فسبكات سوريّة

20/07/2015 - 10:03:17

لوحة رحاب - بتول محمد لوحة رحاب - بتول محمد

ياسين السويحة - صحفي ومدون سوري

    يُشبه الفيسبوك السوري سواه في بقية أنحاء العالم بقدر ما تُشبه سوريا اليوم غيرها من البلدان. هناك وظيفة تواصل اجتماعي شخصي بين الأصدقاء والعائلة توُظّف سوريا للتواصل ما بين من بقي في البلد واللاجئين في مختلف أصقاع الأرض والاطمئنان على سلامة الباقين والراحلين. هناك أيضاً تداولٌ للشأن العام بين الناس، وإن كان هذا الشأن في سوريا يختلج على إيقاع المجازر اليومية على يد نظام بشار الأسد، أو داعش وأخواتها.


    للفيسبوك وظيفة ترويج تجاري للخدمات والسلع، ما يُستخدم في سوريا، مثلاً، للترويج لشبكات تهريب اللاجئين إلى أوروبا بمختلف الوسائل. هذا، بالطبع، لا يمنع استخدام الفيسبوك أيضاً للتسلية والترويح عن النفس، فدعوات الألعاب تصل مختلطة بالدعوات لفاعليات تضامنية مع الشهداء، أو مع دعوات الانضمام لصفحات ذكرى المجازر الكبرى. ليس من الممكن أن نعتبر الفيسبوك، أو أي شبكة تواصل اجتماعي، مرآة واقعية لما يجري في أي بلد. هو، ربما، صورة مجتزأة في مرآةٍ غير مستوية، تُكبّر أنفاً وتصغّر عيناً وتخفي أذناً. الفيسبوك يعمل على نقل المشهد السوري بهذه الطريقة، وليس في هذا القول انتقاص من أهمية متابعة الصدى الافتراضي لما يجرى على أرض الواقع، بل إشارة إلى أن أسلوب إسقاط الواقع على الفيسبوك في سوريا يشبه، أيضاً، أساليب انعكاس واقع البلدان الأخرى على فيسبوكاتها بقدر - أكرر- شبه سوريا بغيرها من البلدان


الطيران الحربي في سماء المدينة.. اللهم سلّم


    تعود أصولي إلى مدينة الرقة في الشمال السوري، وهي المدينة التي خرجت عن سيطرة النظام السوري في ربيع 2013، وعاشت مزيجاً من التحرر العطش والفوضى العارمة وتغلغل المشاريع التسلطيّة خلال شهور عديدة قبل أن تسقط نهائياً في يد داعش مطلع عام 2014 وتتحوّل، للأسف الشديد، إلى مدينة شهيرة بالمشاهد الدموية التي تبثها داعش حسب إيقاعها، وبما يلائم رغبتها بإشباع غرورها حين ترى قدرتها على إدهاش العالم بشكل مستمر.


    لا تعمل شبكة الاتصالات الهاتفية، الأرضية منها والخلوية، منذ خروج المدينة عن سيطرة النظام، وطريقة الاتصال الوحيدة مع الخارج تتم عبر مخدمات الانترنت عبر الأقمار الاصطناعية، وهي خدمات تجارية تقدمها مراكز متوزعة في الأحياء السكنية، وتبث "واي فاي" للدائرة المحيطة بها لقاء اشتراك حسب الحزمة المطلوبة وكمية الداتا، وهو مكلف مادياً، خصوصاً مع الأوضاع الصعبة التي تعيشها المدينة، وتعيشها سوريا عموماً.


    تقوم العبارة التي يبدأ بها هذا المقطع، حين تظهر على صفحة إحدى شبكات الأخبار المحلية، أو في بروفايل الناشطين الإعلاميين القلة الباقين في المدينة، مقام ناقوس الخطر لدى أهل الرقة المقيمين في الخارج، لا سيما أولئك الذين ما زال أهاليهم مقيمين في المدينة. فحال رؤية هذه العبارة على الفيسبوك، تبدأ رحلة البحث عن النقطة الخضراء في "تشات" الفيسبوك بجانب اسم أحد المقيمين في المدينة لمعرفة إن كان الطيران قد قصف المدينة أم لا، وإن كان يعلم أي منطقة قُصفت في حال سمع دوي الانفجار أو شاهد الدخان المنبعث. كثيراً ما تفشل رحلة البحث عن متصل داخل المدينة وقت القصف، أكان بسبب انقطاع التيار الكهربائي، أو بسبب انشغال الناس المفهوم عن الفيسبوك عند سماع هدير الطائرة. حينها، تبدأ رحلة البحث القافز بين صفحات شبكات الأخبار المحلية بانتظار أن تنشر إحداها موقع القصف، وأن توضح إن سقط شهداء، وحين يتم تحديد مكان القصف، ينتاب المرء شعور متناقض بالراحة المذنبة حين يتأكد أن القصف كان بعيداً عن مكان إقامة أهله.


