حبل الوصال والانفصال الفيسبوكي

20/07/2015 - 10:04:35

كاسترو كاسترو

باسل رمسيس - سينمائي وكاتب مصري

 تأمل معي هذا المشهد الروتيني اليومي، المعتاد خلال سنوات طويلة في المدرسة الدولية للسينما بكوبا: تأسست المدرسة في الثمانينيات باتفاق بين مجموعة أصدقاء.. فيدل كاسترو، جابرييل جارسيا ماركيز، وعدد من أهم السينمائيين الكوبيين واللاتينيين. اعتمد هذا الاتفاق على أن تمنح الحكومة الكوبية الأرض والمباني وعددا آخر من التسهيلات لإقامة المدرسة وضمان استمراريتها واستقلالها. مقابل مساهمات مادية من دول أمريكا اللاتينية وبعض الدول الأوروبية، يتم بموجبها قبول حصص محددة من شباب هذه الدول للدراسة بها. نسبة الطلبة الكوبيين لا تتعدي غالبا العشرين بالمائة من العدد الإجمالي للطلاب، والباقون شباب من كل بلدان أمريكا اللاتينية خارجها.


    وبالفعل تأسست المدرسة في المنطقة التي منحتها حكومة الجزيرة الكوبية، في منطقة معزولة بين الحقول على بعد ٤٥ كيلومترا تقريبا من العاصمة هافانا. المدرسة عبارة عن مجموعة من المباني، مزارع لمنتجات مختلفة، ملاعب، استوديوهات ومعامل، وحمام للسباحة، قرر فيدل كاسترو وقتها أن يكون الأكبر في كل منطقة الكاريبي. لكنه مع ثورة الإنترنت وشبكات التواصل، لم يستثن المدرسة من قيود الاتصال بالشبكة، لأنها مسألة أمن قومي.


    يعيش بالمدرسة المدرسون والطلبة وجزء من الجهاز الإداري والأكاديمي. وقسم سكن الطلاب لا يبعد أكثر من ثلاثين مترا عن قاعات الدرس، أو المطعم، أو البار/المقهى.


    اليوم يبدأ مبكرا، في تمام الساعة الثامنة إن لم يكن قبلها في فترات تنفيذ المشاريع أو التصوير. يبدأ بالإفطار السريع في المطعم، ثم الدروس مباشرة. يتوقف الإيقاع الدراسي في منتصف النهار لمدة ساعتين تقريبا للغداء وبعض الراحة. وفي الثامنة مساء أو قبلها تنتهي الدروس، ويتبعثر الطلاب بين قاعات مشاهدة الأفلام، أو حجراتهم، أو البار المفتوح، أو الملاعب، أو المزارع أو الحفلات الراقصة، إلخ. وستجد القليل منهم مبعثرا في بعض الطرقات، جالسا بالقرب من "كابل” الإنترنت.


    قليلون هم من يجلسون بالقرب من "الكابلات" لأن خدمة الإنترنت في منتهى الرداءة مثلما هو الوضع في بقية مناطق كوبا. هذه "الكابلات" الصماء تمنحك دروسا بالغة الأهمية في قيمة الصبر حين تجلس أمام شاشتك لمدة نصف ساعة لتحميل رسالة قصيرة علي الإيميل، أو لتحميل صفحتك الشخصية على الفيسبوك. ولا تحلم بأن تدخل إلي "ياهو" أو "سكيب"، لأنهما ممنوعان في كوبا.


    يستطيع المدرسون الدخول إلى الإنترنت في مكاتب الأقسام المختلفة، وبعد أن تقوم الموظفة، صاحبة الأهمية المطلقة، بعمل بعض التعديلات علي كمبيوتراتهم الشخصية، ووضع شفرات سرية للدخول، محددة بزمن بقاء المدرس في المدرسة. أما الطلبة فيدخلون الشبكة بالدور، في بعض النقاط المحددة والمبعثرة في بعض قاعات الدرس، أو الطرقات.


