صوتنا يصل للقاهرة .. وإن لم نصل نحن للقاهرة

20/07/2015 - 10:05:51

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

جنان عبده - ناشطة وباحثة سياسية من فلسطين

    في السادس من مايو 2010 اعتقلت قوات الأمن الإسرائيلية زوجي أمير مخول من منزلنا في حيفا المحتلة عام 1948، وهو من القيادات الفلسطينية وشغل منصب مدير عام "اتجاه"، اتحاد الجمعيات الأهلية في الداخل الفلسطيني لحين اعتقاله. ولاحقا قدمت ضده تهم سياسية منها التخابر لصالح تنظيم عدو وحكم  عليه بالسجن الفعلي تسع سنوات.


    فرض على القضية وعلي حيثياتها أمر منع نشر، إضافة لمنعه من لقاء محام، أمران منافيان لأي قانون عادل في دولة تدعي أنها "ديمقراطية" ومنافيان للحقوق الأساسية لأي معتقل. أمر منع النشر كان شاملا، وصدر بقرار من المستشار القضائي للدولة وأجهزة الأمن وبإقرار من وزير الأمن الداخلي وختم المحكمة الاسرائيلية، رغم أنه يتناقض مع حق الجمهور في المعرفة وحرية الصحافة.


   تصنيف المعتقلين والأسرى بـ "أمنيين" بدلا من "سياسيين" له هدف سياسي محدد، هو تجريد الأسير من حقوق يشرعها القانون الدولي للمعتقل وللأسير السياسي. وتعتمد إسرائيل علي "أنظمة الطوارئ" التي تفعلها في الحالات التي تسميها "أمنية". وتشمل تأثيراتها حظر النشر ومنع الاجتماع مع المحامين والمنع من السفر. ويتيح استخدام قانون الطوارئ للنيابة وأجهزة الأمن فرض هذه القيود بمصادقة المحكمة دون أن يكون للمعتقل أي حق بمعرفة الأسباب الحقيقية التي تستخدم ضده، فيظهر شيء غامض يستخدم في المحاكم ضد المتهم ألا وهو "الأدلة السرية". ومن المتاح أن تتم إدانته ولسنوات طويلة دون أن يعرف على ماذا اعتمدت النيابة في ادعاءاتها. هذه الإجراءات تستخدمها المحاكم العسكرية ضد الفلسطينيين سكان المناطق المحتلة عام 1967، وأهل القدس، أيضا في المحاكم المدنية التي تقوم بمحاكمة الفلسطينيين من سكان المناطق المحتلة عام 1948، وهي حالتنا تحديدا، نحن سكان المناطق التي أعلنتها إسرائيل باعتبارها دولتها، وفرضت علينا مواطنة قسرية في دولة لم نخترها ولم نهاجر إليها بل أتت إلينا وقامت على أراضي أهالينا وشردت أبناء شعبنا، فيوم إعلان دولتهم هو يوم نكبتنا.


    قرار منع النشر يسري علي الصحفيين فلا يمكنهم نشر أي كلمة عن الموضوع، فالصحفي تخضع كتاباته لمقص الرقيب الأمني. ويسري كذلك علي الشخص العادي، الذي من الممكن أن يتعرض للعقاب في حالة خرق قرار منع النشر بأي شكل. لم يكن الصمت ممكنا أمام هذا الإجراء التعسفي الاستبدادي، فتم فتح وإدارة صفحة ومجموعة على الفيسبوك تحت اسم "الحرية لأمير مخول" بالعربية والإنجليزية والإسبانية. عرفت لاحقا بعد السماح بالنشر عن الموضوع أن من يقف وراء هذه الصفحة أو هذه المجموعة شابتان إسبانيتان متطوعتان في جمعية فلسطينية عضو في "اتجاه"، صديقتان لأمير وتعرفانه من خلال العمل والنشاط السياسي. وأمر منع النشر يسري فقط على مواطني الدولة، لكنه لا يسري على مواطن إسباني، وبالتالي فلم يكن ممكنا مقاضاتهما. وبهذه الطريقة تم خرق أمر منع النشر التعسفي وكسر الحصار المفروض على القضية.


