تجربتى مع الفيسبوك

20/07/2015 - 10:09:01

مارك زوكير بيرج مارك زوكير بيرج

خليل كلفت - كاتب ومترجم مصري

    وهو فى العشرين من عمره، قام مبرمج الكمبيوتر ورجل الأعمال فى مجال الإنترنت مارك زوكيربيرج وكان أبرز المؤسسين الخمسة للفيسبوك مع عدد من زملائه فى جامعة هارڤارد، بإطلاق موقع فيسبوك فى 4 فبراير 2004 أىْ منذ حوالى 11 عاما فقط. وسرعان ما تحوَّل الفيسبوك إلى أداة جبارة للتواصل الاجتماعى، بين مواقع أخرى، وانتشر من مقرِّه فى كاليفورنيا إلى كل مكان فى العالم، فتغيَّر العالم إذ دخل من باب واسع فى مرحلة جديدة للمعرفة ليس كفكر أو أيديولوچيا بل كأداة جبارة لنشر الفكر وكذلك اللافكر من تسليات ولُعَب وغير ذلك.


    وفى هذه الفترة المتناهية الصغر، إنْ جاز القول، تغيَّرنا كجماعات وأفراد، وصار الفيسبوك مصدرا رئيسيا ليس لمعرفتنا وحدها بل لحياتنا الاقصادية والاجتماعية كلها كذلك. ولهذا صار أيضا مصدر قلق شديد استبدَّ بأنظمة وحكومات الشرق والغرب فراحت تحظره أو تحظر الكثير من مواده، ربما بدون نجاح فى كثير من الحالات. وبالطبع فإن القاعدة الأساسية التى يقف عليها الفيسبوك، ولم يكن من الممكن إلا أن يقف عليها، تتمثل فى الإنترنت (شبكة شبكات الكمپيوتر أو الشبكة العنكبوتية) التى تربط البلايين من أجهزة الكمپيوتر بكمپيوتر بعيد (سيرڤر أو خادم) لتخزين وتوزيع كل هذه المعلومات أو المعارف عند طلب المستعمِل، وتتعدد السيرڤرات. ولم تقتصر الإنترنت على أن تحمل الفيسبوك وبقية شبكات التواصل الاجتماعى إلى مليارات المستعملين، بل ربطت مليارات البشر عبر العالم بخدمات البريد الإلكترونى بمختلف شركاته، وآلات البحث الجبارة، وموسوعات مختلف المعارف بكل فروع علومها الإنسانية والطبيعية، والآداب، والفنون التشكيلية، والموسيقى، وشبكات تجارة الجنس، على سبيل الأمثلة.


    ووفقا لتقديرات 2014 يصل عدد سكان العالم إلى 7.2 مليار نسمة، يستعمل الإنترنت 40% منهم ولا يستعمله 60% منهم، وتصل نسبة مستعملى الإنترنت إلى 78% من سكان البلدان المتقدمة، وإلى 32% من سكان البلدان المسماة بالنامية. ومعنى هذا أن لاستعمال الكمبيوتر والإنترنت والفيسبوك والوسائل المرتبطة بها حدوده الجغرافية بين مناطق البلدان المتقدمة وقارات البلدان الفقيرة التابعة، وهى نفسها مناطق الغنى والفقر على الترتيب. وبالتالى فإنه لا ينبغى أن تستحوذ على عقولنا نظرة تقنية خالصة متفائلة تنظر إلى ثورات التكنولوچيا بكل تطبيقاتها على أنها وحدها قاطرة التاريخ، بمعنى أنها ستؤدى تراكميًّا إلى إنتاج المجتمع الجديد المنشود. بل يمكن القول إن الفجوة التكنولوچية الهائلة تجذب البلدان الغنية إلى أعلى، إلى مزيد من السيطرة على العالم، وتجرّ البلدان الفقيرة إلى أسفل نحو حضيض مفزع. وتجربة العالم أثناء القفزات التقنية الكبرى لم تكن تعنى الوصول المتساوى إلى التقدم الاجتماعى-الاقتصادى بحال من الأحوال، بل ظلت تعنى اتساع الفجوة بصورة متواصلة.


