يوم ما مات..!

22/07/2015 - 9:50:56

  جنازة ناصر فى عام ١٩٧٠ أكبر جنازات القرن العشرين جنازة ناصر فى عام ١٩٧٠ أكبر جنازات القرن العشرين

كتب - سليمان عبدالعظيم

الساعة لم تقترب بعد من السادسة مساء يوم ٢٨ سبتمبر ١٩٧٠.


واقف أنا فى طابور العيش أمام دكان عم عبدالعزيز المجنون الله يرحمه وبداخل جيب بيجامتى عشرة صاغ ورق أبيض وأسود.. كنا أكثر من ١٠ أشخاص كل واحد يقول بصوت عال يتكرر: “أنا جيت الأول.. خد يا عم عبدالعزيز.. أنا بقالى ساعة واقف.. “وعبدالعزيز راسه وألف سيف ما ياخد فلوس من حد إلا لما نعمل طابور.. ويصرخ فى وجوهنا: مفيش عيش عندى.. مفيش عيش!..


الـ ٢٠ رغيفاً كانوا لزوم العشاء.. أبويا وأمى واخواتى الثمانية.. ومعانا كمان جدتى طاهرة يعقوب القادمة من قريتنا توشكى شرق بالنوبة فى إجازة لعدة أشهر.


بمجرد أن دقت الساعة السادسة سمع كل من كان واقفاً أمام دكان عبدالعزيز المجنون صوتاً يصرخ بشدة: «عبدالناصر مات.. مش ممكن».. وعندما التفتنا ناحية مصدر الصوت شاهدنا صاحبه وهو باكياً بيخبط راسه فى حيطة البلوك اللى أمام الدكان حتى سالت الدماء من رأسه غزيرة.


بسرعة انتقل الجميع إلى حيث كان مصدر هذا الصراخ الباكى المدوى.. «عرفة الأسمر» كما أحب أن أناديه والأسود كما كانوا ينادونه.. حارس المرمى الأكروباتى الذى سبق الكابتن «حسن علي» حارس مرمى مصر والترسانة فى حركاته وأكروباته.


فى لحظات قصيرة.. كبرت الدائرة حول عرفة.. انضم إلينا الكابتن نجاح الخضرى الشقيق الأكبر للفنان اللمبى محمد سعد ومعه أشقاؤه ليدو ومصطفى وكامل.. وفى دقائق عشناها دهراً من الزمن أخذ الكل يتجمع نزلوا من البيوت وعلى طرف لسانهم سؤال واحد لم ينطقوه: عبدالناصر مات.. هانعمل إيه؟!.


لحظة عصيبة للغاية عاشها كاتب هذه السطور ابن السابعة عشر الذى منذ أن خرج من بطن أمه لا يعرف رئيساً لمصر سوى جمال عبدالناصر.. وها هو الرئيس، فجأة، قد مات.


لم يسأل أحد هانعمل إيه؟.. أغلبنا لم يصدق الخبر.. كنا وكانت مصر بل والوطن العربى كله فى وضع حساس لا نتقبل فيه فكرة غياب الزعيم عن الساحة، عن الحياة.. ياما دقت على راس عبدالناصر طبول.. لكن هذه المرة كانت مختلفة.. تماماً فقد انتقل جمال عبدالناصر إلى الرفيق الأعلى وبقيت رأسه شامخة تنظر إلى خالقها.. وسكتت الطبول.


لحظات صعبة غير متوقعة مرت.. دقائق عدت وتأكدنا من خلال تركيز الراديو والتليفزيون على بث تلاوة القرآن الكريم فى كل المحطات دون استثناء أن الخبر صحيح.


يا سبحان الله.. لقد كان الزعيم الخالد فى عصر يوم مات يودع أمير الكويت فى المطار عندما شعر بوعكة صحية فطلب من مساعديه الأقربين إليه أن ينقلوه بسرعة إلى بيته بمنشية البكرى.. كان أمير الكويت آخر الملوك والرؤساء والزعماء العرب الذين لبوا دعوة الزعيم لمؤتمر قمة عربى لإنقاذ الفلسطينيين من مذبحة أيلول الأسود فى الأردن.