     هذا الحصار المفروض على كل الأسرى السياسيين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية، ويبلغ عددهم اليوم قرابة 5200 أسير، والذي يضاف إليه جملة من القيود - لا تشمل الأسرى الجنائيين - وعلى رأسها منع أي تواصل مع العالم الخارجي، منع استخدام الهاتف أو الكمبيوتر أو الانترنت بحجج أمنية، ومؤخرا منع الدراسة أو التعليم داخل السجون، ومنع الزيارة فيما عدا الأقارب من الدرجة الأولى، وغيرها من أشكال الحصار الثقافي والسياسي والفكري والاجتماعي الذي تفرضه مصلحة السجون على الأسرى السياسيين الفلسطينيين.. يتم اختراقه يوميا بوسائل إبداعية كالتي ذكرتها من خلال فتح صفحات كهذه علي الفيسبوك.


    فتح صفحة "الحرية لأمير مخول" وإدارتها بعدة لغات، أتاحت في وقتها مجالا واسعا للتواصل مع العالم، ومع أصدقاء أمير ومعارفه خارج فلسطين، والذين التقاهم في جولات عمل ونشاط سياسية ومهرجانات. فأخذوا بالتواصل معنا عبر هذه الصفحة، والنشر عن الموضوع، وعمل حملات تضامن مختلفة في إسبانيا، فرنسا، بريطانيا، مصر، لبنان، الأردن، تونس، الجزائر، جنوب افريقيا، كندا وبلدان أخرى.. وهكذا تم خرق الحصار على القضية. ومن خلال الفيسبوك توجهت إلينا مجموعة للترجمة تدعى "تلاكسالا" إقترحت ترجمة كتاباتي وكتابات أمير للغات مختلفة وبدأوا بالترجمة لليونانية، الايطالية، الفرنسية، والإنجليزية. وعبر هذه المبادرة الجديدة انضم الآلاف للصفحة. واقيمت العديد من الأنشطة وحملات التضامن الشخصي مع أمير في قضيته، ومع الاسرى السياسيين.


    أثبتت هذه المبادرات والأنشطة أن إسرائيل غير قادرة على كل شي، وأن اشكال المقاومة، مقاومة العزلة والحصار عديدة ومتنوعة. العزلة والحصار لم تفرضهما إسرائيل على الأسرى والمعتقلين فقط. بل إنها ومنذ تأسيسها القسري تفرض حصارا وعزلة علينا جميعا - نحن فلسطينيي المناطق المحتلة عام ١٩٤٨، والذين تحولنا عنوة إلى مواطنين لديها - عن بقية أبناء وبنات شعبنا العربي، وعن امتدادنا الثقافي الاجتماعي والسياسي الطبيعي في العالم العربي. فقد فرضت حكما عسكريا دام حتى 1966 تضمن منع التنقل وتقييد الحريات عامة ومنع إقامة المؤسسات ودور النشر ومنع الصحف ومنع التنظيم بكافة أشكاله. وحاولت بناء جيل خاضع وخانع، وتربية متعاونين معها. لكنها لم تنجح.. وكانت النتيجة أننا مازلنا نتشبث بعروبتنا وبانتمائنا الوطني الفلسطيني وامتدادنا العربي.


    عزلتنا إسرائيل عن تواصلنا الطبيعي مع عالمنا العربي، فأصبحت بيروت الأقرب جغرافيا لحيفا هي الأبعد، ممنوعين من السفر إليها، ومن يحاول تعتبر محاولته جريمة "أمنية"، ويتهم بالتواصل مع "دولة عدو". حاولت إسرائيل أن تفرض علينا واقعا يقول إن عدوها هو عدونا، لكنها فشلت. فقد وجدنا دوما رغم العزلة والحصار مجالات للتواصل بيننا، وإن لم نتمكن من الوصول إلى القاهرة أو بيروت، فقد تواصلنا كأهل، وجاء عالم الفيس بوك ليفتح آفاقا عظيمة لهذا التواصل. وها هي كلماتي تصل للقاهرة من خلال مجلة "الهلال"، دون أن أصل بنفسي إلى القاهرة.


