يوم في بلاد الفيسبوك

20/07/2015 - 9:55:03

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

حسام عيتاني - صحفي وكاتب لبناني

  يبدأ يوم الفرد الفيسبوكي بعد قليل من استيقاظه. الجديون من الفسابكة يستخدمون الهواتف الذكية في الصباح الباكر لتفقد المستجدات والأحداث التي سجلها لوح الأحداث (أو "النيوز فيد") خلال نوم المشترك، على أن ينتقلوا أثناء النهار إلى الحواسيب المحمولة أو الأجهزة الثابتة.


    متابعة لما فاته من نقاشات اشترك في بعضها وأوقفه النوم عن مواصلة التدخل فيها. تفقد التعليقات على الستاتوسات التي كتبها وعدد الاستحسانات "اللايكات" التي نالها وهوية واضعيها. قراءة ما يمكن أن يكون قد جاء على الإنبوكس من رسائل خاصة. ثم القيام إلى المهام اليومية.


    أثناء العمل تكون صفحة الموقع مفتوحة دائمة. ومنها يمكن الاطلاع على آراء الأصدقاء الافتراضيين والواقعيين حيال الأحداث العامة والخاصة بتفصيل قد يفيض على الحاجة. بعد الآراء وآخر أخبار المشادات الشخصية والصراعات بين نجوم الفيسبوك، تأتي قراءة الصحف من خلال الروابط التي ينشرها أصحاب المقالات أو المعجبون بها أو المحتجون على مضمونها والتعليقات وردود الفعل عليها. روابط أخرى من صحف أجنبية يتعلق أكثرها بأحداث المنطقة.


    المجموعات المقفلة أو المفتوحة التي يجد الفسبوكي نفسه في كثير من الأحيان قد زُجّ في واحدة منها من دون علمه أو رأيه، تشمل كل شيء يمكن أن يخطر على البال وأكثره مما لا يجد المتصفح أي معنى لوجوده ضمن هذه المجموعات أو السبب الذي افترض من أضافه أن يقوله أو أن يقوم به. آراء ما أنزل الله بها من سلطان وحكم مستمدة من الكتب الدينية وقضايا يدعو بعضها إلى الدهشة والذهول.


    يضاف إلى ذلك كله ما يود بعض المشتركين أداءه من خدمات "للفرندز". فمن مواجز الأخبار التي لا تخلو من عبارة "عاجل" إلى نشر إعلانات للباحثين عن العمل، مرورا بطلب الدعاء لمريض أو الرحمة لمتوفى أو الإعلان عن مولود جديد وعقد قران أو خطبة وتخرج طالب. فتدمج هنا متابعة الأخبار السياسية والعامة والاطلاع على الجدال والمهاترات بين "الفسابكة" وآخر المنتجات الاستهلاكية، ونشاط الشركات التي تروج لخدماتها وسلعها على الموقع الأزرق. وقد يحدث أن يبحث رجل أو امرأة عن علاقة عاطفية افتراضية ضمن المجموعات المقفلة أو على صندوق البريد الخاص، لتكتمل بذلك جوانب كثيرة من الحياة وتنتقل بتعقيداتها وانحيازاتها ومواقفها، الجدية والهزلية والحزينة والمرحة إلى الحيز الافتراضي.


    هل يختصر ما سبقت الإشارة إليه النشاط اليومي "للمفسبك"؟ بالكاد. قسم لا يستهان به من المراسلات المرتبطة بعمله بات يجريها على "مسينجر" الفيسبوك مع زملاء يعرف أنهم موجودون على الطرف الآخر من الشبكة لكنهم في بلاد بعيدة جغرافيا. لم يعد الموقع مقتصرا على الثرثرة أو على الإدلاء بآرائه الشخصية، بل باتت الدعوات التي تأتي على صفحة "الأحداث" تحدد كيفية قضائه أمسياته وإلى أي النشاطات الترفيهية أو الثقافية سيتجه، وأي من المطاعم أو المقاهي جدّد قائمة أطعمته، وما الأماكن التي سيرتادها أصدقاؤه "الواقعيون" والذين انتقل عدد لا بأس به منهم من "الفيسبوك" إلى العالم الحقيقي.


