذاك» امتيازًا للبحث عن البترول فى بعض مناطق سيناء»بلاعيم» وتكونت الشركة الأهلية للبترول برءوس أموال أوربية وذلك بهدف تجنيب الجمعية التعاونية للبترول مخاطر البحث عن البترول.


لكن تنظيم هذه الصناعة الوطنيةالعملاقة بدأ عمليًا فى مصر قررت الدولة أن تضطلع بدورها الكامل فى الإشراف على هذه الصناعة وتنظيمها واستثمارها.. لذا فإنه فى ٢٨مارس ١٩٥٦، أنشئت الهيئة العامة لشئون البترول وفق القانون ١٣٥لسنة ١٩٥٦ وألحقت بوزارة الصناعة.. وللهيئة - وفق هذا القانون - شخصيتها الاعتبارية، وتختص بالأمور الآتية:


إدارة معمل التكرير الحكومى.


إدارة كل منشأة عامة مختصة بالبترول ومشتقاته .


القيام بجميع عمليات البحث عن المواد البترولية وإنتاجها وتكريرها وشرائها ونقلها وتوزيعها.


وكانت هذه الهيئة أول هيئة يتم إنشاؤها فى مصر، وكان من هدفها توحيد الجهات المشرفة على الشئون البترول فى مصر، ووقف تيار الاحتكار الجارف الذى فرضته الشركات الأجنبية التى كانت تسيطر آنذاك .


وبعد شهور أعلن الزعيم الراحل جمال عبدالناصر تأميم قناة السويس لتصبح شركة مساهمة مصرية، واشترك عدد من العاملين فى هيئة البترول ومعمل التكريرالحكومى بالسويس فى تنفيذ عملية التأميم، وتولى مراكز رئسية مؤثرة فى هيئة القناة .


ولهيئة البترول دور وطنى بارز خلال العدوان الثلاثى الغاشم على مصر (١٩٥٦)، هذه الفترة - كما يروى الخبراء الذين عايشوها- كانت نقطة تحول بارزة فى صناعة البترول المصرية، حيث غادر الأجانب البلاد تاركين صناعة البترول للمرة الأولى فى أيدى المصريين وحدهم وتصوروا أن الإنتاج سيتوقف وأن هذه الصناعة برمتها ستضرب وتصير عبئًا على الوطن بدلًا من أن تكون سببًا فى دفع إنتاجه للأمام تحمل المصريون المسئولية بكفاءة منقطعة النظير ونجحوا فى إدارة صناعة البترول الوطنية فى فترة العدوان وماصاحبها من الحصار الاقتصادى فلم تشهد مصر أية أزمة بترولية، بل تحولت المكيدة الاستعمارية إلى أتون صهر المعدن السامى للمصريين داخله، فبرز رجال من ذهب اضطلعوا بصناعة البترول فى أحلك الظروف. وهكذا باتت سهلة يسيرة عليهم إدارة البترول فى ظروف السلم !


فى ٢٠ يوليو ١٩٦١ صدر القانون ١١٨ لسنة ١٩٦١ الذى يقضى بإشراك القطاع العام فى رأسمال ٩١ شركة منها (شركة آبار الزيوت الإنجليزية – المصرية) و)الشركة المستقلة المصرية للبترول(، وتم تغيير اسم )آبار الزيوت الإنجليزية المصرية( إلى )شركة النصر لآبار الزيوت(.. ثم أممت هذه الشركة بالكامل وآلت للهيئة العامة للبترول مع نقل حقوق إنتاج الزيت الخام إلى الشركة العامة للبترول، وقصر عمل شركة النصر والتصنيع، وكان ذلك فى عام .١٩٦٤


خطوة التأميم لـ «النصر» تلتها خطوة تأميم أخرى فى العام ذاته لـ “شل” وأدمجت فى الشركة العربية للبترول، والتى تغير اسمها بعد ذلك إلى «مصر للبترول».


وبإنشاء الهيئة العامة لشئون البترول بدأت مصر لأول مرة تسيطر سيطرة تامة على ثرواتها البترولية تمنع كل رأس مال أجنبى مستغل وتشجع غير المستغل على أن يساعد فى استخراج ثروات البلاد، فتسابقت الشركات الأجنبية للحصول على تراخيص للبحث عن البترول فى أراضيها.