    ينتهي طقس يوم القصف، غالبا، بصور للمكان الذي تعرّض للقنابل، وقائمة بأسماء الشهداء والجرحى. نقوم بـ "تشييرها" على صفحاتنا الشخصية مساهمة منا في فضح الجريمة، وأيضاً محاولين إسكات شعورنا القاتل بالعجز، وخائفين من يوم تُشارك فيه صور بيوت أهالينا وقد تحطمت تحت القنابل. في أيام القصف، يصبح الفيسبوك مجلس عزاء افتراضي، يتم فيه التعريف عن الشهداء، ومن هم أبناؤهم وإخوتهم وأقرباؤهم، ويتلقى هؤلاء التعازي على صفحاتهم الشخصية، وكثيراً ما يُغيرون صورتهم الشخصية على الفيسبوك إلى مربع أسود، أو يضعون صور أقاربهم الشهداء. الرقة مدينة صغيرة، بل هي بالأحرى قرية كبيرة، ولها أيضاً فيسبوكها.


صور "قيصر"


    أوائل عام 2014، أعلنت وسائل الإعلام عن تسريب صور أكثر من 11 ألف معتقل قضوا تحت التعذيب في معتقلات النظام في دمشق بين ربيع 2011 ونهاية صيف 2013. لُقّب ناقل الصور المسرّبة بـ "قيصر"، وهو ضابط سابق في المخابرات العسكرية السورية، عمل كمصّور لدى المخابرات السورية لأرشفة المعلومات حول القتلى تحت التعذيب، وكان يعمل على تصوير كل جثة من عدة زوايا مرفقة ببطاقة تحمل أرقاماً متسلسلة دون أسماء، قبل إرسال الجثث للدفن في مقابر جماعية سرّية. انشق "قيصر" عن النظام خريف 2013 بعد أن تواصل مع جهات حقوقية وسياسية دولية ضمنت له خروجاً آمناً لأسرته. قُدّمت الوثائق أمام جهات حقوقية دولية بارزة، وصدر تقرير مفصّل عنها مطلع عام 2014. عادت صور “قيصر” للظهور إعلامياً في مارس 2015، حين عرض قسم منها في إحدى قاعات مقر الأمم المتحدة في نيويورك، وطواها النسيان بعدها.


     ظهرت الصور حين قرر “قيصر”، نتيجة إحباطه من تجاهل العالم لما يحمله من أدلة على جريمة فادحة، منح أرشيف الصور لموقع إخباري سوري شهير، وتم إفراد صفحة خاصة ضمن الموقع لصور “قيصر”، وعرض القسم الأكبر من الصور على الموقع. أثار نشر صور “قيصر” على الإنترنت جدالاً حامياً بين السوريين، فبعضهم وافق على نشر الصور لكونها تُبرز جانباً من الجرائم المُقترفة بحق السوريين، وأيضاً لأنها وسيلة لكي يعرف أهالي المعتقلين الذين قضوا تحت التعذيب مصير أبنائهم، في حين عبر آخرون عن رفضهم لنشر الصور بهذه الطريقة، مشيرين إلى أنها وثائق وأدلة يجب أن تكون بعهدة جهات قانونية وحقوقية تتصرف بها بعناية وتراعي مشاعر الأهالي، ولا ضرورة ولا معنى لنشرها للتداول العام بهذه الطريقة.


    عدا الجدل حول الصور، عاش الفيسبوك السوري خلال الأسابيع التالية لنشر الصور تفاعل الناس معها، فقد قامت صفحات شبكات أخبار أحياء دمشق وضواحيها بنشر أسماء أبنائها من الذين تم التعرف عليهم ضمن صور “قيصر”، وقام أفراد أيضاً بالإعلان عن أنهم وجدوا صور أقربائهم أو أصدقائهم ضمن أرشيف “قيصر”. كانت بعض الأسر قد علمت مسبقاً بأن أبناءها قضوا في السجن، إما بتبليغ من أجهزة الأمن يخبرهم أن ابنهم مات نتيجة “أزمة قلبية” أو “التهاب” دون أن يتسلموا جثامينهم، أو عن طريق سماسرة يعملون على البحث عن معلومات حول مصير المعتقل مقابل مبالغ مالية. لكن عدداً كبيراً من العائلات أخذت علماً بمصير أبنائها عند إيجاد صورهم بين صور الضحايا. بعض القصص الخارجة من صور “قيصر” أصبحت - بكل معنى الكلمة - صوراً أيقونية في الفيسبوك السوري، ومنها قصة رحاب علاوي.


   رحاب علاوي طالبة هندسة في جامعة دمشق، وتعود أصولها إلى ريف دير الزور شرقي سوريا. اعتُقلت في دمشق مطلع 2013، وعلمت أسرتها بعد اعتقالها بشهر أنها توفيت تحت التعذيب في المعتقل. ظهرت صورة جثة رحاب مرمية بين الجثث المصطفّة في باحة المشفى العسكري الذي عمل فيه “قيصر” كمصوّر وقد وُضعت قصاصة ورقية على جبينها عليها الأرقام المتسلسلة الأرشيفية. انتشرت صورة رحاب علاوي بكثافة، ورسمت الفنانة السورية بتول محمد لوحةّ باسم رحاب، فيها القسم العلوي من جسد مرسوم بشكل طفولي دون ملامح، وعلى جبينه الرقم الذي وُضع على جبين جثة رحاب. انتشرت لوحة بتول محمد بكثرة على الفيسبوك السوري، واتخذها عدد كبير من السوريين كصورة “بروفايل” كتعبير عن التضامن والاحتجاج.