    عندما ينتهي نهار المُشترك على الفيسبوك، يتذكر أن كل ما كتبه سواء على حائطه الخاص أو التعليقات التي وضعها على صفحات "الفرندز" وكل المشادات التي انخرط فيها والمشكلات التي وجد نفسه يقاتل فيها، قد سُجلت وحُفظت إلى الأبد على خادم التشغيل الخاص بالموقع، في مكان ما من العالم، ليس لديه أي فكرة عن جغرافيته أو كيفية الوصول إليه. ويعرف أن أدق تفاصيل المحادثات الخاصة التي أجراها مع أصدقائه وما أرسل إليهم من معلومات، قيّمة أو عديمة القيمة، جدية أو هزلية، شخصية أو عامة...الخ، قد سُجلت على "لوح محفوظ" في متناول أسياد العالم وحكامه وأجهزتهم المرعبة. وأن الروابط إلى مواضيع منشورة على مواقع صحافية أو الأفلام الإباحية التي شاهدها وتصفحها أو المقاطع الموسيقية التي استمع إليها، مسجلة عند "أخ أكبر" لا تغفو له عين ولا يدركه كلل أو ملل.


    "الحق في النسيان" الذي أصدرت محكمة أوروبية قرارا بحفظه (في صيف 2014) وطلبت من مشغلي أحد المواقع حذف معطيات خاصة بالمدعي عنه، يواجه صعوبات شديدة في تطبيقه واعتراضات من مشغلي المواقع. لكن قبل ذلك كله، لن يشكل التدخل القانوني عائقا حقيقيا أمام تراكم المعلومات الخاصة عن صاحبنا الفيسبوكي ومئات الملايين من أشباهه لدى المؤسسات والحكومات، المتعاونة مع بعضها البعض في حماية ما تتصور أنه أمن واستقرار ومصالح عامة وعليا. هذه الخشية حاضرة دائما لكنها لا تعيق المشترك عن الدخول إلى صفحته في اليوم التالي والقيام بذات النشاطات التي اعتاد عليها. درجة الحذر والخوف من "الانكشاف" على النحو الأورويلي الكابوسي الذي يظهر في عدد من الأفلام، ليس شديدا عند المفسبك العادي، على ما يبدو من استمرار ازدياد أعداد المشتركين.


    في زعمنا أن "المفسبك" (وجمعها "الفسابكة" وهما كلمتان اشتقهما المؤرخ واللغوي اللبناني أحمد بيضون للإشارة إلى المنهمكين بعالم الفيسبوك مترامي الأطراف)، يشكل نقطة لقاء لعدد كبير من عمليات إعادة القولبة والتشكيلة و"التربية" بمعناها الواسع ما إن يلج هذا الموقع. يجد ههنا نفسه فردا وجزءا من جماعة ذات ميول محددة وقارئا مستهلكا على نحو قد يفيض عما يمارسه أثناء حياته الواقعية. تبرز فيه نزعات عدائية أو جوانب مخبأة من شخصيته، يتسم بالشجاعة أو يكتفي بالمراقبة السلبية لما يجري حوله. لكن كل ذلك يحمله معه عند خروجه من الموقع.


    من جهة ثانية، يترك المفسبك بصمته على وعي الآخرين الذين يردون إما بالتفاعل أو بالتجاهل. لكن ذلك يندرج في سياق عملية تفاعل كبيرة بين جميع المشاركين في النقاش أو الصمت أو التبادل. هل في الوسع حينها الحديث عن "وعي فيسبوكي"؟ أو عن قيم معينة ينتجها هذا التفاعل بين "الفرندز" (وهي رتبة تقل عن الأصدقاء في العالم الحقيقي، إذا رغبنا في تقسيم الصداقة مستويات ودرجات)؟ هل ترانا أمام "صواب سياسي" أو "مدونة سلوك" يتعلمها ويمارسها الفسابكة؟