فى ٢ سبتمبر عام ١٩٥٧ تأسست الشركة العامة للبترول، وهى أول شركة مصرية بالكامل تمارس نشاط البحث والإنتاج فى مصر برأس مال قدره مليونا جنيه زيد إلى ٦ ملايين جنيه اكتتبت فيه أجمعه المؤسسة الاقتصادية، وقد حصلت الشركة ٦٣ ترخيصًا للبحث عن البترول كان أحدها هو منطقة رقم ٦ “بكر” على بعد ١٣ كيلو مترا شمال حقل غارب، فقامت بحفر أول بئر لها فى تلك المنطقة وهو على مسافة ٢٥٠ مترا تقريبا من إحدى الآبار الخمس التى حفرتها شركة استاندرد أويل أوف نيوجيرسى بين عامى ٣٩ و١٩٤٠، وقد تدفق البترول من بكر ٦ فى ٩ إبريل عام ١٩٥٨ بدرجة جودة ٢٠.


وفى أوائل عام ١٩٥٩ وبعد أن ثبت للشركة وجود البترول بكميات تجارية بدأت فى إنشاء وسائل الإنتاج اللازمة من محطات تجميع وخطوط أنابيب ومحطات التخزين والشحن، وفى أواخر ١٩٥٩ اكتشفت الشركة حقل بكر الشمالى.


وقد بدأ إنتاج حقل بكر فى مارس ١٩٦٠ وبلغ خلال هذا العام ٢٠٣ آلاف متر مكعب.


هذا وقد اكتشفت الشركة فى عام ١٩٦٠ حقل رحمى على بعد ٣٥ كيلو مترا شمال حقل بكر، وقامت بحفر عدة آبار فيه إلا أن الكميات المنتجة كانت غير تجارية، وقد سبق لشركة استاندراد أويل أوف نيوجيرسى أن حفرت بئرا فى تلك المنطقة فى عام ١٩٤٠ ولكن وجدتها جافة.


القاطرة تنطلق


فى ١٩٦٠ قامت الهيئة العامة لشئون البترول بتوقيع اتفاق نهائى مع شركة موبيل أويل بمصر خاص بشراء نصيبها فى المنتجات والخام الناتجين من حصتها فى حقول سدر وعسل ومطامر التى تمتلكها مناصفة مع آبار الزيوت، وقد نص فى هذا الاتفاق على قيام الهيئة بشراء المنتجات المكررة الناتجة من هذه الخامات خلال الفترة من ١/١/١٩٥٧ حتى ٦/٥/١٩٥٩ بالأسعار التى تشترى بها الهيئات خامات الشركة لتسليم الحقول على أساس أسعار الخام الكويتى، وقد عدلت هذه الأسعار فى عام ١٩٦٤ وأصبح سعر الشراء يتم بالجنيه المصرى دون ارتباط بأية أسعار عالمية.


وبعد اكتشاف حقلى بلاعيم وأبى رديس تبين أن الجانب الغربى لكل منهما يقع تحت مياه خليج السويس، وقد أثبتت ذلك الآبار المائلة التى حفرت من الشاطئ إلى مساحة تبعد عنه حوالى ١٥٠٠ متر وقد شجع ذلك الشركة الشرقية للبترول التى تكونت عام ١٩٧٥ رأس مال مصرى إيطالى وحلت محل الشركة الأهلية للبترول وحاليا شركة بتروبل على القيام بعمل مساحات سيزموجرافية تحت مياه الخليج بسفن مجهزة لهذا الغرض، وبعد أن بينت هذه المساحة وجود تركيبات جيولوجية ملائمة لوجود البترول فيها اتفق مع شركة(سايبم) الإيطالية على القيام بعملية الحفر تحت الماء بواسطة برجها العائم المسمى “سكاربيو”.


