العالم الأزرق المُرعب

20/07/2015 - 10:00:11

احتجاجات على نتيجة الانتخابات الإيرانية 2009 احتجاجات على نتيجة الانتخابات الإيرانية 2009

منال الشيخ - شاعرة وكاتبة عراقية مقيمة في النرويج

    تعودنا أن يرمز اللون الأزرق للراحة والسلام. ولا أعرف ماذا كان يدور في ذهن مارك زوكيربيرج حين اختار مع زملائهِ اللون الأزرق لموقع التواصل الاجتماعي الفيسبوك.


    قبل ثماني سنوات لم أكن أتخيل أن العالم الأزرق سيكون بمثابة بيت لي. ألجأ إليه بعد الانتهاء من العمل وأعتبره مثل المنتجع في نهاية كل أسبوع. ما لم يخطر في بالي أن هذا العالم الذي بدأهُ معظمنا من باب التسلية والمتعة سيتحول يوماً إلى أداة تعليم ومعرفة وتوسيع أفق وكذلك إلى مصدر للحب والكراهية وأحياناً تقرير مصائرنا.


    مثل الآلاف بدأ انتباهي لأهمية الفيسبوك وتويتر بعد الحراك الذي أشعل المنطقة. بالنسبة لي كنت قد انتبهتُ لذلك قبل الحراك في المنطقة العربية عندما بدأتُ أسمع بموقع تويتر كثيرا إبان الانتخابات الإيرانية عام 2009. وكانت نقطة تحول في استخدام هذا الموقع على مستوى العالم.


هذه المواقع الاجتماعية، بظني، كانت ضربة كبيرة للمؤسسات الإعلامية التي تختار من الأخبار ما يناسبها لتنقلها لنا. أما في الفيسبوك وتويتر فالأخبار تصلك طازجة من الناس في الشوارع، من أصحاب القضية نفسها.


    تحول الفيسبوك تحديداً، إلى ساحة مشتعلة بين المثقفين بإعلان مواقفهم تجاه الأحداث والتغيرات التي طرأت على المنطقة. لم يكن أحد يتخيل في لحظة ما أن يقوم أحدهم بإلغاء صداقة سنوات بسبب تباين واختلاف الآراء. لكن هذا ما حدث حقيقة. لدرجة أنه صار هناك خنادق فيسبوكية متنوعة. كل خندق لهُ كبيرهُ ثم مريدوه. ما طرأ من تغيرات على العلاقات في العالم الأزرق هو تطورها على نحو خطير، ينذرُ أحياناً بنشوء عصابات وجيش قريباً. أستطيع التحدث عن التجربة العراقية في هذا المجال. إذ منذ أربع سنوات تقريباً استجدت ظاهرة الرائي أو الراوي الفيسبوكي. هؤلاء مجموعة من الكتاب أو المثقفين أو حتى تجار، بعضهم لهم خبرة واسعة في الوسط السياسي والاجتماعي والبعض الآخر يعتمد على مخيلتهِ وذاكرتهِ وينقل ما يراه في الشارع. استجدت حسابات كثيرة من هذا النوع وصل الأمر ببعضهم أن يكون متماهياً مع الأحداث في سبيل عدم خسارة متابعيهِ. ولأن الوضع معقدٌ في العراق على الصعيد السياسي والاجتماعي فقد نشأت حسابات شخصية تعلن بكل صراحة توجهها وتدعو الناس لما يؤمنون به. فترى هنا صفحة لكاتب يدعي الليبرالية وآخر يدعي الإلحاد وهناك حسابات لن تعرف لها توجهاً واضحاً، فهم في كل يوم في شأن. الأمر المزعج في هذا الأمر أنها أصبحت مثل العدوى بين العراقيين. كل من أجاد القص قليلا عمل له حساب وفتحه على العام ثم اتخذ ثيمة أو "لازمة" له لتميزهُ عن بقية المستخدمين. المرعب في الأمر أن مثل هذه الحسابات لها متابعون بالآلاف وعلامات الإعجاب تنهمر عليهم بكرم غريب مهما كان المنشور عادياً وسطحياً. هؤلاء فهموا جيداً نفسية الفرد العراقي البسيط البعيد عن النخبة فاستقطبوهم بطرقهم المختلفة. لكن الأمر الذي غفلوه هو ترسيخ فكرة (راوي المقاهي) مستخدماً اللهجة العامية المحلية دون مراعاة الشرائح الأخرى ممن لا يفهمون هذه اللهجات. بعض الحسابات دؤوبة في تناول القضايا الآنية بجدية والبعض الآخر يستخدم أسلوب التقية ويسعى لإرضاء معظم الأطراف لعدم خسارتهم وآخرون فشلوا في استقطاب هذا الجمهور بسبب إصرارهم على مواقفهم المتعارضة مع مصالح فئة من "المتابعين" وحسابات خطرة دعت لقتل وهدر دم من يختلفون معهم. في كل هذه التوجهات هناك جمهور مرعب مؤيد لهم لا يستهان بهم حتى لو كان تواصلهم افتراضيا.


