عندما تقمص عبد الحليم شخصية عبدالناصر

22/07/2015 - 9:44:58

كتب - طارق سعدالدين

مصادفة ربطت بين عبد الحليم والعهد الجديد, تفاءل بهذه المصادفة وربما تشبث بها ليتحول من مجرد مطرب عادي إلى شيء أكبر وأعظم وأخلد, اختاره وجيه أباظة مدير الشئون العامة بالقوات المسلحة الذى يشرف على احتفالات عيد الثورة الأول في يوليو ١٩٥٣ بعدما استمع إلى صوته, خاف عبد الحليم لأن كل نجوم الحفلة من الوزن الثقيل, وكان إخفاقه في حفل الإسكندرية حيث هاجمه الجمهور ومطالبته بنزوله من على المسرح ليس ببعيد, ولكن القدر يتدخل ليدخل قدراً من التفاؤل إلى نفسه, ففي نشرة الساعة الحادية عشرة من مساء يوم الحفلة وقبل ظهوره بساعة على المسرح يذاع نبأ إلغاء الملكية وإعلان الجمهورية, ويعلن مذيع الحفل الداخلي النبأ فتنطلق موجة عارمة من الفرح والتصفيق بين الجمهور وعندما يحين موعد ظهوره على المسرح يقدمه يوسف وهبي قائلاً: “مع إعلان ميلاد الجمهورية نعلن ميلاد مطرب جديد هو عبد الحليم حافظ”, ويغني عبد الحليم (صافيني مرة) وتكون المفاجأة هى تصفيق الجمهور تصفيقًا شديدًا له مما كان يعني له شهادة ميلاده الفنية .


وعندما بدأ نجم جمال عبد الناصر يعلو كزعيم بدأ ارتباط عبد الحليم حافظ به على المستويين الفني والشخصي, على المستوى الفني كانت البداية بأغنية “إحنا الشعب” والتي كان نجاحها دافعًا قويًا لكي يستمر عبد الحليم في تقديم الأغنيات الوطنية وعلى تقديم أغنية وطنية جديدة كل عام, جاء الارتباط الشديد بين الثورة وزعيمها والمطرب عام ١٩٥٦ عندما غنى عبد الحليم “يا أهلا بالمعارك” من تأليف صلاح جاهين وألحان كمال الطويل والتي صادفت نجاحًا فاق كل تصور, ثم أغنية “ذكريات” تأليف أحمد شفيق كامل وألحان محمد عبد الوهاب, وفيها صور أيام الاحتلال البريطاني لمصر وتصادف أن أصيب عبد الحليم في نفس العام بنزيف وكان من الضروري علاجه في لندن فسافر إلى سويسرا ومنها حاول الحصول على تأشيرة دخول إلى انجلترا فأفهمه الموظف المسئول بالسفارة أنه على القوائم السوداء لأنه يسب بريطانيا في أغانيه كما يسبها زعيمه عبد الناصر في خطبه , وأرادت بريطانيا أن تحاربه فأعلنت إذاعة الـ “بي بي سي” نبأ وفاته في صدر نشرات أخبارها قبل أن يصل إلى فندقه في سويسرا وانقلبت الدنيا في مصر والوطن العربي وسويسرا وأخذت الوفود تتجه إلى مقر إقامته لتلقي عليه نظرة الوداع, والخارجية المصرية تستفسر من سفارتها في “زيورخ” لتبلغ عبد الناصر أن الخبر مجرد شائعة, لكن صحفياً بريطانياً يتبنى قضية عبد الحليم ويثير الرأي العام العالمي لأن الرجل يريد العلاج، وكانت الصحف البريطانية تسمى عبد الحليم “سيناترا السويس” اعترافًا بدوره الكبير في حرب السويس وأمام الضغوط ترسل بريطانيا مندوبا من سفارتها بسويسرا يخبر عبد الحليم بموافقة الحكومة على دخوله بريطانيا للعلاج, وبعد ذلك أصبح عبد الحليم حافظ رسميًا هو مطرب الثورة الذي يسجل إنجازاتها الكبرى والذي يبسط شعاراتها للناس.