وقد بدأ الحفر فى يوم ٢٧ فبراير سنة ١٩٦١ فى أول بئر بحرى )بلاعيم رقم (، وتبعد حوالى ٩ كيلو مترات من الشاطئ، ويبلغ عمق الماء فى موقع الحفر حوالى ٥٠ قدما، وقد تدفق البترول فى ٢٠ إبريل سنة ١٩٦١ بدرجة جودة ٣١ ومعدل إنتاج ٧٠٠ متر مكعب. وفى يونيه عام١٩٦٢ وقعت الشركة الشرقية للبترول مع شركة سايبم عقدا لاستخدام جهاز حفر بحرى آخر هو)بيرو نجرو (ليساعد فى عمليات تنمية الحقل.


المؤسسة المصرية العامة للبترول


فى عام ١٩٦١ أنشئ المجلس الأعلى للمؤسسات العامة متضمنا إعادة تقسيم المؤسسات العامة أساسى نوعين. ونظرا لأن المؤسسات العامة الصناعية يجمعها غرض واحد هو تنمية الاقتصاد القومى عن طريق النشاط الصناعى، لذلك فقد وضع تشريع موحد يحكمها جميعا ويعتبر القانون الأساس لها، وتحقيقًا لهذا الغرض فقد صدر فى ١/١/١٩٦٢ القرار الجمهورى رقم١ فى شأن المؤسسات العامة الصناعية. تناولت المادة الأولى منه المؤسسات العامة ذات الطابع الاقتصادى ومنها المؤسسة المصرية العامة للبترول، كما نصت المادة الخامسة منه على أن تحل بعض المؤسسات العامة محل بعض الهيئات فيما لها من اختصاص وحقوق وما عليها من التزامات وينقل موظفوها ومستخدموها وعمالها إلى المؤسسات بأوضاعهم الحالية.


وقد حلت المؤسسة المصرية العامة محل الهيئة العامة للبترول.


كذلك حدد القرار الجمهورى رءوس أموال المؤسسات العامة بأنصبة الحكومة رءوس أموال ما يتبع المؤسسة من شركات وجمعيات تعاونية ومنشآت، كذلك من الاعتمادات التى تخصصها الدولة لتحقيق أغراض المؤسسة وأية حصيلة أخرى نتيجة لنشاط المؤسسة.


وقد شهد عام١٩٦٤ توقيع اتفاقيتى مشاركة مع شركتين عالميين وهما بأن أمريكان(اموكو) وفيليبس للبترول من أجل توسيع مساحات ومناطق البحث عن البترول.


وفى عام ١٩٦٥ تم تأسيس شركة «جابكو» كشركة مصرية أمريكية للبحث عن الزيت الخام، وكان لها الفضل فى تحقيق أول كشف للغازات الطبيعية (حقل أبو الغراديق فى عام ١٩٧٥)، كما اكتشفت فى عام ١٩٦٥ أكبر وأقدم حقل بترول (المرجان) الذى بدأ الإنتاج فى عام١٩٦٧.


وفى عام ١٩٦٧، ثم اكتشاف حقل أبو ماضى أول حقل للغاز الطبيعى فى تاريخ مصر، لكن بدأ استغلاله فعلا فى عام ١٩٧٥، حيث كان غاز أبو ماضى المصدر الأساسى لمصنع السماد الجديد فى طلخا وقتها، وفى عام ١٩٦٩، اكتشف حقل غازات أبو قير البحرى وبد إنتاجه عام ١٩٧٩، ثم حقل أبو الغراديق الذى اكتشف عام ١٩٧١ .


وعلى الرغم من أحداث نكسة يونيه ١٩٦٧ التى أثرت سلبا على صناعة البترول فقد تم تشغيل معمل القاهرة لتكرير البترول فى عام١٩٦٩، ومعمل العامرية لتكرير البترول فى عام١٩٧٢، ثم معمل طنطا فى عام ١٩٧٣، تحقيقا لسياسة الانتشار الجغرافى لمعامل التكرير وعدم تركزها فى منطقة السويس.


فى فبراير ١٩٦٩ بدأت سلسلة ندوات الاستكشاف، وفى عام ١٩٧١ بدأت سلسلة ندوات الإنتاج وعقدت بالتبادل بعد ذلك بانتظام كل عامين.