أدب الشيك شاك شوك

20/07/2015 - 10:10:29

بيتهوفن بيتهوفن

أثير صفا - كاتبة فلسطينية

    الشيك شاك شوك هو الإيقاع، الوتيرة، الريتم الذي يُرقّصنا جميعًا. الإيقاع الذي يعتمد على رد فعل انفعالي أولي، ويكتفي بذلك، ليتوقف عند الحاسة السمعية، دون إثراء التجربة الإنسانية الروحية أو الفكرية، وهي تجربة ذات أبعاد متعددة على نسق تركيبيّتنا كبشر. إيقاع يقف عند السطح، دون التغلغل في أي عمق ولا ملامسة أي جوهر. لا نستطيع مثلاً تخيّل أم كلثوم تغني "ما تسيب يا حبيبي الراك والروك، وتعال نرقص بلدي، ده البلدي.. بالقلب بيشُك"، وذلك لأن لأم كلثوم صورة ذهنية لا تهتز على الطبلة، وحقل دلالي لا يحتمل الشكشكات.


    تُسبغ الأبعاد على الدالّ مدلولات كالأصالة والمعنى والقيمية والرمزية والفردانية، وتنفي كون علاقة العقل بالواقع مباشرة وبسيطة، كما تنفي سلبية العقل، هذا بالطبع دون الانتقاص من ماهية وأهمية الخطاب الشيك شاك شوكي. لا مجال للمقارنة بين الخطابين فهما على طرفي نقيض من المحور ذاته، وفي النهاية ما يجمع بين هزّة الوسط والهزّة الأرضية هي الهّزة.


    ثقافة الشيك شاك شوك هي ثقافة الكيتش، أو ما يسمى بالخردة الفنية، والمنظور هنا ليس استعلائيا بقدر ما هو تصنيفي. الكيتش مصطلح بدأ تداوله بين تجار الفن في ميونيخ بعد منتصف القرن التاسع عشر للإشارة إلى القطع الفنيّة الرخيصة. تنتمي هذه القطع إلى الفن من حيث الإطار والعنوان الذي تندرج تحته، ولكنها – مقارنةً بالقطع الأصلية- تفتقد إلى الأبعاد الضاربة في العمق: التاريخ، الزمن، النفس البشرية، الفلسفة، الثقافة، العقيدة والأيديولوجيا، والتعبير عن منظومة حضارية كاملة. فهذه القطع تحيطنا علما بماضٍ لم نشهده وإنما استدللنا عليه من خلالها، لأنها – ببساطة - مركّبة وحمّالة للدلالات. تنضوي القطعة الفنية الأصلية على أبعاد تفوق شيئيّتها الشكلية، ولذلك فهي باهظة الثمن، والباهظ غير متاح للجميع ويقتصر على النخبة، ولذلك بين النخبويين تُجرى المزادات. يمكننا إذن أن نقول إن الكيتش هو فن الفقراء، وقد يكون الفقر الأنكى فكريا قبل أن يكون ماديا، سواء كان طارئا أم مرحليا أم مستديما، ابتداء بأولئك الذين لا تلفت أنظارهم العيون الضيقة لنساء موديلياني، أو العيون الجاحظة لآكلي البطاطا عند فان جوخ، وانتهاء بعجزهم عن شرائها.


    تولّد الكيتش "المادي" عن الآلة، فبعد الثورة الصناعية صار ممكنًا للفن أن يكون في متناول الجميع، الفن الذي يُكال بالكمية لا الكيفية. هذه المنالية، بالإضافة إلى أنها أتاحت للناس فنًا تقليديًا رخيصًا (والتغيير الحاصل هنا هو في الخامة والشكل الفني) كاستنساخ لوحة الموناليزا وطبعها على الملابس أو الدفاتر، فإنها كانت مبعثًا لاصطناع ذائقة فنية عامة، تلقى إقبالاً جمعيًا، وتُرضي أكبر عدد ممكن من الناس، وهذا ما تجيده العقلية الرأسمالية والثقافة الاستهلاكية، فهي لم تكتفِ فقط بتصنيع الرموز الفنية وتطويعها لحاجة السوق وإنما وجدت كذلك بديلاً لها، بديلاً أكثر سهولة ومباشرة وأقل ثقلاً ورمزية، وهنا تغيّر المضمون الفني ليتولّد الكيتش "المعنوي"، وهو بديل فوري لا ثوري، مبتور التناص والإحالات، منقوص الأبعاد، لا يحتمل تعدد القراءات أو التأويلات أو يحثّ على التأمل، يخاطب المشاعر أو الغرائز بشكلٍ مباشر خالٍ من أي إعمال للعقل، خفيف حد الابتذال. ولأن ثقافة جمهور الكيتش لا تسمح له بالتقاط تفاصيل التشكيل الفني للعمل الفني، أو بمعنى أصح هو جمهور تنقصه الحساسية الجمالية التي تؤهله للتوقف عند التفاصيل، فإن المادة الوحيدة المتاحة لإدراكه هي الثيمة أو الموضوع والذي يعتمد على ردّة فعل عاطفيّة تلقائيّة، ولهذا السبب تمامًا لم يخلُ بيت من لوحة الطفل الباكي لجيوفاني براغولين ما بين سبعينيات وتسعينيات القرن العشرين.


