مصرتهنئ نفسها بالجلاء

22/07/2015 - 9:59:16

كتب - عادل عبد الصمد

تتميزالأمم ذات الحضارات بقدرتها على تسجيل تاريخها وتوثيقه ليكون دائما سجلاً حياً


يتطلع فيه أبناؤها فيقرأون من خلاله ملفات مضيئة لكفاح ونضال الآباء والأجداد


ومصر على امتداد تاريخها عانت كثيراً من أطماع المستعمروالمحتلين والمستغلين لثرواتها ومحاولات النيل من حضارتها التى ميزتها عن بقية الأمم، فهى أيقونة المنطقة العربية ورمانة ميزان إفريقيا ومفتاح إفريقيا وآسيا


وقد تحملت مجلة المصور رسالة تسجيل وتوثيق أحداث الوطن من خلال مقالات كُتابها وتحليلاتهم الواعية لأهمية دور مصر عبر التاريخ وكانت عدسة المصور وحوارات محرريها موسوعة ثرية لتوثيق أحداث الوطن الداخلية والخارجية، وسجلت المصور تلك الرسالة فى عددها بتاريخ ٢٤ ديسمبر ١٩٥٤


( منذ أن صدر العدد الأول من هذه المجلة منذ ثلاثين عاما وفى ذهن صاحبها ومحرريها أن تكون رسالة الجيش من أولى رسائلها أو قل إن الجيش مادة أساسية جوهرية من موادها فى بحر ذالك الزمن الطويل


ومنذ أن صدرت مجلة المصور سنة ١٩٢٤ انتهزت كل فرصة قومية فأصدرت أعدادها الخاصة الممتازة مسجلة حوادث وأحداث مصر لتكون سجلا وافيا ومرجعا للمؤرخين وأبناء الوطن فى كل جيل وتكون حال الواقع و الحادث بالفعل ومصورا ومدعما بالصور والوثائق والإحصاءات


وكان من الطبيعى أن يسجل أكبر حادث تاريخى عالمى فى سنة ١٩٥٢ وهو الثورة المصرية حيث كانت بلاشك أخطر وأهم أحداث العالم، وامتازت بأنها لم تكن سياسية فحسب وإنما كانت ثورة إنسانية روحية اجتماعية أخلاقية أكثر منها سياسية .


ولانحب أن نسوق الأدلة والشواهد فهى تكاد تكون بديهيات وأبجديات ومادة ملموسة )


ولأهمية رسالة المصور وموضوعيتها وتسجيلها بأمانة لأحداث الوطن خصها الرئيس جمال عبد الناصر بمقالات عدة تحمل رسالته وأهداف الثورة وتبين منهجه فى التفكير ودستوره فى العمل وعشقه لمصر ولوطنه العربى وكيف كانت أحلامه وأمانيه فى وطن يسوده العدل والخير وخص المصور بأحاديث تاريخية وكان حوار الكاتب الكبير فكرى أباظة مع جمال عبد الناصر فى مجلة المصور بتاريخ ٢٤/١٢/١٩٥٤ خير دليل على ذالك وكان عنواناً مع جمال عبد الناصر جيشنا جيش الثورة حدث هام فى تاريخ الصحافة فيقول فى حديثه :


أنا أعلم مكانة الصحافة وقدرها عندى ولن أوصد دون واجبها بابا ..


ويقول الكاتب الكبير فكرى باشا أباظة فى حواره مع جمال


إن جمال عبد الناصر ظل لغزا لمدة ثلاث سنوات حتى استطاع أن يحل هذا اللغز ويكشف رموزه وطلاسمه بعد اتصال وحديث متواصل من يوم أن قامت الثورة


ويؤكد أنه ليس عجبا أن يكون هذا الرجل لغزا ألم يعمل عدة سنوات فى صفوف الجبش منقبا باحثا دارسا فى صمت وصبر عنيف وسكون عجيب كما يفعل الباحثون عن الآثار حتى إذا استوى بحثه ونضج رفع الحجاب عن الثورة الخطيرة


وأعلنها و فجاء بها الناس


ويحتاج الباحث وراء هذا اللغز إلى بعض هذا الوقت الطويل لترجمة هذا الطلسم ومعرفة حقيقته ويصف الكاتب بأن أحاديث جمال كانت صريحة ومتواضعة ويقبل النقد عن سعة صدر إن كان صادقا بريئا فتكلم معه عن الديكتاتورية فقال جمال أنا لا أصلح ديكتاتوريا، وناقش معه قضية الإقطاع والإقطاعيين والإحزاب وكانت من القضايا الحساسة فى بداية الثورة ولكن الحدث كان جريئا ومهما فى ذالك الوقت والحوار الآخر كان بتاريخ وبعنوان ( ساعتان مع الرئيس جمال عبد الناصر ) ١٨/١١/١٩٥٥


حديث ذو شجون أتاح لفكرى أباظة أن يقترب من الرئيس أكثر وأن ينشر على لسانه أنه سيصدر إعلاناً دستورياً فى يناير ١٩٥٦ إن لم يكن قبل ذلك وبعد الإعلان الدستورى ستتخذ الإجراءات اللازمة لتشكيل البرلمان المنتظر


وكان هذا الحديث بمناسبة عرض التقرير الصحفى الذى أعده فكرى أباظة بعد عودته من سويسرا حيث كان متابعا لمؤتمر وزراء الخارجية بجنيف، وفى فرنسا حيث كانت تدور مفاوضات المشكلة المراكشية، وفى لندن حيث كانت النار مشتعلة بسبب صفقة الأسلحة، وفى دبلن حيث توافرت أوجه الشبه بين مصر وبينها


