الأدب في عصر الفيس بوك.. هامش يبحث عن متن

20/07/2015 - 10:07:55

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

محمد عبد الرحيم - كاتب وسيناريست مصري

    ربما كانت الثورة الأولى التي أثرت على المناخ الأدبي وعمليات التلقي تكمن في اختراع الطباعة، هذا الاختراع الذي وسّع وخلق مساحة من الانتشار، لم يكن مسموحا بها من قبل، وجاءت الثورة الثانية من خلال شبكات التواصل الاجتماعي، وعلى رأسها الفيسبوك، ومدى تأثير ذلك على الأدب بأشكاله المختلفة، من قصة وقصيدة ورواية ــ سنقتصر على العملية الأدبية من حيث الإنتاج والتلقي ــ الأمر أشبه باختراع السينما، وتقنياتها التي استلهمها الأدب في ما بعد، وهو ما يحدث الآن من استخدام تقنيات الفيسبوك عبر الأعمال الأدبية.


    هناك لغة إشارية تم التوافق حولها، ومن ثم التفاعل معها والحديث بها، دون أي اغتراب أو تغريب في نص مقروء يمكن تصفحه في شكل الكتاب الورقي، الأمر الآخر هو أن العالم الافتراضي أتاح للكثيرين أن ينزاحوا برفق من خلال أفكارهم وكتاباتهم من منطقة الهامش، إلى منطقة المتن، المُحرّمة على هؤلاء، المتن الذي ترعاه الدولة ومؤسساتها عبر كُتابها ومثقفيها الموالين لها، فهي التي تنشئ المسابقات وتعطي الجوائز، وتقوم بعمليات النشر، بخلاف الدور الخاصة، التي تطلب أموالاً أو على أقل تقدير لا تعطي الكاتب حقوقه المادية، بخلاف الرقابة والتقييم، مما يخلق سُلطة ترى في نفسها المرجع الأساس والوحيد، فكانت الكتابة وكان التفاعل الوقتي مع النصوص، وهذا ما لم تحققه طريقة النشر العادية في معظم وأغلب التجارب.


    ما بين الواقع الفعلي والواقع الافتراضي تقف النصوص التي يسردها أصحابها على صفحاتهم، لكن اللافت في الأمر أن الواقع الافتراضي في الوقت الراهن أصبح هو ما يصوغ الواقع الفعلي المعيش، لذلك تجد هذه النصوص صداها وتمتلك قوتها وجرأتها المُنفلتة دوماً من رقابة مزمنة قدر الإمكان ــ تحاول الدولة عبر أجهزتها الاستماتة على سلطتها وتراقب صفحات الفيسبوك، وتتربص وتقبض على أصحابها حسب هواها ــ فهناك مساحة من الحرية للكتابة لم تكن متوفرة من قبل، إضافة إلى ضمان حد أدنى من جمهور المتابعين للنصوص المكتوبة، بخلاف معرفة البعض بصاحب النص، أو أشخاص بأسماء وهمية تتيح لهم حرية النقد أو السخرية من النص وصاحبه، هنا تكمن المفارقة بين حياة الكاتب ورد فعل المتلقي، وهو ما يخلق حالة من الجدل حول النصوص لم تكن موجودة من قبل، اللهم في ندوة أو مقال، وهو ما لم يكن مُتاحا لأي كاتب، حتى ولو كانت ندوات للهواة. هنا يتم إنتاج صيغة أعلى من النصوص والنصوص المضادة التي تتناولها بالتعليق، أو حتى من خلال أيقونة التفضيل (اللايك) أو عدة أيقونات أخرى تختصر طريقة استقبال النصوص.


    كما أسلفنا من انتقال تقنيات السينما إلى الرواية، انتقلت أيضاً تقنيات شبكات التواصل الاجتماعي إلى النصوص المطبوعة، من خلال صفحات مطولة تنقل حالات أو حوارا بين شخصين كنصوص كاملة منقولة من صفحة الفيسبوك، كما في الأعمال الأخيرة لرؤوف مسعد، ورواية "حريّة دوت كوم" للكاتب أشرف نصر، وهي من أولى الروايات التي التفتت إلى هذه التقنية. هنا تأتي اللغة لتصبح مزيجاً ما بين الفصحى والعامية، دون أي إحساس بخلل، بما أنها من المفترض منقولة من كتابة بالعامية، وهو ما كسر حاجز الكتابة بالعامية، رغم وجود تجارب مهمة في الأدب صيغت بعامية رصينة تطاول الفصحى في بلاغتها وتأثيرها، على رأسها رواية "قنطرة الذي كفر" لمصطفى مشرفة. وتجارب أخرى محدودة المستوى، كرواية "لبن العصفور" ليوسف القعيد. على سبيل المثال.