    ومع المدّ الصناعي، وتسارع الضرب، وتدفّق المُنتج سقطت الخصوصية، وحين تسقط الخصوصية يسقط الفن. تطغى ثقافة الاستهلاك على القيمية وتقضي عليها؛ والفن قيمة. نحن لا ندّعي هنا أن الكيتش يعبّر عن فساد الذائقة العامة، وإنما يعبّر عن الذائقة العامة نفسها ولذلك له قاعدة شعبية عريضة، وقد صاغ الفيلسوف الألماني لودفيج فيورباخ ذلك بالكلمات التالية: "لا شك أن عصرنا يفضّل الصورة على الشيء، النسخة على الأصل، التمثيل على الواقع، والانعكاس على الموجود"، ويطوّر من بعده مارتن هايدجر هذه الفكرة بقوله: "الحدث المركزي في العصر الحديث هو احتلال العالم كصورة". من وجهة نظر هايدجر، فإن الوجود الأصيل يرتبط بالقلق، وقلائل هم الذين يختارون الأصالة، لأن باختيارهم لها يقبلون بمعايشة القلق والدخول في متاهاته، ولذلك ينزع العامة إلى ما يسمّيه الوجود الزائف أو المبتذل. ومن هنا قد نفهم سبب التماهي مع الكيتش الذي هو انعكاس لهذا الوجود الزائف، فالكيتش محاكاة: الورود البلاستيكية، الكليشيهات والخطابات الجاهزة ورصف الكلمات الموزونة، اللوحات الرخيصة التي نزيّن بها الجدران دون أي علاقة تربطها بالسياق، كمنظر طبيعي لشلالات نياجارا في محل للحلويات الشرقية. وهذا هو الحال مع كل الشيك شاك شوكيات التي لا تعني شيئًا في حقيقة الأمر، والمجرّدة من المعنى لعدم احتمالها المعنى، والتي لا تعبّر إلا عن حالة من الفراغ الوجداني والفكري، والحشو الاستهلاكي الفائض.


    إذن، اختلف الإيقاع، واختلفت الذائقة الاجتماعية الجمعية، فلم تعد المسألة جمالية ولا فنية، فالتراكمات الكيتشية لمئة عام جعلتنا نتقبّل أغنية مثل "وأنا وأنا وأنا.. وأنا أعمل إيه، وأنا وأنا وأنا وأنا وبإيدي إيه" لهشام عباس بروح رياضية. وهكذا، نحّت تسعينيات القرن العشرين الفن جانبًا بشكلٍ رسمي، أخذت الكيتش من الهامش، وأقحمته في المركز... وهوب! ... تربّع الكيتش.


    وأطلّت الثورة الفيسبوكية في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، لترسّخ مفهوم التسارع والدفق والتعاقب في الطَرْق على شاكلة مُصادم الهدرونات في "سيرن". والصورة الكيتشية التي تخاطب المشاعر باتت ظاهرةً في الفيسبوك. وكما تأثرت الصورة من التسارع تأثر النص. صار قوامه: القِصر، المباشرة، والاتكاء على التأثير العاطفي. وبحكم قسريات الزمن يتأثر الكاتب والقارئ معًا من هذا التكنيك الذهني وهذا النمط في معالجة المعلومة واستيعابها، فالعقل البشري يحتكم للأنماط والمصفوفات (وهي الفكرة التي يطرحها فيلم الماتريكس، والمستوحاة من فلسفة جان بودريار التي يتناولها في كتابه "Simulacra and Simulation") كما يحتكم الجسد البيولوجي للقانونية الجينية. ليس في الأمر علة بأن ينعكس هذا الإيقاع الرتيب والمتوقع على النص ما بعد الحداثي، ولكن... على النص أن يشق طريقه إلى أبعاد أخرى تتعدى انعكاس السطور على شبكية العين. فالنص المتوقف عند أول مسطّح يصطدم به هو نص موازٍ للأغنية الصادرة عن طبلة والمتوقفة عند طبلة (الأذن). الأدب المتوقف عند مسطّح بلا تراكمات ولا طبقات ولا تداعيات ولا إسقاطات ولا أبعاد هو أدب الشيك شاك شوك.


    في فترة من حياته سكن بيتهوفن في غرفة على سطح منزل، وتأخر في دفع الإيجار، فكان يتسلل إلى غرفته، وفي مرة أمسك به المالك فسارع بيتهوفن إلى الغرفة. أخذ المالك يطرق على الباب، بينما بيتهوفن متسمّر في مكانه، فلا مناص الآن من الدفع أو الطرد خارج الغرفة وتسليمه للشرطة! أطرق بيتهوفن السمع ولاحظ أن المالك يطرق الباب على النحو التالي: 4 طرقات ثم يتوقف، ثم 4 طرقات متتالية أخرى ثم يتوقف. قفز بيتهوفن إلى البيانو ومع كل طرقة على الباب طرق هو الآخر طرقة على البيانو متماشيًا مع إيقاع الطارق: أربع نغمات ثم يتوقف، ثم أربعة أخرى ثم يتوقف، وهكذا... سُميّت السيمفونية الخامسة لبيتهوفن بـ "ضربات القدر".


    أخذ بيتهوفن فكرة الضربات على الباب، وهو فعلٌ فيه من السطحية ما فيه، وحوّلها إلى سيمفونية خالدة تعبّر مجازًا عن ضربات القدر، وهو مصطلح فيه من الميتافيزيقية والفلسفة والوجودية ما فيه. وهكذا على الأدب أن يكون: أن يُستوحى من السطحي لا أن يتوقف عنده، أن ينحسر عنه الكيتش ولا ينحصر فيه، أن يتخذ أبعادًا جديدة تليق بتركيبيّتنا ككائنات قوام وجودها غير مفهومٍ ضمنًا، ولا معطى ضمنًا، وأن يعتمد على التجريب لا الجاهز والمعلّب والمقولب، فالتجريب إيغال في المسارب لا طفو على السطح، والعمل الفني الحقيقي تجربة روحانية وجمالية ونفضة فكرية، أما أدب الشيك شاك شوك فيكتفي بشكّ القلب لا شقّه.