قرية كونية صغيرة

20/07/2015 - 10:06:52

ثورة 25 يناير ثورة 25 يناير

نجاة علي - شاعرة مصرية وباحثة في النقد الأدبي

    منذ ست سنوات تقريبا، دعاني صديق مغربي، وهو شاعر مهاجر يقيم بمدينة بروكسل، أن أنشئ حسابا لي على موقع "الفيسبوك"، لكي يتمكن من التواصل معي عبره يوميا. كدتُ وقتها أن أتهمه بالجنون، فلم يكن الفيسبوك في رأيي- وقتئذ- سوى ساحة لتضييع الوقت وللعراك المجاني مع كائنات افتراضية لا قيمة لها.


    لكنني تحت وطأة تكرار هذا الطلب من جانب أصدقاء آخرين، قررت أن أخوض هذه التجربة، وقلت لنفسي وقتها "لا بأس. لن أخسر شيئا"، وأن "من جهل شيئا عاداه بالضرورة"، لكن حدث تحول هائل خلال هذه السنوات الست في علاقتي بهذا الفضاء الإلكتروني من رهبة وحذر شديدين من الاشتباك في أي نوع من النقاش على صفحاته ـ إلا ممن أعرفهم في العالم الواقعي ـ إلى علاقة غريبة وغامضة تربطني به، وصلت بي إلى حد الإدمان والهوس به في كثير من الأحيان؛ فقد اكتشفت أن الفيسبوك قد مثّل لي أحد مثيرات حالة الحنين لزمن جميل مضى لن يعود، وأصبح أداة مدهشة أيضا لاستعادة كثير من الأصدقاء وزملاء الجامعة الذين تاهوا مني في زحمة الحياة. وبدا لي أنه كذلك عالم بديل، مناسب لتركيبتي الخجولة التي تهرب من التجمعات الكبيرة بأي مكان، خصوصا تجمعات المثقفين في المقاهي.


    لقد جعل الفيسبوك – هو وغيره من شبكات التواصل الاجتماعي على الإنترنت – العالم أشبه بقرية كونية صغيرة، تختار أنت جيرانك فيها كما تريد، بعضهم تعرفه أنت في الواقع الحقيقي والبعض الآخر كائنات افتراضية تقيم أنت علاقتك بها إن أردت ذلك. لكنك لن تُحرم في هذا العالم أبدا من أن يكون لديك جيران صامتون طيبون طوال الوقت. قد يصعب عليك أحيانا أن تتيقن إن كانت الأسماء والصور التي يضعها البعض على صفحاتهم حقيقية أم مستعارة. وقد يكون أمرا مثيرا للفضول حقا أن تتعرف على كائن آخر جديد ذي هوية مجهولة لك، تتشكل ملامحه في رأسك كلما تكلم أكثر معك، ويمكنك التعري أمامه بمنتهى الحرية والجرأة، محتميا بفكرة أنك تكلمه من خلف حائط أو ستارة افتراضية. ولعل البعض من رواد الفيسبوك قد لا ينشغلون بمعرفة هوية أصدقائهم الفيسبوكيين كثيرا، خصوصا من يبحثون منهم عن قسط وافر من الحرية في إقامة علاقات مفتوحة سريعة، بلا خسارات محتملة، ويرغبون في الاستمتاع بحالة الغموض المثيرة للخيال الذي يتيحه هذا الفضاء الإلكتروني.


    وقد يجد بعض المتعبين في العالم الواقعي، في الفيسبوك ملاذا وطريقا لمقاومة الاغتراب الإنساني الذي يشعرون به، فيفتشون فيه عن الحب بصوره المتعددة - الذي يفتقدونه في حياتهم - فلا يجدونه إلا في ظل واقع افتراضي جديد. ولعل من أبرز خصائص هذا الواقع هو التضاؤل الذي أخذت تعرفه أهمية المكان ليغدو الزمان هو كل شيء، وليحل الوجود الآني في الأمكنة المتعددة محل الأبعاد المكانية. وأحسب أن أهم سمة يمكن أن تتميز بها هذه العلاقات الفيسبوكية – إن جازت التسمية - هو سطحيتها وافتقادها للعمق، وغالبا ما يكون الزوال السريع والفشل نهاية متوقعة لها، فالتفاعل الإنساني فيها مفتقد إلى أبعد حد. فحتى لحظات الحب الدافئة، التي فقدت طزاجتها عندما تحولت إلى لحظات افتراضية، لا يمكنها - بأية حال - أن تقطع العزلة الموحشة التي تهاجم الفرد الذي يجلس - عادة - وحيداً في الظلام، أمام شاشة غبية وباردة تخبو وتضيء، بل على العكس ربما تزيده انفصالا عن عالمه الحقيقي وتعمّق عزلته الروحية والجسدية. وفي ظني أن غياب الحضور الجسدي للأشخاص في هذه العلاقات الافتراضية، هو أحد الأسباب المهمة وراء برودتها وسطحيتها، ربما لأن الجسد هو الذي يمنح العلاقات الإنسانية كافة فاعليتها وصدقها ودفئها الخاص.