أعود إلى الميدان.. ميدان مساكن زينهم حيث اكتظ بمئات من كل الأعمار تجمعوا بعد صراخ ودماء عرفة الأسمر.. ظهر أمامى صديقى إسماعيل عفيفى الله يرحمه.. كان أيضاً يبكى ويلطم على وجهه.. وجدت نفسى أجرى معه بالشبشب والبيجامة على مطلع زينهم ..إلى شارع زين العابدين.. إلى ميدان السيدة زينب.. لم أسأل أحدا من أمامى وخلفى على فين رايحين؟.


من ميدان زينهم إلى ميدان السيدة أصبح المئات أكثر.. ألوفاً مؤلفة.. لم يعد عرفة هو الباكى الوحيد.. الآلاف كانوا يبكون.. عبدالناصر مات!.. نسيت أن أقول حتى عم عبدالعزيز قفل الدكان.. هو فيه حد بعد هذا الخبر الصاعق هايشترى عيش.. أخد “الغلة” وسابنا عند شارع زين العابدين يسلم المعلم عثمان حفنى صاحب مخابز العيش المشهور حصيلة البيع من الصباح.. سلمها بسرعة وحصلنا جرى على ميدان السيدة.. حتى عم عبدالعزيز كان حاسس بالمصيبة الكبرى.. أن الريس جمال.. مات!.


من ميدان السيدة ركبنا التروماى.. البريزة الورق مازالت فى جيب البيجامة.. التروماى طلع بينا ببلاش.. شق بسرعة طريقه المعتاد فى شارع بورسعيد على باب الشعرية.. الكمسارى كان بيعيط.. البريزة زى ما هيه.. مفيش تذاكر.. هو ده وقت تذاكر.. الكل أصبح واحدا.. كلنا بنعيط ونعيط: سايبنا ليه ولمين يا ريس؟.


من باب الشعرية أخدناها مشى على العباسية عدل.. زحام ما بعده زحام لم تره عيناى من قبل.. مئات الآلاف فى العباسية وكلهم متجهون إلى منشية البكرى حيث بيت الزعيم.. مئات الآلاف التى رأيتها وعمرى ١٧ سنة أصبحت وعمرى ستين عشرات الملايين فى ثورة ٣٠ يونيه ألفين وثلاثة عشر لما خلعنا مرسى والإخوان الملاعين اللى حاولوا قتل عبدالناصر مرتين فى حادثة المنيشة ١٩٥٤ وفى١٩٦٥.


عند بيت عبدالناصر وقفت مع مئات الآلاف.. أمام متاريس الشرطة العسكرية الموجودة.. قرب البيت دار حوار فريد وغريب لم أنسه ولن أنساه.


كان أمامى شيخ أزهرى يبكى وهو يسأل جندى الشرطة العسكرية: هو صحيح الريس مات؟!.. الشيخ يسأل ولا ينتظر إجابة من الجندى.. دموع الجندى أجابت عن سؤال الشيخ.. الشيخ يقول: لا.. الريس ما ماتش.. والجندى يرد: لا الريس ما ماتش!.. تكرر سؤال الشيخ ورد الجندى ثلاث أو أربع مرات ألم أقل لكم إنه حوار غريب.. لا أحد فى بر مصر كلها يريد فى تلك اللحظة تصديق أن الريس مات.. المفاجأة ألجمت الملايين الباكية.. عبدالناصر لم يمت.. عبدالناصر - استغفر الله العظيم - لن يموت!.


الساعة الآن فجر يوم ٢٩ سبتمبر.. مازلنا أمام بيت عبدالناصر.. صلى صلاة الفجر من صلى.. ومن أجل أن ينفض هذا الحشد الجارف حول البيت سرت فجأة شائعة أن جثمان الرئيس ليس فى البيت.. نقلوه بالهليوكبتر إلى ميدان التحرير حيث مسجد عمر مكرم.. قال بعض من الواقفين: أيوه الجثمان خرجوه.. والهليوكبتر طارت به إلى التحرير.