    ومهما يكن من شيء فقد غيَّر الكمپيوتر والإنترنت الحياة الاقتصادية والإدارية فى كل مكان فى مجالات تقنيات المحاسبة، والتجارة الإلكترونية فى كل شيء، والإعلانات التى ظلت تحقق أعلى الأرباح، بعشرات ومئات المليارت، لشركات التواصل الاجتماعى التى تقف شركة الفيسبوك (ومؤسسها) على قمتها.. وتُقَدِّم شبكة الشبكات خدمات لا حصر لها، وتشتمل على معاجم وموسوعات بأغلب لغات العالم تقريبا، وصارت الترجمة من أىّ لغة إلى أخرى يسيرة بفضل الشركات الكبرى والمتعددة التى تعمل فى هذه المجالات، رغم احتياج هذه الترجمات إلى التدخل البشرى بصورة متفاوتة وفقا لتقارب اللغات وللتطور المتفاوت للعلوم اللغوية فى مختلف اللغات. وبالإضافة إلى الفضائيات، ولكنْ بصورة أوسع وأعمق منها تقدِّم شبكة الشبكات، أو الشبكة العنكبوتية، خدمات وتسهيلات وأدوات جبارة للتعليم فى كل المجالات.


    وكنا من قبل نُصاب باليأس من المشاهدة مثلا لأعمال فنان تشكيلى عالمى أو الاستماع إلى أعمال مؤلف موسيقى كبير أو من زيارة متاحف شهيرة مثل متحف اللوڤر فى پاريس أو متحف ليوناردو داڤينشى فى فلورنسا أو اليأس حتى من رؤية مدن شهيرة أو مشاهد طبيعية أو غير ذلك، وصرنا الآن قادرين على زيارة المتاحف والجبال والغابات والشعوب والفضاء الخارجى دون أن نخرج من الغرفة بمجرد الضغط على زرّ أو كتابة الكلمات المطلوبة على باحث جوجل أو غيره. وهكذا صرنا أشخاصا نعيش فى العالم وفى الكون، بالطبع فى حدود المعارف الحالية للبشر.


    وتمثَّل حامل رئيسى لكل هذه المعارف والعلوم والمعلومات والإعلانات والاتصالات فى شبكات التواصل الاجتماعى، وفى التفاعل فيها جميعا بين الناس الذين صاروا يكوِّنون مجتمعا متزايد الاتساع. ومن ناحية التواصل الاجتماعى شهدت حياة الجماعة والفرد انقلابا ثوريا شاملا. وخلق الفيسبوك مجتمعا أو مجتمعات، وتتعدد هذه المجتمعات الفيسبوكية بتعدد اللغات والبلدان والمعارف والعلوم والتجارات، ومدى تقدُّم اللغة، وفى المحل الأول اللغة الإنجليزية، ليس كحاجز بل كجسر، فُرَصًا لا نهاية لها للتفاعل بين الناس فى كل هذه المجالات. وعندما يضع الأشخاص والجماعات والجامعات إنتاجها السياسى والفكرى والعلمى على الفيسبوك تنشأ قناة جبارة للمعرفة والتفاعل.


    وفى أبسط وأوسع صور استعمال فيسبوك نجد الصلة بين البشر تتسع وتتواصل. وكنا قبل الفيسبوك نعرف أن فلانا توفى أو مرض أو شُفِىَ أو نجح أو غير ذلك بعد زمن غير قصير بحيث لا يكون من الملائم أن نقوم بالعزاء أو المواساة أو حتى الدعاء بالشفاء، اللهم إلا بالنسبة للأقارب والأصدقاء والمعارف الذين تتواصل معهم الصلة الشخصية. ومنذ أحد عشر عاما فقط صرنا نعرف بطريقة فورية كل شيء عن كل صديق من أصدقاء الفيسبوك، وصارت كل العزاءات أو التحيات والتمنيات أو المجاملات أو التهانى بعيد ميلاد أو نجاح تحدث بصورة فورية أو شبه فورية. واتسعت الصداقات التى تغدو عميقة مع الزمن فى حالات كثيرة بحيث يدخل المرء كافيه ريش مثلا فتبدو له معظم الوجوه مألوفة، ويراهم ينظرون إليه أو حتى يُحيُّونه، وصار لكل شخص منا مئات وحتى آلاف الصداقات، وإنْ كنا نشطب كثيرين منهم كلما عرفنا حقيقتهم غير الملائمة لنا.


