جنة أصحاب الأربعة عشر عاماً

20/07/2015 - 9:56:01

كارثة استاد بورسعيد كارثة استاد بورسعيد

خالد أحمد يوسف - كاتب وسينمائي مصري مقيم في إسبانيا

"لماذا لا تصنع فيلما عن ميسي أو تعرض لنا مقطعا عن رونالدو بدلا من كل هذا الملل؟"


السيد أدريان بورومبيو الحكم الدولي الروماني السابق أثناء حواره مع ابنه المخرج كورنيليو في فيلمه "المباراة الثانية" (2014).


    أرض عشبية لا يمكن رؤية خضارها بسبب الجليد في الصورة الخاصة بالإرسال الأرضي، الجمهور مجرد نقط صغيرة غير واضحة المعالم ترتدي معاطف تقليدية تخص تلك المنطقة من شرق أوروبا، لا أحد يرى الكرة الحمراء التي يتم ركلها بين اللاعبين، نخبة المجتمع الروماني مقسمة بين الفريقين الموجودين على أرض الملعب، الجيش يقف وراء فريق ستاوا بوخارست والشرطة وراء دينامو بوخارست، الإيقاع الرتيب يتناسب تماما مع النتيجة السلبية للمباراة، فجأة يتغاضى حكم اللقاء أدريان بورومبيو عن ركلة جزاء لدينامو بوخارست، وقتها تشتعل المدرجات، إنها ربما اللحظة الوحيدة التي يحفل بها فيلم "المباراة الثانية" بتوتر حقيقي.


    المخرج كورنيليو بورومبيو يقرر أن يعيد مشاهدة الدقائق التسعين كلها لمباراة قمة العاصمة الرومانية بين ستاوا ودينامو في شتاء 1988، قبيل العام الأخير من نظام شاويشسكو. كورنيليو يشاهد المباراة كاملة مع والده، والذي يتصادف أن يكون حكم تلك المباراة، الابن لديه قدر كبير من الفضول للتعرف على كواليس تلك المباراة، والأب في حقيقة الأمر يريد النسيان، عندما جاء وقت الحديث عن ركلة الجزاء، قال بمنتهى البساطة: "تقديري أنها لم تكن ركلة جزاء، لم أشاهد شيئاً غريبا في تلك اللعبة".


    التوتر ينمو خاصة أن الأب كشف في الدقائق الأولى من الفيلم "المباراة" عن المحاولات المضنية لأتباع الجيش من ناحية والشرطة من ناحية أخرى لشراء الحكام والمباريات لصالح ستاوا أو دينامو. ليس هناك سوى ثلاث كاميرات، واحدة لمتابعة سير المباراة، واحدة قرب أرض الملعب، والثالثة موجهة للجمهور في حال حدوث مشادة بين اللاعبين قد تكدر السلم العام بالنسبة لملايين المشاهدين في رومانيا/ شاويشسكو. المباراة تنتهي سلبية، الأب يعبر عن امتعاضه من إجبار ابنه على مشاهدة تلك المباراة المملة على حد قوله، دون أن يفهم لماذا كان عليه أن يتذكر كل هذا "الهراء" باستخدام تعبيره.


    العلاقة التي صنعها الجمهور بصالة عرض أوروبية مع فيلم "المباراة الثانية" هي العكس تماماً من علاقة نفس الجمهور مع الفيسبوك بالنسبة لعالم كرة القدم. مشاهدة الدقائق التسعين لمباراة أقيمت منذ 27 عاما كاملة دون قطع، دون إعلانات، فعلياً هي عرض اجتماعي سياسي لرومانيا تعود إلى أزمنة سحيقة، تأريخ لحقبة، لأسلوب حكم، نظام بائد، كطابع بريد نادر، أو صورة فوتوغرافية من حرب مجهولة، أو لوحة فائقة الأهمية لرسام غير معلوم، كورنيليو قرر أن يصنع عكس ما ترسخ له وسائل التواصل الاجتماعي، وفي مقدمتها الفيسبوك، ببساطة لقد أراد منا مشاهدة "الصورة الكاملة" لواقع منقرض.


    علاقة الرياضة وخاصة كرة القدم بوسائل الاتصال خلال القرن العشرين علاقة وطيدة، تحولت مع التسعينيات إلى علاقة توأم ملتصق، موت أحدهما قد يقضى على الطرف الآخر في لحظات، صناعة أموال كرة القدم تقفز من الراديو إلى التلفاز، إلى القنوات المشفرة، إلى الباقات الحصرية، إلى ملايين الإعلانات التي وجدت في الفيسبوك بيضا من ذهب، وفي كل مرحلة من مراحل علاقة كرة القدم مع وسائل الاتصال القطع تصبح أكثر تبعثرا. هي اللعبة نفسها، الرياضة نفسها، ولكن طريقة استهلاكها تتغير.


