الفيسبوك .. لوغاريتمات الاجتماع

20/07/2015 - 9:59:12

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

محمد خير - روائي وشاعر مصري

    قبل ظهور الفيسبوك، كانت الشبكة الإلكترونية تهدر وقتنا بالفعل، إن اللفظة في الأصل "فيسبوك" ولكنها اكتسبت "الـ" التعريف من فرط حضورها في حياتنا، صار "الفيسبوك" كأنه الباب الدوار الذي دلفنا عبره فانقلب عالمنا وصار الداخل خارجا والخارج داخلا، لم نعد نحن هناك في "خارج" الإنترنت التي ندخلها أحيانا، بل صرنا داخل فيسبوك دائما ونغادره أو نعطله أحيانا، وما نلبث أن نعود إليه متلهفين كمن يعود إلى البيت بعد نهار طويل حارّ، صار هو المقهى وصالة الجلوس وشاشة التلفزيون وحتى السرير أحيانا، لكنه في كل شيء من ذلك صار يتسع للمئات والآلاف والملايين.


    لكن طبيعة العلاقات الإنسانية التي غيّرها ذلك الموقع الملياري تلد مع الوقت مجتمعا جديدا تحدده لوغاريتمات التفاعل الافتراضي، كان الناس قبل فيسبوك يلتقون حول اهتماماتهم المحددة، فيلتقى عشاق الرياضة في ملاعبها واستاداتها ومواقعها، ويلتقى المثقفون في الندوات والكتب والسياسيون في المظاهرات والأحزاب، وقد تمر سنون لا تلتقي "شبيهك" إلا حين تفرض الظروف لقاء حول اهتمامكما المشترك. غيّر الفيسبوك كل ذلك وصرت ترى المرء في كل لحظة كل يوم، بتعليقاته التي خلّدها "التايم لاين" عن وحول كل شيء، لم تعد ترى شاعرك المفضل عبر قصائده الجميلة فحسب، بل صرت تطّلع على رأيه السياسي والأكلات التي يفضلها والأشخاص الذين يكرههم، وصارت مساحة الاتفاق الوحيدة – القصائد - نحيلة وحيدة بين الخلافات التي تتعدد بتعدد اهتمامات البشر، مع كل رأي يلقيه شبيهك السابق صرت تبتعد عنه ويبتعد عنك خطوة وخطوتين، والعكس أيضا صحيح، هذا شخص لم تكن تطيق فنّه أو تصرفاته لكنك وجدت – عبر الفيسبوك – اهتمامات لم تكن تعرفها فيه، ومواقف كدت تصبح فيها وحيدا لولاه.


    وليس الحب والكره فقط شعاري التغيير الذي يصنعه الفيسبوك في علاقات البشر رغم هيمنة "العاطفية" على توجهاته، بل كذلك انبعثت عبر الشاشة الزرقاء طريقة جديدة غريبة لتلاقح الأفكار، يُظهر لك الفيسبوك الأشخاص الذين تتفاعل معهم وتزور صفحاتهم بانتظام، مع الوقت يبتعد عنك الذين يختلفون عنك بالرأي ويصبح "فيسبوكك" صورة مكررة من الرأي نفسه، فإن كنت علمانيا بدا لك أن وطنك كله كذلك، وإن كنت إسلاميا أو محافظا أشعرك "التايم لاين" دائما بأنك في بلد الأزهر أو حصن الإسلام، فما إن يختار لك الموقع رأيا عشوائيا مختلفا يخترق حصنك الفكري المتشابه حتى تندهش وتغضب وقد تقفز سبابتك فورا إلى زر "الأنفريند".


    فماذا لو غيرت رأيك؟ ماذا لو راجعت مواقفك الأخيرة وصرت تكتب عكسها أو ما يختلف عنها؟


    هنا يتسبب الفيسبوك في واحدة من أغرب نتائج لوغاريتماته، أنت الآن ومنذ فترة "محاصر" بالمتشابهين مع آرائك الأخيرة، ولم تعد تظهر على صفحات من تختلف معهم في الرأي، فإن غيرت رأيك الآن، لن يتفاعل معك من صاروا حولك في الفترة الأخيرة بل سيندهشون منك، ولن يراك أصلا من ابتعدوا عنك منذ أمد طويل، فسيبقى رأيك الأخير "مراجعتك الفكرية" وحيدا معزولا بلا تفاعل، وسرعان ما ستعود أدراجك لتردد مع من يحيطون بك، الأفكار التي ينتظرونها منك.


    هل الفيسبوك إذا يدعم "الفردانية" و"الإيجو" كما يقولون؟ أظن أنه على العكس، يدعم الاندماج في "التكتلات"، أو "الشلل" بكسر الشين، يجعلك "تُقاد" وأنت تظن أنك تقود.