إلغاء الدعم..فطام بقرار وزاري

17/07/2014 - 11:15:37

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

كتب - عمرو سهل

عاشت الناس سنين طوال في علاقة أمومية مع الحكومة تعتمد فيها اعتمادا كليا على دعم الدولة كما يعتمد الرضيع على لبن أمه، مما أنهك بنيتها وباتت عاجزة عن الاستمرار في القيام بهذا الدور، فقررت كسر التابوهات المقدسة في تعاملها مع الدعم الذي بات عبئا تنوء بحمله ميزانية الدولة بعد أن اقتربت المديونية من 2 تريليون جنيه، تحمل الدولة ما يقرب من 26% من حجم الموازنة  خدمة لهذا الدين الذي يتضاعف يوما بعد يوم، فقررت إلغاء جزئياً لدعم الطاقة سينعكس بلا شك على أسعار السلع كنتيجة منطقية لرفع أسعار البنزين والسولار.


فهل اتخذت الحكومة القرار السليم في الوقت المناسب، وهل تدارست انعكاس ذلك القرار اجتماعيا على الأسرة المصرية المثخنة بالجراح الاقتصادية خلفها ارتباك سياسي وثورتين شعبيتين خلال الثلاث سنوات الماضية، وهل من سبيل إلى موارد إضافية تخفف من وطأة قرار الإلغاء التدريجي للدعم،  وأخيرا.. هل سيوفر التوسع في بطاقات التموين نوعا من الأمان الاجتماعي يمكن سفينة الوطن من عبور أمواج أزمة اقتصادية عاتية مقبلة؟


حواء رصدت ردود الفعل وطرحت تحرك الحكومة الأخير في مسألة الدعم على مجموعة من الخبراء الاقتصاديين في محاولة للخروج بأقل الخسائر من قرار إلغاء الدعم التدريجي الذي بات واقعا معاشا في حياة المصريين.


يمثل الدعم الحكومي طوق نجاة للعديد من الفئات بالمجتمع، لكنه بات صداعا مزمنا وجرحا نازفا في ميزانية الدولة مما يتسبب في تقليل فرص الإنفالق على الخدمات والمرافق، كالتعليم، والصحة وغيرهما، وبعد أن قررت الحكومة دخول عش الدبابير وفتح ملف الدعم ومواجهة الناس بضرورة إلغائه تدريجيا لتقليل عجز الميزانية الذي بلغ 2 تريليون جنيه، وفي إطار عام ألغت الدولة جزءً من دعم الطاقة تم من خلاله توفير 51 مليارا سيعاد ضخها لصالح التعليم والصحة وتوسيع قاعدة المستفيدين من معاش الضمان الاجتماعي.. فكيف يرى الناس قضية إلغاء الدعم التى باتت حديث الناس خلال الأيام الأخيرة.


تقول إيناس كامل، مهندسة: ما يهمني في قضية الدعم هو وصوله إلى مستحقيه الحقيقيين فكيف ندعم أصحاب السيارات الفارهة ومالكي المصانع الذين يتلقون الدعم ثم يبيعون منتجاتهم بالأسعار العالمية، ومن المؤسف سيستغل بعض التجار هذه المسألة  في رفع الأسعار بشكل عشوائي سيسبب مزيدا من الضغط على فئات تعيش ظرفا اقتصاديا صعبا.


ويختلف معها في الرأي وائل إحسان مدرس قائلا: إن إلغاء الدعم قد يكون قرارا سليما من الناحية الاقتصادية، لكنني أراه جاء في توقيت صعب، فالبلاد عاشت طوال السنوات الثلاث الماضية أزمات اقتصادية طاحنة أرهقت الجميع، وهنا كان واجبا على الحكومة أن  تمهد جيدا لهذا القرار عن طريق فرض رقابتها على الأسواق وتوفير أسواق تموينية توفر السلع بأسعار تنافسية تجبر أصحاب الضمائر المنعدمة من التجار على عدم تبرير رفع أسعار السلع بحجة زيادة أسعار البنزين والسولار.


أما يسرا محمد، طالبة، فترى أن تصرف الحكومة تصرف شجاع يتسم بالمسئولية، وسوف ندخل في موجة جديدة من رفع الأسعار سرعان ما ستهدأ خاصة بعد توسيع مظلة المستفيدين من بطاقات التموين التى سيزداد دورها في حماية الفئات المتوسطة والفقيرة من تداعيات هذا القرار.