    وبعبارة أخرى، أظهر الفيسبوك كل مستعمليه لكل مستعمليه واتسع نطاق التعارف وعرف الناس بعضهم وتواصلوا عن طريق المشاركة والتعليقات وغير ذلك، ونشأت على هذا النحو جماعة لم يكن لها وجود منذ أعوام معدودة، ليس ضمن لغة واحدة أو أمة واحدة بل على نطاق أوسع بكثير فإذا بك تعرف الهندى أو الهندية والبرازيلى أو البرازيلية والروسى أو الروسية، ما دامت اللغة الإنجليزية حاضرة كجسر بين كل هؤلاء البشر. ولأول مرة لم يعد القاهرى مثلا قاهريا فقط بل صار مصريا من كل المدن والقرى، وبعد أن كنا عربا من الناحية النظرية صارت معرفة العرب بالعرب وتواصلهم وتفاعلهم أوسع أكثر فأكثر وصرنا على صلة بسورى مختبئ من القصف أو نازح أو مهاجر أو بأميرة خليجية، وهكذا صار العالم الذى كنا ننتمى إليه نظريا وفى الخيال عالمنا الافتراضى الذى صار بفضل التعارف المفتوح عالمنا الواقعى الحقيقى.


    وظهر الكتاب والكاتبات والأديبات والأدباء لبعضهم ولبعضهن وللقارئات والقراء وصارت كتاباتهم وكتاباتهن السياسية والفكرية والجمالية متاحة بمجرد الضغط على زرّ أو كتابة عنوان للبحث.


    وعندما ظهرت هذه الآلة الجبارة المتمثلة فى الإنترنت والفيسبوك ومختلف شركات هذا وذاك حلت محل وسائل أخرى، فكلما واجهتنا مشكلة جهلنا بأسماء أو أشياء أو مفاهيم كنا نفزع إلى التليفونات للاتصال بهذا الصديق أو ذاك أو نذهب إليه للسؤال؛ أما الآن فقد ظهر الصديق الأكبر داخل الغرفة وصار مرجعُنا الجديد بديلا عن المصادر الورقية والشخصية إلى أقصى حد ممكن. وإذا كان هذا بفضل الإنترنت فإن مواقع التواصل الاجتماعى مثل الفيسبوك ضاعفت من الاستفادة بالإنترنت عن طريق المناقشة والتفاعل مع الأصدقاء المتزايدين دوما، مع إتاحة وتوسيع الاهتمام بالمعارف والمعلومات عندما يقوم صديق أو صديقة بتنبيهنا مرات ومرات كل يوم إلى شيء جديد علينا.


    وبالطبع فإن كل اهتمام نعطيه وقتا يسحب هذا الوقت من اهتمام آخر، ومع إدمان الإنترنت والفيسبوك يحلّ فى كثير من الأحيان وقت التسلية المبالغ فيها محل اهتمامات جادة ورقية وإلكترونية وشخصية مباشرة. ويؤدى هذا فى كثير من الأحيان إلى سطحية معارف واهتمامات مستعملى هذه المواقع، ويصير هؤلاء المستعملون فريسة سهلة للتركيز على تفاهات من خلال جُمل قصيرة، كما يقعون فريسة ظاهرة الاستهواء التى تجعلهم يتشبثون بأفكار بسبب الرغبة فى الانسجام والتوافق مع جماعة صاروا من عناصرها.