    يعيش الدارسون لمدة ثلاث سنوات. تتشعب علاقاتهم ببعضهم البعض لتتخذ أشكالا استثنائية، من الصعب أن تجدها في مناطق أخرى. فالعزلة الكاملة في جزيرة سينمائية، داخل جزيرة أكبر، في منطقة الكاريبي الحارة والرطبة، تجعلهم يتشاركون في كل شيء، بداية من الساندويتش، نهاية بالعلاقات الجنسية المتعددة والمفتوحة، مرورا بالأفلام والمشاريع. علاقات شديدة الحميمية، وأحيانا شديدة العدائية. النوع الحميم يستمر غالبا لسنوات طويلة بعد أن يغادروا المدرسة عائدين لبلادهم، فيعيشون سويا ويعملون سويا في أغلب الحالات. علي سبيل المثال.. بعض خريجي المدرسة المدريديون، من أجيال مختلفة، يسكنون في المبني نفسه بالعاصمة الإسبانية، قاموا بتأجير شققه بالتدريج حتي احتلوه بالكامل.


    هذا المشهد الذي أرويه هو الواقع حتى نهايات عام ٢٠١٢. فجأة دخلت خدمة "الواي فاي" للمدرسة!! لم يتغير كثيرا إيقاع اليوم وطبيعته، لكن.. مع انتهاء اليوم الدراسي ستجد الطلاب مبعثرين في كل الأماكن بهواتفهم المحمولة الحديثة، وبأجهزتهم وكمبيوتراتهم الصغيرة، وصفحات الفيسبوك المفتوحة مهيمنة على معظم هذه الشاشات المضيئة.


    صمت!! هدوء!! تراجعت وتيرة الحفلات الصاخبة التي كانت تقام يوميا. تراجع إيقاع التغيير والتبديل والتجديد في العلاقات الجنسية والعاطفية، وكذلك درجة استدامتها. تراجعت الألعاب والمغامرات الجماعية والمشتركة. وربما أصبحوا يعرفون بعضهم بعضا بدرجة أقل.


    عليك بالحذر.. فربما تكون عبارة "يعرفون بعضهم بعضا بدرجة أقل" حكما قاطعا، من الصعب أن يطرح بكل هذه الثقة. لكن المؤكد أن نوعية العلاقات قد اختلفت بين شباب لم يتجاوزوا الثلاثين.


    إن تأملت قليلا ما يفعلونه على الفيسبوك، ستجد الكثيرين منهم يتواصلون مع أهاليهم وأصدقائهم في البلاد البعيدة، يكسرون جدران العزلة المفروضة علي جزيرة داخل جزيرة. لكن "آخرين" يتواصلون مع "آخرين" على بعد بضعة أمتار منهم، في حجرات الدردشة السرية أو العلنية الفيسبوكية، سواء فردية وجماعية، رغم أنهم في نفس مساحة المائة متر مربع! يضعون أفلامهم الجديدة وتدريباتهم السينمائية على صفحاتهم، ويتشاركون الهموم والأحلام والمشاكل، يعلقون ويتأملون في مجال مفتوح. علي الأقل أكثر انفتاحا من حدود الجزيرة. مرة أخري كلمة "لكن".. تغيرت العلاقات الشخصية المباشرة، القائمة علي ملمس الجسد والرائحة والصوت ونظرة العين المباشرة.


    هل دخلوا فاترينة الاستعراض الواقعي/الحقيقي، "الرياليتي شو"، في المنطقة الإلكترونية؟ تلك المنطقة التي تدخلها دون أن تتخلى عن إمكانية التحكم في ستائرك.. ربما تتعرى بالكامل، وربما تختبئ بالكامل، وتكتفي بالتلصص.