المليارات الضائعة


وإذا كان قرار إلغاء الدعم واقعا فعليا سيعيشه المصريون خلال السنوات المقبلة، فإننا نطرح سؤالا منطقيا لماذا اللجوء إلى الحلول السهلة كإلغاء الدعم في الوقت الذي تهدر ملايين على خزينة الدولة ناتجة عن بيع العقارات والشقق عن طريق توكيل بالشهر العقاري، أو بواسطة ما يعرف بصحة التوقيع وهما طريقتان يتحايل بهما الكثيرون للهرب من سداد النسبة المقررة على عقود التسجيل؟ توجهنا بالسؤال للمتخصصين نفتش عن موارد إضافية تغنى الدولة عن التفكير في رفع الدعم ومخاطره الاجتماعية والسياسية .


يقول الدكتور صفوت النحاس، الأمين العام لحزب الحركة الوطنية والرئيس السابق للجهاز المركزي للتنظيم والإدارة: إن تسجيل العقارات أمر مهم يبدأ من وجود قاعدة بيانات تشمل كل بناية في مصر ومن مالكها، على أن تدفع الضريبة وتقدر عند البيع للتسدد مباشرة إلى خزينة الدولة، وهناك أماكن كثيرة غير مسجلة وفي أماكن راقية كمدينة نصر، لذلك أرى ضرورة تيسير عملية التسجيل بخفض الضريبة المفروضة على العقد لتشجيع المشترى والحيلولة دون تهربه من سداد الضريبة.


وأعتقد أن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء قادر على إعداد قاعدة بيانات المنشآت خلال عام واحد ولديه من الآليات التى تمكنه  حصر المنشآت في القرى والمدن المصرية وأن يكون التسجيل مركزيا ويتم مطابقة قاعدة البيانات تلك مع مجالس المدن والتراخيص التى تم إصدارها.


دعم نقدي


وعن قرار الحكومة الأخير برفع الدعم جزئيا عن الطاقة يقول "النحاس": لا مفر من هذا القرار ويجب إلغاؤه كليا ولكن بشكل تدريجي خلال ثلاث أو أربع سنوات، وهذا قرار تأخرنا فيه كثيرا وأرى أن يتحول إلى دعم نقدي، فلابد لكل مؤسسات الدولة وهيئاتها الخدمية أن تعمل بآليات السوق، وأن تقدم الخدمة بثمنها الحقيقي وإن أردنا أن ندعم بعض خدماتها التى لا تتناسب مع قدرة المواطنين وهذا حقهم، فيجب أن يسدد الفارق في ثمن الخدمة من خزينة الدولة مباشرة إلى تلك الهيئة الخدمية، لا أن تتحول هي نفسها إلى جهة دعم وهي في الأصل خاسرة.


ولكي يلقى قرار الرفع التدريجي القبول لدى الناس لابد من تقديم دعم نقدي حقيقي للفئات تحت مستوى الفقر، وتحديه أمر بسيط فتعدادنا 90 مليونا، لو قسمناهم بمتوسط خمسة أفراد للأسرة، يصبح لدينا ما بين 15 إلى 20 مليون أسرة، وهنا يوزع رقم الدعم بالموازنة على كل فرد وحتى أطفال الشوارع.


وعن شعور البعض بالتناقض في مسارعة الحكومة بإلغاء دعم الطاقة في حين تتوسع في البطاقات التموينية وإضافة أكثر من 20 سلعة بأسعار مدعومة يقول أمين عام حزب الحركة الوطنية: ليس هناك تناقض، فهذا واجب الحكومة أن تقدم رسالة واضحة للتجار أنه في حالة عدم رضاكم بهامش ربح معقول سأتدخل لضبط الأسواق بضخ سلع بأسعار استرشادية مقبولة، وهذا تصرف طبيعي يعكس شعور الحكومة بمعاناة الناس من ارتفاع الأسعار.


الدعم لمن ولماذا؟!


ويأخذنا الدكتور رمضان أبو العلا، الخبير الاقتصادي والقائم بأعمال نائب جامعة فاروس بالأسكندرية إلى زاوية جديدة بتساؤله لمن نقدم الدعم ومن أجل ماذا يقول: تتعاقب الحكومات ويتغير الرؤساء ولا تتغير النظرة لملف الدعم، وعندما أتحدث عن قضية الدعم لا يقفز إلى عقلى الفئات الفقيرة والأكثر احتياجا كعادة تناول هذه القضية، بل ألفت الأنظار إلى ما هو معتبر في تلك المسألة بما اتفق عليه العالم، فهذا الدعم من المفترض به أن يرتبط معدل الزيادة في استهلاك الطاقة ومعدل النمو الاقتصادي وليس من المنطقي أبدا أن يقل معدل النمو في الوقت الذي يرتفع فيه معدل استهلاك الطاقة، بل يجب أن يفي ما نستهلكه من الطاقة باحتياجات الغني والفقير في مصر.


وللأسف أرى أن الحكومة الحالية مستمرة في انتهاج سياسات سابقيها بالانشغال بتوفير الموارد لتقديم ذلك الدعم دون التفكير العائد منه على مستوى رفاهية المواطنين وهى معاجات ذات أسلوب قديم.