    ومع إحباطات كالتى تعقب خيبة سعى الطامحين إلى التغيير، تظهر نزعات الزعامة الزائفة وادِّعاءات العلم والمعرفة والثورية، وكل الشرور المتوقعة من وراء الانسحاب من التفاعلات الحقيقية التى تطوِّر الفكر وتُغذى المعرفة وتُربِّى الذوق. كما أن إدمان الفيسبوك يخلق ميلا كاسحا إلى عزل الناس عن بعضهم بتضييق وقت التواصلات الشخصية المباشرة مع الأهل والأصدقاء والنوادى والمنتديات.


    وكنتُ قد دخلتُ الإنترنت فى سنة 2000 أىْ قبل ظهور الفيسبوك بسنوات معدودة. وبعد اندلاع ثورة يناير تضاعفت علاقتى بالإنترنت عموما وبالفيسبوك خصوصا. وفيما يتعلق بإنتاجى المؤلَّف أو المترجَم فقد بدأ من الإنترنت. غير أن مقالاتى السياسية كثرت بعد الثورة لمتابعة تطوراتها. وذات صباح جميل وجدتُ مقالا من هذه المقالات على صفحات الحوار المتمدن، وكنت أقرأ من وقت لآخر على ذلك الموقع ولكننى لم أفكر فى نشر كتاباتى وترجماتى هناك. وما حدث هو أن الكاتب السياسى والاقتصادى والعمالى البارز، الصديق الأستاذ إلهامى الميرغنى نشر ذلك المقال على الحوار المتمدن من تلقاء نفسه ودون أن يخبرنى. وبهذا فتح لى إلهامى مجالا واسعا لنشر كتاباتى السياسية الجديدة وكذلك كتاباتى وترجماتى الجديدة والقديمة من مقالات وكُتُب فى مختلف المجالات السياسية والفكرية والأدبية واتسعت دائرة قارئاتى وقرائى بصورة لم يسبق لها مثيل فى مختلف مناطق العالم كلما كان هناك ناطقات أو ناطقون باللغة العربية، وكان كل هذا بفضل مبادرة إلهام الميرغنى.


    وهناك بالطبع مجال واسع للتعليقات على الحوار المتمدن والمؤسسات المشابهة. غير أن الفيسبوك له شأن آخر، فالتفاعل هنا صار من خلال تعليقات ومناقشات مع صداقات تكوَّنت بالتدريج وإنْ كان هذا بسرعة بحكم طبيعة فترة الثورة. ولا شك فى أن التوقعات الحالمة بصورة غير مبرَّرة من الثورة والإحباطات الكبيرة بسبب عدم تحقُّق توقعات وهمية نظرا لغياب نظرية علمية تشرح لنا طبيعة وحدود الثورات الشعبية، كان لها أثرها البالغ فى تقليص مجال ودور التفاعل فى فترة تحتاج إلى التفاعل الفكرى قبل كل شيء. وفى مثل هذا السياق تحتدّ المناقشات بصورة لا تُفسح مجالا واسعا للتفكير العميق والنقاش المثمر فى قضايا الثورة بإخلاص حقيقى.


    وإذا كان تركيز استعمالى للإنترنت والفيسبوك على السياسة والفكر والأدب، والتحول من كاتب مغمور تقريبا إلى كاتب معروف نسبيا، يدعوان لدهشتى فربما أمكن القول إن دهشتى وسعادتى أعظم بتحوُّلى من شخص يكتب ويترجم فى غرفته طول الوقت إلى شخص صارت له صداقات عميقة دون أن يغادر تلك الغرفة، ولا شك فى أن هذه الصداقات تمنح الأمل وتشجِّع بالتالى على المزيد من الإنتاج التأليفى والترجمى، وتجعل هذا الإنتاج ثمرة مسئولية والتزام، فيما يوفِّر الإنترنت مراجع لم نحلم بها ذات يوم، ويوفِّر الفيسبوك والصلات الشخصية المتزايدة بفضله فُرَصًا واسعة للمناقشة والتفاعل.


    وأعتقد أن من الواجب أن أعتذر عن القصور فى هذا المقال بسبب عدم تركيزه على موضوعه الدقيق، أىْ الفيسبوك، فقد كتبتُه بضغط شديد من الأستاذين باسل رمسيس وسعد القرش دون أن أكون جاهزا لا صحيا ولا معرفيا.