    هذا العالم المتسع، والذي يتيح التعبير عن الأفكار والرؤى دون أي عائق، خلق جيلاً جديداً يلتفت إلى الكلمة المكتوبة، بخلاف نقاشات المقاهي التي تدور حول أبخرة الشاي، لا يهم أن تكون الكلمة بالفصحى أو العامية، أو أن تتضمن كلمات وألفاظا من الصعب وجودها في نص سابق على اختراع هذه التقنية. تبدو التجارب هنا في حالة غليان، لغة تشبه لغة الشارع، وقد تكون في الغالب أعنف منها بكثير، ونصوص تدّعي الأدبية، بمباركة عدد المعلقين والمُشاركين بصفحة الكاتب، وإذا وجد رأي مُعارض يبدأ الأصدقاء في الهجوم على صاحب هذا الرأي، رغم التشدق بالحرية وما شابه، وهنا تنتقل آفة الجلسات المغلقة والشِلليّة إلى العالم الافتراضي، وقد نقل أصحابه موبقاتهم إليه، الأمر أشبه بأنظمتهم الحاكمة. وتبدو مسألة تقييم الأديب من عدمه مرهونة بالخوف من مسألة مواجهة حالة الانتقاد هذه والرد عليها. فيتأسس للنص الافتراضي سُلطة، ستحاول القفز إلى الواقع من خلال عمليات أخرى.


    وتقوم دور النشر بملمح من ملامح الدولة، يكمن في سلطتها من ترويج لسلعة الكاتب سواء من خلال اسمه، أو ما حققه نصه على صفحته الافتراضية من نجاح ملحوظ ــ غادة عبد العال وكتابها "عايزة أتجوز" على سبيل المثال ــ فتبدأ بمد سلطانها وجذبه إليها بنشر ما كُتب في نسخة ورقية، وتبدأ آلة الدعاية على صفحات الفيسبوك نفسها، وتعود اللعبة من جديد إلى السلطة الأم، وهو ما يوازي سخف الـ(بيست سيلر)، فكم من النصوص عديمة الجدوى يتم الترويج لها، وكم من النصوص المؤهلة والمتميزة بتجربة لها فرادتها تظل حبيسة دائرة الأصدقاء المقربين على صفحة هذا الكاتب أو ذلك؟!


    ولا يمكن إحصاء التجارب التي تنتجها هذه الصفحات، أو الأفكار التي تتناولها، إضافة إلى التشوش والخلط ما بين كتابة الرأي وصياغته في شكل أقرب للغة الأدب، وإصرار صاحبه أن ما يكتبه هو أدب، وأن يتم التعامل معه وفق هذا المنظور. المسألة الأخرى هي السرعة في تحرير النصوص، التي تأتي غالباً كرد فعل على ما يحدث، عدوى التعليق على الأحداث انتقلت إلى نصوص يرى أصحابها وأصحاب أصحابها أنها تنتمي للنص الأدبي، وهي آفة طالت العديد من التجارب، التي كان من الممكن أن تكون ذات ثقل ما، لولا التمسك بهذا الأسلوب أو الشكل في الكتابة، وقد أصبح مهاويس الكتابة يفوقون مهاويس السينما كتابة وتمثيلا. فالتجربة الجمالية في هذه الحالات تنحصر في مدى ما يؤمن به الكاتب حقا، وكيف عبّر عنه من خلال هذا الوسيط، ومدى بقاء هذه النصوص والعودة إلى قراءتها مرّة أخرى، واكتشاف ما تحويه من جماليات ورؤى لم تتح نفسها بسهولة عند القراءة الأولى، فالأمر مرهون بالموهبة والوعي بالكتابة أولاً واستخدام الوسيط الافتراضي ثانية، وهو ما لا يتحقق إلا من خلال أعمال محدودة مقارنة بكل ما يُكتب على هذه الصفحات.


الواقع الافتراضي والنقاد الأموات


    قرأنا قريباً خبراً لمحمد حسين يعقوب يقول "إن التليفزيون والنت حرام مثل الخمر والميسر". ذلك بمناسبة افتتاح موقعه الجديد على الإنترنت! هنا ينتهي الخبر وعلامة التعجب لا تنتمي لمقولة يعقوب، لكنها ستكون أوقع إذا ما أضيفت أمام نقاد الأدب الذين لهم صفحاتهم الخاصة على الفيسبوك، ويتأففون من متابعة النتاج الأدبي المتداول على هذه الصفحات أو تلك، ولا يُنشدون إلا ما كُتب منشوراً أو من خلال ندوة بأحد أبنية الدولة الثقافية، لأنهم رغم ثورية ما يدعونه يريدون شكلاً للسلطة، هم أحرص عليه من نفسها، لكن الكُتّاب الجدد وأفكارهم التي لن يتفهمها معظم نقاد المؤسسات الثقافية سيُزيحونهم بكل هدوء وثقة، دون حتى أن يُطلقوا عليهم رصاصة واحدة من رصاصات الرحمة.