    المؤكد أن نوعية أفلامهم وتدريباتهم قد اختلفت. وربما يكون من سمات النوعية الجديدة أنها تنقل هموم أهاليهم وبلدانهم البعيدة، إلي الجزيرة بدرجة أكبر. بينما في السابق كانت الجزيرة السينمائية داخل الجزيرة الكوبية مسيطرة علي هذه المشاريع والتدريبات. أصبحت هذه الأفلام الموضوعة على صفحات الفيسبوك عبارة عن جسر، يقوم بتعريف أهاليهم وأصدقائهم البعيدين بعالمهم الحالي، بحالتهم النفسية، بمزاجهم، بمشاكلهم، بمن هم أصدقاؤهم، مع من يعيشون، من يحبون ومن يكرهون، وكيف يقضون أيامهم الطويلة خلال السنوات الثلاث. وأصبحت كذلك العكس.. تنقل الرفيق/الرفيقة المكسيكي/المكسيكية إلى عالم رفيقها/رفيقته الألماني البعيد.


    منحنا الفيسبوك أو التطور التكنولوجي الأداة. منحنا الفاترينة المصنوعة من زجاج، كي ندخلها لنتواصل أو لا نتواصل. وترك لنا أن نتعارك في تقييماتنا له.


    هذا الملف في هذا العدد من مجلة "الهلال" هو جزء من هذا العراك الفكري. طرحت فكرته عبر هيئة تحرير مجلة "الهلال" بعد عدد من المقالات التي كتبتها في موقع "زائد ١٨" عن الفيسبوك، التفاتا إلى ضرورة أن نقوم بالحوار وبالتأصيل لأدواتنا العصرية ودورها في حياتنا. وهذا هو السبب الأول لأن أتوقف هنا عن الكتابة، فلا داعي لتكرار ما كتب، وربما كان قد قرئ.


    لكن السبب الثاني والأهم للاكتفاء بهذا القدر من الكتابة بعد تأمل المشهد/المثال الكوبي.. هو أن الملف ذاته شديد الدسامة والتنوع، ومن الأفضل أن ينتبه القارئ إلى كل مقالاته. حرصنا على أن تكون نصف المقالات تقريبا بتوقيع النساء، كاتبات وكتاب من مصر وفلسطين والعراق وسوريا ولبنان، ومن أجيال مختلفة. بداية بتأملات متنوعة في طبيعة العالم الفيسبوكي، ومجتمعه وشلله، وطبيعة يوم المواطن بداخله. نهاية بدراسة شديدة الأهمية عن تشكل الهوية عبر الفيسبوك، وتراجع الجسد، وسعرنا داخل سوق الفيسبوك، من ضمن قضايا أخري تتناولها الدراسة. مرورا بتأثير الفيسبوك علي الأدب واللغة والكتابة، تأثيره علي كيفية التلقي والاستهلاك، سواء في الرياضة (الكرة تحديدا)، وفي تلقينا لمحاولات التحرر.. الفردانية أو الجماعية عبر الفيسبوك، ودوره السياسي، وشهادات عن كيفية دخوله حياتنا ومعاركنا.


    وتظل نقطة الحوار والخلاف الأساسية بين كل هذه المقالات حول ما هو افتراضي وما هو واقعي. وما إذا كان باستطاعتنا أن نقسم الواقع ذاته إلى واقع إلكتروني/افتراضي، وواقع معيش، وإن كان هناك حدود بين هذه الجزر.


    بعض المشاركين والمشاركات لا تعرفهم ولم تقرأ لهم من قبل، ولن تعرف أسماءهم الحقيقية. لأنهم مستخدمون ومستخدمات للفيسبوك، قرروا أن يسهموا ـ في هذا الملف ـ بكلمات قليلة عن علاقتهم به. كي يمنحوه شخصية أقرب لعالمهم الفيسبوكي، وكي يكون الملف أكثر ديمقراطية مثلما هي ديمقراطية وحرة الحياة علي الفيسبوك. فأنت في النهاية من تقرر اسمك وصورتك، متي تكتب ومتي تعلق، ومتي تقوم بحذفي من قائمتك.