الزعيم أحب حليم


والواقع أن علاقة عبد الحليم بالثورة ورجالها كانت ترجع إلى ما قبل الثورة, يقول عبد الحليم حافظ في مذكراته لإيريس نظمي: “كنت أعرف صلاح سالم وإخوته خاصة يحيى ضابط البوليس قبل قيام الثورة, ولم تنقطع الصلة بيننا بعدها, وذات يوم فوجئت بالصاغ صلاح سالم يقول لي سأقدمك للرئيس عبد الناصر, ووجدت نفسي أمام الرئيس عبد الناصر الذي ابتسم في وجهي بود حقيقي وهو يقول لي” احنا بنعتبرك ظهرت مع الثورة”.


ويقول عبد الحليم : كنت أشعر أن الرئيس عبد الناصر يحبني فعلا وقد تأكد حبه لي في أكثر من موقف, حدث عندما وضعت الرقابة على التليفونات أنني عرفت أن تليفوني أيضًا من بين التليفونات التي وضعت عليها المراقبة وقد سبب لي ذلك نوعا من الضيق والانزعاج، لكن الرئيس أمر فورًا برفع الرقابة عن تليفوني, كنت أشعر أن صلاح نصر مدير المخابرات يحاول أن يستغلني ويورطني في عمل غير مشروع وأنا فنان عملي الوحيد هو الفن أغني لبلدي وللناس، ولا أحب إطلاقًا أن تكون لي علاقة بأجهزة صلاح نصر, وعندما عرف الرئيس هذه المخاوف والشكوك التي تساورني أنقذني منها وبدأت أشعر بالأمان, موقف ثالث أكد حب الرئيس جمال عبد الناصر لي فعندما أثير موضوع الضرائب المستحقة عن أجور ومكاسب الفنانين, اختارني أنا والأستاذ عبد الوهاب فقط لكي يناقشنا ويسمع آراءنا, ولم يتكلم الأستاذ عبد الوهاب كثيرًا في هذا اللقاء وتوليت أنا شرح موضوع الضرائب ومطالبنا وتحفظاتنا. . كان الرئيس جمال عبد الناصر دائم السؤال عن حالتي الصحية وكان يناديني دائما (عامل إيه يا حليم) , (إن شاء الله تكون مبسوط) (يا حليم صحتك كويسة) .. حتى في المسائل الشخصية التي تشغلني دائما كنت أحس أنني قريب منه, وفي حفلات زواج بناته كنت دائما أول الحاضرين”.


غير أن عبد الحليم يعتبر أن أكبر تكريم له في حياته هو موقف الرئيس عبد الناصر منه عندما عملت أم كلثوم في أحد أعياد الثورة على ألا يغني بين وصلتيها كما تعود حتى يغني متأخرًا بعدما ينصرف الناس, ولما علم الرئيس أرسل سكرتيره محمد أحمد ليقول له إن الرئيس يطلب اشتراكه في حفل ٢٦ يوليو في الإسكندرية وهو ما اعتبره رد اعتبار له وتكريمًا من الرئيس في شخصه.


تقمص شخصية الرئيس


في عام ١٩٥٩ كان عبد الناصر قد أطلق شعار مجانية التعليم وأصبح من حق أبناء الفقراء دخول الجامعة بعدما كانت محرمة عليهم, صور عبد الحليم المسألة في صورة درامية بالغة الجمال والتأثير في كلمات لمرسي جميل عزيز وألحان كمال الطويل هى أغنية (ذات ليلة), وقد غناها عبد الحليم في حفل أقيم لصالح طلبة الجامعات قال فيها: ذات ليلة/ هبت الريح هزت في عناء بابي / وأطفأت مصباحي / لم أجد نارًا لديّ/ لم أجد في البيت شيء / غير أم هي لا تملك إلا الدعوات / وأب لم يبق غيرى للسنين الباقيات / والنهايات السعيدة أصبحت عني بعيدة / دقت الباب قلوب طيبة / قالت انهض وتقدم لا تبالي / بالليالي وتصاريف الليالي / سوف نحمو عن لياليك الحزن/ سوف ننبو بك من كيد الزمن/ قم فباب العلم رحب في انتظارك/ قم وشارك وابن بالعلم الوطن/ قلت من أين أتى هذا الشعاع/ قال الإهداء من قلب شجاع/ إنه جد جمال / إنه قلب جمال.