    وربما يزداد ارتباطك بعالم الفيسبوك أكثر لو أنك اضطررت إلى العيش أو الهجرة لبلد آخر غير بلدك الذي تتعلق به روحك، فيصبح ساعتها هذا الفضاء الإلكتروني بمثابة جسر عابر للحدود، يمكنك من خلاله التواصل مع أحداث بلدك المتلاحقة، من خلال متابعة صفحات أصدقائك الذين لا يكفون عن الكتابة والتوثيق بالصور لهذا الأمر لحظة بلحظة. ولا سيما أن الفيسبوك قد تحول - خصوصا في الأربع سنوات الأخيرة - من مجرد فضاء افتراضي لتبادل أحاديث شخصية إلى مكان لممارسة حرية التعبير وأداة للتغيير السياسي، ووسيلة لمناهضة أنظمة الحكم الاستبدادية، وقد تجاوز الأمر إلى حد الرغبة في إحداث ثورة عميقة ترسي مبادئ العدالة والحرية الإنسانية.


    وأتذكر جيدا أنه حين قامت الثورة المصرية في 25 يناير 2011 وقمنا نحن من غفلتنا الطويلة، كان النظام السياسي يتعامل مع موقع الفيسبوك باستخفاف ويعتبره وسيلة للتسلية وللإلهاء فحسب، مثله مثل لعبة كرة القدم، يُفرغ فيها الناس طاقتهم الزائدة. فيما كان الفيسبوك هو المحرك الأول في إشعال الثورة التي كان وقودها أكثره من جيل الشباب الذين انتموا فعليا إلى هذا العالم الافتراضي. فلم تكن البداية للثورة سوى مجرد دعوة على الفيسبوك للنزول يوم 25 يناير "عيد الشرطة"، وقد تداولنا وقتها الدعوة على صفحاتنا، البعض منا روّج لها على صفحته بحماس، والبعض الآخر تعامل معها بعدم جدية على اعتبار أنه لا توجد ثورة بموعد، هكذا علمتنا كتب التاريخ.


    ولعل النكتة الشهيرة التي تداولها الشباب بعد رحيل حسني مبارك عن الحكم، توجز ببساطة الدور الذي لعبه هذا الفضاء الافتراضي بمهارة في الحشد لثورة عظيمة كان يمكن لها - لولا إجهاز المتآمرين عليها - أن تؤثر ليس في البلاد العربية فحسب وإنما في العالم كله. تقول النكتة: "إنه حينما صعدت روح مبارك إلى السماء، سأله هناك أحد حكام مصر السابقين عن الطريقة التي خلع بها: "سم ولا منصة يا مبارك؟" (في إشارة واضحة إلى الطريقة التي قتل بها جمال عبد الناصر وحادثة اغتيال أنور السادات)، فأجاب مبارك بخجل: فيسبوك".


    ولم يتوقف أثر الفيسبوك عند كونه مجرد موقع للدردشة والحوارات المتبادلة والتواصل الاجتماعي أو حتى أداة سياسية للحشد وإحداث تغيير سياسي فحسب، بل صار عالما موازيا للعالم الواقعي بكل ما في الكلمة من معنى، عالم فيه من الخيال نصيب ومن الوهم والخداع نصيب ومن الواقع والحقيقة نصيب آخر، عالم يشترك ساكنوه في إعادة صياغة مفاهيم قديمة تكاد تكون ثابتة، يفككون اللغة المستقرة مثلما يفككون بمنتهى الثقة أفكارهم الموروثة عن أسلافهم، وينحتون مفرداتهم الجديدة والخاصة بهم ويخلقون شفرات تناسبها، ربما عن غير تعمد مسبق. حتى إن الحوار المتواصل بين رواد الفيسبوك بدأ فعليا في تذويب الفروق اللغوية - إلى حد ما - بين اللهجات العربية مثلا لدى مستخدميه، فباتت هناك لغة بديلة، هي هجين من أكثر من لغة ولهجة، لها تراكيبها المستحدثة التى تنحو كثيرا إلى الاختصار وتستخدم بعض الرموز الإلكترونية للتعبير حتى عن الحالة الانفعالية لمستخدميها لتعوض غياب الحضور الجسدي للمتكلم ونبرة صوته، وتحد من حالة الالتباس التي يمكن أن تنشأ عن ذلك الغياب.


    ولكن ربما أسوأ شيء فعله عالم الفيسبوك كان ما أحدثه من أثر سلبي على متلقي الأدب من مستخدمي هذا الكيان الافتراضي، الذي جعل من بعض الأدعياء في عالم الأدب - سواء شعراء ونقاد - نجوما على صفحاته، ولعل الشيء الأكثر إزعاجا من هذا، تمثل في اندافاع بعض الشعراء الحقيقيين في الافتتان بطرق هؤلاء المدعين وتقليدهم في الترويج لكتاباتهم على طريقة الإعلانات التلفزيونية والتسرع في نشرها على صفحاتهم دون تفكير وتأنٍ، متناسين أن الأدب الجيد يلزمه قدر كبير من الجهد والتأمل قبل الإقدام على نشره.