    يكشف لنا الفيسبوك يوماً بعد يوم عن أهميتهِ في قراءة الشخصيات وكيف تفكر. هذا الأمر ساعدني كثيراً في انتقاء قائمة أصدقائي، ليس على أساس التطابق معهم بل على أساس الاستفادة من وجهة نظر مغايرة ستثري رؤيتي مستقبلاً. الفرد لا يتعلم ممن يشبهه بل من يختلف عنهُ ومعه. كثيرٌ منا يحتفظ بأشخاص في قائمة الأصدقاء بدون التواصل معهم أو قيام الطرف الآخر في التواصل. وأظن أن البعض يتابع بصمت ويقرأ ما يعجبهُ حتى لو لم يشارك. أفعل هذا مع كثير من الحسابات المهمة بالنسبة لي وبدون مشاركة أو تفاعل وأدرك أن هناك من يفعل الشيء ذاتهُ مع حسابي. منذ مدة حرمتني الأوضاع المستجدة في العراق أن أتفاعل بشكل مريح وصادق مع الآخرين. كثيراً ما يجبرنا التشنج في الجو العام أن نخفف نبرة الجدال ليصل أحياناً إلى الصمت.


    الاستفزاز موجود في كل مرافق الحياة، والفيسبوك موقع مستفز على كثير من الأصعدة. مستفز على مستوى السياسة والثقافة والأمور الشخصية. بعض العلاقات الفيسبوكية تطورت لتكون أكثر من صداقة. وبعضها توقفت وفشلت في إكمال طريق الصداقة والزمالة. البعض وجد مستقبلهُ هنا ومن ساعده الموقع في إنقاذ حياتهِ بمتابعة ظروفهِ والتفاعل معها. والبعض وحالات نادرة حددت مصيرها وأنهت حياتها بسبب من مشاكل الفيسبوك. لا شيء ثابتا في هذا الموقع العملاق سوى حركة الزمن التي تذكرنا بها الساعة الإلكترونية المرفقة لكل المنشورات والحالات. تحسسك هذه الساعة أنها عداد عمرك ويتملكك العجز في ايقافها للحظة والتحكم بحركة الزمن.


    سيبقى الفيسبوك رغم كل شيء ورغم سلبياتهِ هو الموقع الأهم في إيصال الفكرة والرسالة. والطريف في أمر هذا الموقع العجيب أنهُ مكان لترويج القانون والجريمة، الإرهاب والنظام، الحب والكراهية، العدالة والظلم.. باختصار هو يجمع كل متناقضات الكون. عالم مصغر بالحجم للكرة الأرضية بقدرة وصول أسرع وأسهل.


    كان أفضل شيء حصل لي خلال السنوات الأربع الماضية أنني "تتلمذتُ" من جديد على يد مجموعة من الشباب أعادوا لي صياغة مفاهيمي المبكرة في ذهني عن الحريات والحقوق. من هؤلاء، مجموعة النشطاء المصريين الذين تبعوا نشاط الشباب التونسي مباشرة بعد نجاحهم في إسقاط نظام بن علي. رغم أنني كنت متابعة لثورتي تونس ومصر منذ البداية وكانت صفحتي الفيسبوكية لفترة مثل مشغل أخبار على الأصعدة كلها إلا أن ما تعلمتهُ وما استفدتهُ من تويتر لم يقدمهُ لي الفيسبوك حقيقة. في الفيسبوك لا أستطيع أن أفصل نفسي عن مهنتي ككاتبة إبداع وأعمل معظم الوقت حساباً لقائمتي، فلا أستطيع قول كل شيء أحس بهِ أو أرغب. أما تويتر فقد منحني صفة أن تكونَ مغرداً فحسب. يتابعك المئات والآلاف دون أن يهتموا من أنت حتى لو كنت بصورة رمزية لا حقيقية. هذه الثقة في متابعة الأفكار ومناقشتها لا تجدها في الفيسبوك رغم أننا نعرف معظم المضافين عندنا في القائمة.


    ولأسباب شخصية بحتة أشعر في كثير من الأحيان بضيق في التواصل على الفيسبوك. فأنت لا ترى الوجوه وهي تكتب حالاتها ولا تعرف أمزجتهم وربما تفسر ما يكتبون بحسب خيالك. هذا الخيال يحتمل الخطأ والصواب. البعض صار يتعامل مع الصورة التي في مخيلتهِ عن الآخر ويتفاعل مع هذه الصورة ويبني آراء ومواقف بناءً عليها. وهؤلاء فئة مثيرة إذ تتطور بعض الحالات إلى مرحلة خطرة، ويصل الإيذاء اللفظي والجسدي أحياناً بحسب الحوادث المسجلة.


    لا أحد يستطيع إنكار فضل هذا الفضاء الأزرق ولكني شخصياً سأبقى مدينة لرواد تويتر، من شباب ثوار مصر تحديدا، بتقويم مفاهيمي يوما بعد يوم. إذ صرتُ استشف هذا التباين في مفاهيم الأجيال المختلفة. بصراحة أكثر فإن نزق الكتّاب المبدعين لا يسمح لنا بهذا التفاعل الرحب وغالباً ما أصطدم مع أفكارهم ويصطدمون معي إلى أن وصلنا درجة من تواصل اللا تواصل، هو أن نحافظ على هذه المسافة بيننا كي لا نصل مرحلة إلغاء الصداقة أو الحظر.