    تشكلت من خلال الفيسبوك صداقات جديدة، وفتحت مجالات للتعاون لم تكن ممكنة من قبل. من خلال الفيسبوك يقوم أصدقاؤنا بالعالم العربي بتغطية أخبارنا وبتغيير الفكرة النمطية الخاطئة التي تشكلت في بعض الدول العربية نتيجة أنظمة التجهيل التي سادت في الحقبة السابقة، وجعلت الكثيرين من إخوتنا في العالم العربي يظنون أننا "خونة" لمجرد بقائنا بأرضنا وتمسكنا بها. ولم يكونوا قادرين علي فهم الثمن الذي ندفعه بهذه المواطنة المفروضة علينا قسرا. إلا أن هذا الوضع قد تغير نسبيا بعد أن بدأت حملات الكتابة عنا وإلينا ومعنا في العالم العربي، وبجهد صحفيين أصدقاء ساعدوا في تغيير هذه الأفكار، وفرضوا مصطلحات للاستخدام الجديد في صحفهم مثل "فلسطيني 48"، وليس المصطلح المتبع من قبل "عرب إسرائيل"، وهو مصطلح إسرائيلي حاولت إسرائيل أن تفرضه للتمويه. بينما لا يوجد عرب لإسرائيل.


    نحن فلسطينيون أبا عن أم عن جد عن جدة.


    أخص بالذكر هنا على سبيل المثال لا الحصر، وللتوضيح، الدور المهم الذي قام به الصديق الثوري أحمد بلال، الصحفي في "المصري اليوم" والمدافع عن القضية الفلسطينية، والذي بدأ تواصلنا معه من خلال الفيسبوك. حيث عمل على إيصال قضيتنا – قضية فلسطيني 48 وقضية الأسرى - وصوتنا لمصر، وعن طريقه بدأ صحفيون آخرون بالتوجه إلينا بطلب تغطية قضايانا، وهكذا اخترق الحصار. مرة أخرى.. وصلنا للقاهرة، وإن لم نصل للقاهرة. ووصلت قضية الأسرى للقاهرة رغم جدران السجن.


    على مستوي أخر فتح الفيسبوك المجال أمام عائلات فلسطينية كثيرة ممن تشردت في النكبة وتقطعت أوصالها في العالم للتواصل، وبدأت أجيال جديدة في التعارف والتقارب فيما بينها. حدثتني صديقة كيف شكّلت مجموعة فيسبوكية من أفراد عائلتها من ترشيحا (مناطق ٤٨) ومن أقاربهم المهجرين إلى لبنان وسوريا، وبعد عشرات السنين استطاعوا الحديث ورؤية بعضهم البعض من خلال تقنيات الفيسبوك والواتس آب والفايبر والإيميل.


    وبالعودة إلي قضية الأسرى، تأسست مجموعات وصفحات شبيهة، متخصصة في مسائل مختلفة، وخاصة بالأسري السياسيين، أدير بنفسي بعضا منها. ومن خلال هذه الصفحات ينشر بعض ما يكتبه الأسرى ويتم إيصال التعليقات والملاحظات التي يكتبها القراء إليهم، وهكذا يتم التواصل دون أن يتم اللقاء، وبالرغم من جدران السجن ورغما عنها.


    هناك أسرى سجنوا قبل عهد الفيسبوك وكل هذه التقنيات، لا يعرفون ماذا يعني "اللايك" و"الكومنت" و"الشير" وكيف تكون الصفحات.. لكن عندما يتم شرح الأمر لهم ويقال للأسير "ما كتبته كان عليه كذا لايك وهذه هي التعليقات... إلخ"، يشعر بأن هناك بشرا يهتمون بقضيته ويتابعونها، ويتأكد أنه ليس وحيدا.


    أطلقنا مؤخرا حملة "كتاب لكل أسير"، ومن خلال الإعلان عنها بالفيسبوك تم تجميع عدد كبير من الكتب وإيصالها للأسرى، وكانت الحملة تحت عنوان "كلما أغلقتم بابا أمام الأسرى فتحنا بابا آخر للتواصل معهم".


    والفيسبوك ووسائل التواصل تمنحنا أبوابا جديدة.