إلى أوروبا، عبر الفيسبوك


    تنتشر على الفيسبوك السوري مجموعات عديدة، مغلقة وسرّية أحياناً، ومفتوحة للعموم في أحيانٍ أخرى، فُتحت لالتقاء المهتمين بشؤون الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا، حيث تُناقش طرق وطرائق الوصول إلى النعيم الأوروبي عبر تركيا أو دول شمال أفريقيا، ويعرض أصحاب الخبرة من الذين تمكنوا من الوصول إلى إحدى الدول الأوروبية معلوماتهم، ويُجيبون عن تساؤلات الذين يدخلون لتعلّم كيفية اجتياز الحدود والوصول إلى الدولة الأوروبية المنشودة بأقل كلفة مادية ممكنة، ودون أخطاء تجعلهم حبيسي دولة أوروبية أخرى لا تُقدم للاجئين السوريين من المساعدات والتسهيلات ما تقدمه دول مثل ألمانيا أو هولندا أو الدول الاسكندنافية.


    عدا تبادل المعلومات والخبرات بين المُهاجرين السابقين واللاحقين، تعج هذه المجموعات بدعايات شبكات التهريب وعروضها للسفر، والتي قد تكون بضع كلمات ورقم التواصل مع المهرب أو وكلائه، أو تصميمات جرافيك بمشاهد طبيعية لجزر أو سواحل، يبدو لمشاهدها، للوهلة الأولى، أنه أمام دعاية لشركة سياحية تُسير رحلات كروز عبر المتوسط أو بين الجزر اليونانية. بالإمكان أيضاً إيجاد معلومات أو دعايات لمكاتب “تأمين”، أي المكاتب والأشخاص الذين يستبقون، لقاء مبلغ مقطوع أو نسبة، كلفة السفر المُتفق عليها مع المُهرب عندهم، ويدفعونها للمهرب فقط عند تلقي إشارة من المسافر تُؤكد وصوله سالماً إلى المكان المتفق عليه، أو إرجاعها في حال فشل السفر لسوء الأحوال الجوية أو بسبب التشدد الأمني على الحدود.


    ثمة مجموعات كبيرة وشاملة يصل أعداد أعضائها إلى عشرات الألوف، ومجموعات أخرى أصغر، غالباً مختصة بالمعلومات عن دولة معينة أو عن طريقة تهريب محددة. تُقدم متابعة هذا النوع من المجموعات للمهتم بالشأن السوري جزءاً ثميناً من المشهد العام للبلد. ليس فقط لأنها تُعطي فكرة (ولو جزئية وغير علمية) عن الأعداد والنسب التي تُهاجر إلى أوروبا بحثاً عن اللجوء الإنساني، وتمثل أسلوباً سهلاً للتعرف على طرق التهريب وأسلوب عمل شبكاته، ولكن أيضاً لأنها تفتح نافذة لمشاهدة قصص كثيرة لسوريين، أفراد وعائلات، يبحثون عن مستقبل - ما يعتبرونه مستقبلا - في أوروبا، ويسمح بالتلصص على طريقة تفاعل أصحاب القصص فيما بينهم: التضامن، النصح، المشاحنات، تقييم هذا المهرب أو ذاك، أو التحذير من النصب والاحتيال الذي قد يتعرض له الراغب بالهجرة من مهربين “أولاد حرام” أو مكاتب تأمين “مزيفة”.


يُشاهد أيضاً كيف تتم تزكية مهرب أو مكتب تأمين بوصفهم “أصحاب كلمة”، وبإمكان المرء هنا أن يقف قليلاً عن نسبية هذه التقييمات، فهي ترفع شأن البعض وتحط من شأن البعض الآخر من مهربين ومنتفعين من التهريب، لا يمارسون فعلاً غير قانوني فحسب، بل أنهم ينتفعون من مأساة الهاربين من جحيم بيوتهم إلى ليمبو ملاجئهم. إنهم يُتاجرون بالبشر!


    للمتابع أيضاً أن يرى هذه المأساة كجزء له مكانه في سياق الكارثة الكبرى، مكانٌ ليس الأسوأ بأي شكلٍ من الأشكال. لا شك أن حالة الهاربين إلى أوروبا مأساوية، ولها نصيب مستحق من التضامن الإنساني، وأعداد الغرقى في البحر مهولة، لكن هؤلاء، على الأقل، استطاعوا الحصول على المبلغ الكافي لركوب الخطر نحو مستقبلٍ ما، أما غيرهم فليس لديه ما يستر حاضره كي يفكر بمستقبله، أو حتى لكي يتذكر ماضيه.