اقتراح للرئيس


ويتقدم "أبو العلا"  باقتراح للرئيس السيسي بتشكيل مجلس أعلى محايد من الخبراء بعيدا عن التنفيذيين، يضع السياسات وتجبر الحكومة على اتباعها فما تستهلكه أغلب دول العالم من الطاقة الكهربية يكون للمصانع بنسبة 65% مقابل 35% للمنازل، والعكس هو ما يحدث في مصر، فعدد كبير من المصانع توقفت عن العمل لضخ التيار للمنازل .


ويؤكد الدكتور "أبو العلا" على أهمية المصارحة المجتمعية في هذا الإطار للتمهيد لهذا القرار الصعب قائلا: أرفض فكرة تقديم دعم نقدي بديل لصعوبة وصوله إلى الجميع، مشيرا إلى أننا ما زلنا نعاني من سوء إدارة لموارد الدولة، مختتما حديثه برفض إلغاء الدعم في الوقت الحالي، وأرى أن ما حدث نوع من توريط الرئيس السيسي وتقليل شعبيته، وهز ثقة الفقراء فيه، وهم من وضعوا آمالهم عليه.


الموازنة الجديدة


ويقدم لنا الدكتور رشاد عبده، رئيس المنتدى المصري للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية، تصورا مخيفا تظهره أرقام الموازنة حول الدعم الحكومي يقول: أتخذ إعداد الميزانية الأخيرة سيناريوهين، الأول ميزانية تتبنى إجراءات إصلاحية تقدر بـ288 مليارا، والأخر بدون إصلاحات قدر عجزها بـ350 مليارا إلى أن استقر الرئيس بالميزانية التى تتبنى إجراءات إصلاحية تقدر بـ270 مليارا عجزا، وهو ما يعني بلوغ هذا الرقم 2700مليارا بعد عشر سنوات، وبلغت المديونية ما يقرب من 2 تريليون جنيه وتحديدا 1942 مليار جنيه.


إذن نحن أمام وضع اقتصادي صعب وعجز بالميزانية يتفاقم نتيجة الإيرادات المحدودة والمصروفات  الكثيرة ويظهر عمق المشكلة بشكل أوضح إذا ما استعرضنا شروط الانضمام للاتحاد الأوروبي، فللحصول على عضويته يجب ألا يزيد عجز الموازنة على 3% كما ينظر إلى حجم المديونية وفوائد هذا الدين الذي وصل في مصر إلى 204مليارات مقارنة بـ789 مليارا هو حجم الموازنة الكلية، أي ما يمثل 26% من قيمة الفوائد التى لا تسترد لعدم وجود فائض وهو ما يعوض بالمزيد من الاقتراض.


ويتمثل المعيار الثالث للانضمام لاتحاد الأوروبي قضية البطالة، وهى تسجل نسبة كبيرة تبلغ 13% وتصل بين الشباب إلى 30%، بالإضافة إلى الغلاء والتضخم، وهى دائرة جهنمية وما يتم في مصر هو ترحيل العجز كل عام، ولمواجهة هذه التداعيات لا بديل عن أمرين يسيران بشكل متواز، الأول ضغط المصروفات وزيادة الإيرادات، فيجب علينا ضغط نفقات الوزارات ومكاتب التمثيل التجاري، وبالقدر ذاته من الأهمية زيادة الإيرادات عن طريق عمل حقيقي وليس وهمياً كفرض الضرائب .


وللخروج من الأزمة يضع الدكتور رشاد عبده بعض التوصيات فيقول: لابد من العمل سريعا لاستعادة الأمن لتشجيع السياحة، وهي صناعة تضم العديد من التخصصات التي تحرك الأسواق وتزيد الدخل القومي، وهنا لابد من إصدار مجموعة من التشريعات التى توفر الأمن والأمان حتى ولو تطلب ذلك مزيداً من الإنفاق عليها لجذب المستثمرين .


ولابد من القضاء على الفساد والبيروقراطية، وبدء حوار حقيقي مع العمال للكف عن المطالب الفئوية، يدار بواسطة النقابات لضمان عدم تعطيل الإنتاج، ومن الأهمية إحسان اختيار القيادات وإرساء منظومة الثواب والعقاب، ومن العبث الحديث عن إلغاء وزارة التنمية الإدارية كما يجب الاهتمام بالمشروعات الصغيرة والمتوسطة وإرسال خبراء من الصندوق الاجتماعي لمساعدة أصحاب  هذه المشاريع مجانا، وإقامة معارض لتسويق لها ومثل هذه المشروعات تمثل 70% من قيمة إيرادات الدول عالميا.