وقرر أن يرفع تقريره إلى الرئيس عن كل هذا وقد حدد الرئيس موعدا برغم الأعباء الجسام التى ترهقه ليل نهار ويقول الكاتب : أغرانى أدبه الجم على التمادى والإمعان فلم أترك شاردة ولا واردة ولا جامحة ولا راكضة إلا واثرتها وحركتها، والرجل العجيب يتكلم ويقص بروحه الوطنية المصرية لا بروحه الرسمية الحكومية وشتان بين حديث روحى كله إفضاء وبين حديث رسمى كله أو بعضه إخفاء ,،


قلت لسيادته : كم يتمنى الصحفى أن يطلع بين الحين والحين على الاتجاهات العامة للدولة ليصحح اتجاهاته قال : إننا لا نخفى شيئا إلا عندما يجب الكتمان)


وشمل الحوار رأيه فى منظمة الدفاع عن الشرق الأوسط وفى الصلح مع إسرائيل


والاستيراد من بلاد الشيوعية والاستعمار والرأسمالية وأحقية عودة الفلسطنيين إلى أراضيهم واسترداد أملاكهم وأن يعوضوا وشمل أيضا قضية السودان ...


وأغلفة المصور التى تروى حكايات لها تاريخ بل هى ذاكرة الوطن على امتداد الزمن


فهناك غلاف بتاريخ ٣ ديسمبر ١٩٥٤ و عليه صورة نادرة لجمال عبد الناصر يقرأ كتابا ورأت المصور أن تقدم ماذا يقرأ جمال؟


ما النبع الذى يستقى منه موارد العزة والكرامة التى تروى ظمأ الشعب يوما بعد يوم وكيف هيّأ لنفسه ذلك المحصول الأدبى الذى يتجلى فى خطبه وأحاديثه؟


وكان أول كتاب طالعه وترك أثرا عميقا فى نفسه هو ( عودة الروح ) للأديب والمفكر الكبير توفيق الحكيم، وقد حرّك فى وجدانه ذلك الحوار العميق الذى سجّل فيه المؤلف يقظة الشعب المصرى عام ١٩١٩ ووجد فى عباراته الثائرة صدى بعيدا فى أغوار نفسه فأحب الكتاب وقدّر مؤلفه وزاد تقديره له عندما تُرجمت ( عودة الروح ) إلى مختلف لغات العالم وسجلت لمصر طابعا أدبيا مميزا وصورة الغلاف لعبد الناصر وهويقرأ (عودة الروح)


وفتن عبد الناصر وهو طالب فى مدرسة النهضة الثانوية بأسلوب عميد الأدب العربى د . طه حسين عندما طالع كتاب ( الأيام ) واحترم تلك الإرادة الحديدية الجبارة التى وضعها المؤلف فى بطل الأيام


و”مصر تهنئ نفسها” عنوان يجسد فرحة المصريين بعد أن كتب جمال عبد الناصر وصحبه الأبطال السطر الأخير فى كتاب الجلاء


بعد اثنين وسبعين سنة من الاحتلال ومن الجهاد والتضحية فى سبيل الحرية أذِنَ الله لمصر أن تتخلص من القيد الأخير ونزلت هذه الاتفاقية بردا وسلاما على أرواح الشهداء الذين حرروها بدمائهم الذكية، إنها اتفاقية الجلاء ووقع على الوثيقة من الجانب المصرى جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر وقائد الجناح عبد اللطيف البغدادى وصلاح سالم ود. محمود فوزى، ووقع من الجانب البريطانى مستر انتونى ناتنج وهو الوزير الذى كان مقربا من رئيس الوزراء البريطانى انتونى ايدن لكنه استقال بعدها بشهور قليلة احتجاجا على العدوان الثلاثى على مصر والسير رالف ستفنسون وميجور جنرال بنسون عدد المصور بتاريخ ٢٤ أكتوبر ١٩٥٤


وبمعاهدة الجلاء تنتهى معاهدة ٣٦ المجحفة التى سجلت لأول مرة اعترافا صريحا من الشعب المصرى ممثلا فى نوابه وشيوخه الذين أقروا المعاهدة اعترافا واضحا بقبول الاحتلال وكنا قبل ذلك نملأ الدنيا زئيرا بأن هذا الاحتلال عملُ عدوانى غير مشروع، وباتفاقية الجلاء ننتقل من حال إلى حال وأغلفة المصور سبّاقة فى تسجيل تلك الأحداث الجسام فى تاريخ الوطن ومنها توثيق خروج آخر فوج من العساكر الإنجليز الذين كانوا فى مبنى البحرية فى بور سعيد على الباخرة البريطانية “ايفان جب” ورفع الزعيم جمال عبد الناصر علم مصر على مبنى البحرية فى ١٨ يونيه ١٩٥٦ ليتوافق مع يوم إعلان الجمهورية فى ١٨ يونيه ١٩٥٣ ويعتبر يوم الجلاء من أهم الاعياد القومية وكانت جموع المواطنين تحتشد حول الاجتماع التاريخى وسط زعيمهم يأتى إليه من كل حدب وصوب للتهنئة بأكرم أعياد البلاد وفى الصورة التى نشرتها المصور بتاريخ ٢٢ أكتوبر ١٩٥٤ كان فى طليعة المهنئين فضيلة الشيخ عبد الرحمن تاج شيخ الجامع الأزهر الشريف.