ما بين قيادة السيارة وقيادة الفيسبوك

20/07/2015 - 9:54:07

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

لبنى بجالي - باحثة من الأردن

    في بلدان لا تسمح لنسائها بقيادة السيارة خوفا عليهن من الانحراف، وفي مجتمع يزوج المغتصبة من مغتصبها طلبا للسترة، وبين أناس يحددون المرأة الشريفة من غير الشريفة بناء على ملابسها، يأتي الفيسبوك، هذا العالم الافتراضي ليفرض واقعا جديدا علي كل هذه المفاهيم والمعطيات. استخدمت المرأة الفيسبوك لتنادي بتحررها من الأعراف القبلية البدوية، ولتطالب بفصل هذه الأعراف عن الدين فجاءت الإجابة من الجمهور بتوصيفها بالعهر والفجور تارة، وبالثائرة والمتمردة تارة أخرى. وكان علي المرأة أن تختار بين طريقين، إما أن تواجه هذا الإرهاب الكلامي الفكري بالانسحاب والتقوقع، أو المجابهة والمجاهرة والكتابة، سواء باستعمال اسمها وصورتها الحقيقيين أو أن تستمر بمعركتها تحت اسم غير اسمها وصورة لا تعبر عنها.. فهي إما "أسيرة الظلام" أو "شمس الحرية" أو " صانعة المجد".. أسماء إن تمعنا بها قليلا فهي توحي برسالة، رسالة غضب أو رفض أو استنكار.


    هذا الإعلام التفاعلي الجديد خلق وعيا اجتماعيا جديدا عند المرأة بسبب تنامي شعورها بفرديتها وأيضا بسبب زيادة إحساسها بقدرتها على التأثير على الآخرين. فقد أحست بأن ما تكتبه يلقى صدى، وبأن هذا الواقع "الافتراضي" في الكثير من الحالات ينتصر لها "افتراضيا"، وتنتصر فيه المرأة "افتراضيا"، وتتحرر فيه ومن خلاله "افتراضيا".


    ظهرت المرأة على الفيسبوك مثقلة بهمومها الاجتماعية والدينية والذاتية. وبدأت باستعمال هذا الحيز للتعبير عن رأيها وتدوين أحلامها التي لا تستطيع أن تصرح بها لأحد، ومناقشة مشاكلها التي تخشى أن تناقشها مع أقرب الناس إليها. وأيضا استعملته ليكون الجسر الواصل بينها وبين الرجل لتبني معه علاقات صداقة أو حب أو جنس. تتحكم هي بالعلاقة ومصيرها وكينونتها فأصبح هذا الحيز هو حيز حريتها الذي لن تستطيع التخلي عنه وستحارب من أجله، فهو رمز لمعركتها الحقيقية في الدفاع عن حقوقها وعن وجودها كإنسان، في واقع يخنقها بقيوده. فأصبح هذا النشاط النسائي الفيسبوكي متنفسا لواقع غير عادل تجاهها.


    ثورة المرأة "الافتراضية" أصابت الواقع في صميمه، فكانت صدمة المجتمعات بصور نساء كن محجبات وقررن خلع حجابهن ووضع صورهن في ملابس تعتبر "خادشة للحياء العام". هي تشعر أنها تحررت وانتفضت وقررت أن تحيا عبر هذا الحيز. والمجتمع اعتبر ذلك انحلالا وانحطاطا وفسقا وفجورا. وصل الأمر بأن تعلن الفنانة المصرية "منى هلا" على الفيسبوك عن علاقتها مع حبيبها، وأنها تعتبرها كعلاقة الزواج لأنها مبنية على الحب والتفاهم، ومبنية علي الإشهار كالزواج. فثار الفيسبوك وناشطوه على هذا الخبر واعتبروه زنا وفجورا. فهل لهذا الفعل تأثير على الواقع؟ سنعود لهذا السؤال بعد قليل.


شعارات "جسدي ملكي".. فلتجعلوها تمتلكه إذن


    في خمسينيات القرن العشرين أسست النساء الدنماركيات حركة نسائية خرجت المرأة عبرها للشوارع عارية للمطالبة بالمساواة مع الرجل. كما شاهدنا عضوات الحركة النسائية "فيمن" يخلعن ثيابهن ويتعرين كاتبات الشعارات السياسية على أجسادهن العارية. كما خرجت المصرية "علياء المهدي" عارية في مدينة استوكهولم معبرة عن اعتراضها على عملية الاستفتاء على الدستور المصري. (دستور الإخوان 2012).