في عام ١٩٦٠ وفي احتفالات وضع حجر الأساس للسد العالي بكل ما كان يمثله من رمز للصمود والتحدي والإرادة المصرية يغني عبد الحليم (ملحمة السد العالي) من كلمات أحمد شفيق كامل وألحان كمال الطويل والتي تبدأ بالكورس يغنون: قلنا حنبني وأدى احنا بنينا السد العالي/يا استعمار بنيناه بأيدينا السد العالي


في إشارة واضحة لكيد العزال بالمفهوم الشعبي المصري ويدخل صوت عبد الحليم على الكورس إخواني .. ويكرر النداء حتى يقف صوت الكورس كما كان يفعل عبد الناصر في بدء خطاباته ليوقف هتافات الجماهير الصاخبة .. ويقول عبد الحليم متقمصا شخصية عبد الناصر .. الحكاية مش حكاية السد .. حكاية الكفاح اللي ورا السد .. حكايتنا إحنا .. هي حكاية حرب وتار بينا وبين الاستعمار.


تبسيط المفاهيم السياسية


في عام ١٩٦٣ كانت القرارات الاشتراكية قد صدرت منذ عامين وبدأت تحقق نتائجها من توزيع الثروة على القاعدة العريضة من الشعب, وكان إحساسًا عامًا بالزهو والفرح والنشوة يسود الجميع فالبلد أصبح دولة بكل معاني الكلمة فيه صناعات حديثة خفيفة وثقيلة , فيه استصلاح واستزراع أراض جديدة والأرض القديمة وزعت على صغار الفلاحين , وسط هذا الجو وفي احتفال عيد الثورة الذي حضره جمال عبد الناصر وباقي أعضاء مجلس قيادة الثورة يغني عبد الحليم كلمات صلاح جاهين وألحان كمال الطويل “المسئولية” ويقول:


ريسنا فلاح ومعدينا ../ عامل وفلاح من أهالينا ..


ومنا فينا الموج والمركب../ والصحبة والريس والزينة ../ أحلف بقرآني وإنجيلي../ بهدف عظيم دائما يناديلي .. وتلتهب الجماهير وهو يشير إلى جمال عبد الناصر ويقول: أحلف بكل صبي وصبيه../ بعيونهم الحلوة العربية ../ وبجمال وجرح قديم في جبينه../ أحلف وأعاهد أعيش مجاهد../ والرب شاهد إني أمين ع المسئولية.


في عام ١٩٦٤ يغني عبد الحليم كلمات صلاح جاهين وألحان محمد الموجي( بستان الاشتراكية)..


ويفسر فيها معنى الاشتراكية التي كادت تصبح لغزًا مستعصيًا على الفهم من كثرة ما كتب فيها المتخصصون وغير المتخصصين محاولين تفسيرها ويقول:


ما فيش أنا فيه إحنا يا صاحبي ..


أنا وأنت .. وأنت وهو وهيه ..


علينا نعمل الاشتراكية ..


من كلمة حلوة .. للقمة حلوة .. وبيت وكسوة وناس عايشين .. أدى القضية.


وتجيء الهزيمة في عام ١٩٦٧ وتذهب الأحلام الوردية لتبدأ مرحلة رفض الهزيمة والتمسك بالزعيم ومحاولة إزالة آثارها ويدرك عبد الحليم دوره في هذه المرحلة فيغني متمسكا بالزعيم, ناصر يا حرية .. ناصر يا وطنية .. يا روح الأمة العربية يا ناصر.


ويغني “من قلب المواكب” .. “البندقية اتكلمت” .. “ابنك يقولك يا بطل” “وعدى النهار” التي قيل إن عبد الناصر كان يسأل إذا لم يسمعها في الإذاعة, وأصبحت أصدق أغنية معبرة عن شعور المصريين بالهزيمة ورفضها, ويغني عبد الحليم “أحلف بسماها” والتي جعلها قسما يردده في كل حفلاته العامة والخاصة قبل أى غناء عاطفي وحتى نصر أكتوبر.