الاستغناء

17/07/2014 - 10:57:50

صافيناز كاظم صافيناز كاظم

يقلم : صافيناز كاظم

أدخل عامي الـ 77 في 17 أغسطس إن شاء الله، أحمل ذكريات من زمن الملك فاروق وعبد الناصر وخلافه؛ حين كان "الاستغناء" قيمة عُليا نتعلمها في البيت وفي المدرسة  بمادة ندرسها عمليا اسمها "التدبير"! لم يكن في الحسبان شيء اسمه "الضروري" الذي لابد من توفره، الموجود خير ونعمة نحمد الله عليه، ولا زلت أذكر من طفولتي في الأربعينيات أن البيت المصري كان يحذّر من السفاهة و "الشبرقة" ومن الإهدار، فالأشياء يجب أن تستغل بكل إمكانياتها قبل التخلص منها، ليس عن بخل أو شح ولكن عن تقدير للموازنة بين الدخل والمصروف.


 في الزمن الملكي كان هناك الثراء الفاحش تتمتع به أقلية، لكن غالبية الناس مابين الطبقة المتوسطة والأدنى منها محكومة بمرتبات التوظف في الحكومة التي كانت تفرض على البيت المصري جدولة الأولويات: مأكل، ملبس، صحة، تعليم، مواصلات؛ ومن أجل تحقيق كل هذه التحديات بكرامة من دون مشاعر حرمان كانت التوصية الدائمة هي "ولا تبسطها كل البسط"!


في العهد الناصري كان "التقشف" سياسة فرضتها ظروف استثنائية و لم يضق بها الشعب الذي كانت تستغرقه الطاقة الثورية المستمدة من تأييده 23 يوليو 1952، وكان السباق للفداء!


تمثلت سياسة التقشف في منع الدولة استيراد ما تم الاتفاق على كونه "مش ضروري بالمرّة"، وتضمن ذلك "ياميش رمضان"، والتفاح و الكريز والكمثرى، وحمدنا الله على البرتقال واليوسفي والبطيخ والشمام وقلنا "أحلى حاجة"! لم نفتقد التفاح لأن الغالبية لم تكن قد عرفته، وكنا نسمع من كبار السن عن أشياء لم نعرفها مثل فاكهة "الوشنة" وسمك "الرنجة"! أما ما استحق افتقاده بحق فكان "الفلفل الأسود"، أحد المكونات الرئيسية التي لا يستغني عنها المطبخ المصري؛ ومع ذلك تم الاستغناء عنه بفلسفة "ده حتى ضار بالصحة"! ولم يتنبه أحد إلى اختفاء "اللب" وكان في بذر البطيخ الكفاية وفوق الكفاية!


طبعا في زمن التقشف لم تكن هناك تلك الإعلانات الإجرامية يقذفها التليفزيون بفضائيات لا ترعى في فقير أو محروم شفقة أو رحمة تحض على الشراهة بأنواع المأكولات الراقصة بين المقرمش والمحمص والمشطط و"الذي منُه"، بل كان طقسا عاما شاملا الجميع، يقمع "الفجعة" والنزعة الاستهلاكية بيد من مساواة وعدل (ولو كده وكده)!