لا أدرى كيف مشيت مع الآلاف المؤلفة من بيت الزعيم بمنشية البكرى إلى ميدان التحرير.. مشوار طويل لكنه ليس صعباً على شاب فى السابعة عشر.. الحمد لله أن الشبشب الزنوبة لم ينقطع بعد.


قبل وصولنا إلى ميدان التحرير تذكرت المرة الوحيدة التى رأيت فيها الزعيم الخالد.. حدث هذا فى عام١٩٦٩ .. كنت عائداً من مباراة كرة فازت فيها أسرة الحرية بقيادة الكابتن حمدى شميس على فريق مدرسة النقراشى النموذجية على ملعبه.. فجأة الكابتن حمدى شميس قال: الريس الريس.. بالفعل كان الزعيم فى طريق عودته إلى بيته.. كنا نقف على الرصيف عندما حيانا عبدالناصر وشاور لنا بيديه مبتسماً وهو جالس فى السيارة وزجاجها الخلفى مفتوح.. كانت لحظة بالفعل أظن أن أحدا لم ينسها من فريق أسرة الحرية.


فى ميدان التحرير كان هناك مئات الألوف.. دموع الناس سالت فى هذا الميدان حزناً على فراق أبوخالد نوارة بلدى.. جاءوا لا أعلم كيف من كل المحافظات القريبة.


جلست مع ناس وبشر لا أعرفهم.. ضاع منى إسماعيل عفيفى.. أمام فندق الهيلتون.. يا سبحان مغير الأحوال.. جمع عبدالناصر كل الملوك والرؤساء العرب فى الهيلتون لإنقاذ منظمة التحرير الفلسطينية وياسر عرفات من مذبحة أيلول الأسود.. جاءوا ملبين وغادروا كل إلى بلاده.. وغادر الزعيم الحياة بعد أن أنقذ الفلسطينيين من أيام عصيبة عاشوها فى معارك ومذابح أيلول الأسود.


المشوار من بيت الزعيم وحتى ميدان التحرير استغرق ساعة من المشى والجرى.. والدموع.. عند الهيلتون من ناحية الكورنيش جلسنا.. نمنا حتى السابعة.. أيقظنا الذباب والنحيب.. واحد خواجة جلس فى بلكونة غرفته ومد رجليه خارج البلكونة.. فى وشنا.. ثرنا عليه وشاورنا بأيدينا.. ساب البلكونة ودخل غرفته.


أغرب ما عرفته أننى عندما كنت ذات يوم بعيد أحكى ما عشته وعايشته ليلة رحيل الزعيم أوقفنى صديق عمرى ربيع أبوالخير عن الحكي: أنت كنت قاعد ولا نايم فى المكان الفلاني دة؟.. أيوه.. يعنى كنا قاعدين ونايمين جنب بعض.. شوف الدنيا صغيرة إزاى!.. ده حصل سنة سبعين وربيع عرفته سنة سبعة وسبعين!.


مساء ٢٩ سبتمبر عدت إلى البيت.. مفيش عيش لكن البريزة مازالت فى جيبى.. أكلت إزاى وشربت إزاى.. لم أستطع إجابة سؤال أمى فاطمة كمبال..الله يرحمها سألتنى ولم تنتظر إجابة.. وراحت تعيط وأنا أعيط وكلنا فى شقة زينهم نعيط.


ده هو اللى حصل لى يوم ما الرئيس جمال مات.. كنت أنتظر توبيخاً وقلماً من أبى على وجهى بسبب عودتى إلى البيت تانى يوم لكن المفاجأة أن أبويا الحاج عبدالعظيم ألف رحمة ونور عليه ضمنى إلى حضنه بشدة وهو يبكى قائلاً: ما تعملش كده تانى.؟