    لا أحد يشاهد الآن الدقائق التسعين كاملة لأية مباراة، هذا أمر يبدو مستحيلا عندما يكون المعروض 12 مباراة في اليوم بين ما هو محلي وما هو أوروبي، وربما أمريكي لاتيني، عندها تتحول لغة المتحاورين بين مشجعي الكرة: "هل لديك الكليب الخاص بهذا الهدف؟"، "هل لديك لقطة مرواغة ميسي التي يتحدث عنها الجميع اليوم؟"، "هل لديك الصورة التي حاول فيها فتح الله ضرب الحكم قبل أن يتراجع في اللحظة الأخيرة؟". لا أحد يريد ما هو قبل أو ما هو بعد ، إنها ثقافة "الملخص" التي تم ترسيخها خلال العقدين الماضيين، يتم بعثرتها كمتوالية هندسية، إلى الحد الذي أصبح فيه المقطع الذي يتجاوز الثلاثين ثانية باعتباره طويلا بحاجة إلى بعض الصبر. إنها ثقافة "الملخص" التي أشار إليها كثير من نقاد الثقافة الشعبية الأمريكيين منذ التسعينيات بأنها قد تجبر المستهلك على تلخيص مسيرة أو هفوة شخص ما في لقطة مدتها 15 ثانية لا أكثر، قد تطارده طيلة حياته. المفارقة الأكبر أن كرة القدم هي واحدة من الأنشطة البشرية التي يتم متابعتها لحظيا بما يقرب من 22 كاميرا مختلفة، في نفس الوقت هي واحدة من تلك الأنشطة النادرة التي تتيح للجميع أن يصبحوا في سن 14، الهدف ليس الموضوعية، الهدف ليس تقديم "الحقيقة"، أو تحديد الفائز أو الأكثر صحة، ولكنها الفرصة الوحيدة التي تصبح فيها المراهقة الفكرية نفسها جزءا من اللعبة. أن تبحث عن قبيلتك الخاصة أو الصفحات الخاصة داخل الفيسبوك، سواء كنت محباً لتراث الكرة المصرية، كارها لإبراهيم سعيد أو محبا للدوري البولندي. كل سلعة لها زبونها، كل قبيلة ولها خيمتها، الأمر يبدو تطوراً مذهلا بالنسبة لكاتب هذه السطور، والذي كان حصاده العالمي خلال طفولته من المباريات هو مبارتين أوروبيتين فقط في العام في آخر أسبوعين من شهر مايو.


    في تلك اللحظة التي تتم فيها كتابة تلك الفقرة، أحد الأصدقاء يقوم بسب النادي الأهلي في جملة من أربع كلمات، في إشارة لتعاطف الحكام مع النادي الأحمر في إحدى المباريات. الفيسبوك يتيح الفرصة للبوح بهذا ومشاركة الآخرين في تلك العاطفة الخالية من أي تقييم أو تحليل موضوعي. كما تدور مناقشة حامية بين مشجعين لنادي الزمالك حول أحداث مباراة لفريقهم غير مذاعة تلفزيونياً، هذا لا يمنع جميع المشاركين في المناقشة من حسم أمر أن الحكم متواطئ ضد فريقهم، في بعض الأحيان ليست هناك حاجة لمشاهدة المباراة. هذا ما أدركته وسائل الاتصال التقليدية في علاقتها بالرياضة، وهو المفهوم الذي عمقه الفيسبوك، بأن الحاجة إلى معرفة "الحقيقة" أقل كثيراً من الحاجة للجدل. هل أحمد عبد الظاهر كان لديه حق في رفع علامة رابعة؟ هل أبو تريكة عضو نشط بالإخوان المسلمين؟ هل يستحق نشر 150 موضوعا عن شيكابالا خلال عام كامل لم يلعب فيه دقيقة واحدة مع فريقه البرتغالي سبورتنج لشبونة؟ هل يجب أن نشجع الجزائر في كأس العالم بعد كل ما حدث في 2009؟


    الفيسبوك يعطي مجالا للمراهق ذي الأربعة عشر عاما للخروج دون أحكام مسبقة، وهي من أمتع ما يمكن أن تعطيه كرة القدم، هي حالة التصالح مع هذا المراهق الداخلي، وهو في الوقت نفسه يصبح مزعجاً في حالة المراهقة السياسية أو التحليل الاقتصادي، أو مقالة رأي في الشأن العام. المفارقة الأكثر إثارة أن بورومبيو حاول توثيق رومانيا/ شاوشيسكو من خلال الدقائق التسعين لمباراة كرة في سياق لاهث يعتمد في جزء كبير على تعميق فكرة النسيان، لحظات نشوة متقطعة حتى يحين وقت قلب الصفحة إلى الحدث التالي.


    فعلياً في الحالة المصرية الفيسبوكية رغم مراهقتها الظاهرية هي الحالة التوثيقية الأكثر التزاماً والأكثر تفصيلاً لمذبحتي بورسعيد (فبراير 2012) وملعب الدفاع الجوي (فبراير 2015). لقد تم ردم القضيتين سريعاً ولكن حقيبة الفيسبوك بعدة إجراءات بسيطة تتضمن مجموعة من الشهادات والوثائق البصرية فائقة الأهمية، والتي يمكن أن تصبح مرجعاً للكشف عن كارثتين مروعتين لا تمتلكان أية روايات رسمية حتى هذه اللحظة. بل الأكثر رعباً هي العودة لتوثيق الفيسبوك عن مباراة الأهلي والزمالك في 28 ديسمبر 2010 ، قبل شهر واحد من ثورة يناير، إنها ربما الحالة التوثيقية الأكثر أهمية للمزاج العام واهتمامات المصريين، قبل رحيل زين العابدين بن علي، قبل كنيسة القديسين، قبل كل شيء. واحدة من الحالات النادرة التي توفر فيها الحقائق، الوقائع، أو على وجه التحديد "الصورة الكاملة"، حتى لو في أكثر حالاتها مراهقة وصبيانية.