    تنهض هذه الأسئلة عندما نأخذ في الاعتبار أن الفسابكة يمارسون أنواعا مختلفة من الرقابة على بعضهم البعض، ليس من خلال الزجر اللفظي المباشر أو إلغاء الصداقة أو الحجب ("البلوك") لكن أيضا عبر الشكوى إلى إدارة الموقع إذا اعتبروا أن واحدا من المشتركين تجاوز ما يعتقدون أنه خط أحمر بنشر ما يمس حساسياتهم الشخصية أو الدينية أو السياسية. وبذلك، يكونون عمليا قد وافقوا على مرجعية تحكيمية من خارج سياق الجدال الدائر. وعلى غرار كل سلطة، تحكيمية أو سوى ذلك، يترافق ظهورها مع السؤال حول شرعيتها وحقها في ممارسة الرقابة والمعايير التي تضعها في هذه الممارسة.


    والحال أن مواقع الإنترنت سوّت هذه الإشكالية منذ أعوام عندما حددت شروط الاشتراك أو الدخول إلى المحتويات التي تقدمها في ما يسمى "أسس الاستخدام" التي تعطي أصحاب الموقع صلاحيات رقابية واسعة، تتوافق توافقا فضفاضا مع قوانين البلد الذي سجل مؤسسو الموقع عملهم فيه، وتضيف إلى القوانين هذه جملة من القيود التي تضمن قدرا كبيرا من الحصانة القانونية والتجارية ما يضعهم في واقع الأمر في منأى عن قدرة الأفراد على المساءلة والمحاسبة. ومن لا يعجبه هذا الوضع في وسعه الخروج من "جنة" الموقع إلى عراء الواقع.


    إذن نحن بإزاء مواطنين أو رعايا، من جهة، وسلطة من جهة ثانية، من نوع جديد على قارة زرقاء جديدة يحق فيها للمشترك قول وإظهار وإعلان ما يشاء، وفي وسعه إنشاء مجموعته الخاصة التي يجوز أن تتراوح اهتماماتها من الشأن الفلسفي إلى تجارة قطع السيارات، مثلا، من دون أن يتدخل أحد في ما يقول ويفعل – أو هكذا يظن - إلى أن يكتشف أن كل ما كتب ودوّن قابل للاسترجاع بلمحة بصر وأنه قد يضطر إلى تبرير موقفه أمام أصدقائه أولا، وأمام إدارة الفيسبوك التي تمنح نفسها الحقوق السيادية على قارتها. لكن الفيسبوك ليس نظاما استبداديا قهريا. فمجال المراجعة والاستئناف والتمييز وفسخ الأحكام، موجود دائما إذا عرف المستخدم كيف يطرح قضيته أمام الإدارة وأن يتحمل "الروتين" و"البيروقراطية" الفيسبوكيين.


    قد يبدو الإكثار من استخدام المصطلحات العائدة إلى الحياة الواقعية من نوع السيادة والرعايا والرقابة والقارة وغير ذلك، ناهيك عن قضاء المشترك ساعات طويلة تشكل جزءا معتبرا من حياته أمام الشاشة، إن الفيسبوك ومواقع مشابهة، تسير على خطى إقامة واقع بديل حيث يتسع العيش فيه للتواصل والتفاعل الاجتماعيين بمعانيهما المختلفة بما فيها للعمل ذي المردود المالي وإنشاء الصداقات العميقة والعلاقات العاطفية وسوى ذلك.


    بكلمات ثانية، يحمل الفيسبوك كل العناصر اللازمة للتحول إلى واقع بديل، لا تنقصه الفرص ولا المخاطر ولا السلطات ويتحمل أن يناضل فيه المناضلون من أجل حريته وديمقراطيته، بعدما ناضلوا من أجلهما على الموقع، في سبيل قضايا "حقيقية". كل هذا يقود إلى سؤال سيزداد أهمية مع مرور الوقت ومع اكتساب الفيسبوك وكل مواقع الإنترنت المزيد من القدرات على التفاعل: ما الفرق بين واقعين "حقيقي" و"افتراضي"؟ بل ما هو "الواقع" ذاته؟