    فكرة التعري لتوصيل الفكرة أو الرسالة، هذا الأسلوب القديم الجديد، أخذ حيزه في فضاءات الفيسبوك. فنشاهد اليوم فكرة التعري من خلال الصور، والذي يتأرجح بين اللبس العادي "السافر"، إلى التعري شبه الكامل، وفي معظم الحالات تحاول المتعرية إيصال أفكار حول حرية المرأة ومساواتها مع الرجل. أو للاحتجاج على قيم تسود المجتمع وتقلل من قيمتهن ومكانتهن ودورهن، سواء بالتعري الكامل أو الجزئي. فبعضهن اعتبرن أن خلعهن للحجاب تعرٍ واستخدمنه كأداة احتجاجية أيضا. بالجهة المقابلة أطلقت مجموعة من الفتيات المسلمات من مختلف دول العالم، حملة إلكترونية رداً على المظاهرات العارية وجاءت هذه المبادرة تحت عنوان: "يوم فخر المرأة المسلمة"، وانطلقت هذه الحملة على مواقع التواصل الاجتماعي، سواء الفيسبوك أو تويتر، رداً على مظاهرة ناشطات من حركة "فيمن" النسائية الأوكرانية. ونشرت "النساء المسلمات" صور لافتات برسائل إلى "فيمن" مثل: "العري لن يحررني، وأنا لست بحاجة إلى إنقاذ"، أو "فيمن لا يمكنها إخباري بما يمكنني أو ما لا يمكنني ارتدائه".


    لا شك أن جسد المرأة هو الهم الأكبر لكل شعوب الوطن العربي. لا يعرفون ماذا يريدون منه؟ هل يقدسونه أم يعتبرونه نجاسة؟ هل يغطونه أم يكشفونه؟ الكل حائر والكل يفتي والكل له آراء في الموضوع. وكأن جسد المرأة هو قطعة أرض مشاع للجميع الحق في امتلاك جزء منها، وللجميع الحق في أن يكون له رأي فيه. بعض الناشطات النسويات اعتبرن النساء اللواتي يغيرن صورهن ويضعن صورا "فاضحة" بالمفهوم المجتمعي يقمن بإساءة لقضية المرأة. حتى هذا النوع من الناشطات النسويات واللواتي صرحن بشعورهن بالخجل من صور النساء على الفيسبوك، حاولن أن يضعن النساء جميعا في قالب واحد، ووقعن في فخ الدفاع عن الصورة النمطية التي يفرضها المجتمع على المرأة، متجاهلات أن كل امرأة هي المسؤولة الوحيدة عن قراراتها واختياراتها وبالتالي المسؤولة عن صورها وطريقة عرضها لنفسها ولفكرها ولجسدها.


    وتناسين أن الجسد العاري هو حالة طبيعية. فلو لم يكن طبيعيا لما درسوا في كليات الفنون الجميلة صورا للنساء العاريات، لما تم تصوير عشتار وفينوس وغيرهما كتماثيل عارية. فلم يحاكموا هذه التماثيل العارية، وحاكموا المرأة التي اعتبرت جسدها ملكا لها، تتصرف به كما تشاء وكما ترى.


العلاج النفسي الفيسبوكي


    تبدو علاقة الفيسبوك بالمرأة أحيانا كعلاقة الطبيب النفسي مع مريضه. فالكثير من النساء يتعاملن مع الفيسبوك باعتباره مكانا للعلاج النفسي. تذهب إليه المرأة لمدة تختارها هي لكي تعبر عن مكنونات صدرها التي لا تستطيع أن تبوح بها لأي كان. في الكثير من الحالات تستخدمه كما يستخدم مدمن المخدرات جلسات العلاج الجماعية ليلتقي بأناس لا يعرفهم، فيحدثهم عن حياته وأسباب إدمانه للمخدرات، وليناقشهم في مواقف حياتية حدثت معه. هم لا يعرفونه وهو لا يعرفهم، لكن هناك علاقة وجدانية تجمعهم من خلال خلفيات متشابهة أو هموم مشتركة. وربما تكمن المشكلة في أن طريقة الاستخدام هذه تجعل المرأة تعبر عن مكنونات صدرها، وتعبر عن جزء من أحلامها، وتفصح عن الكثير من همومها، لكنها تتخفي وراء صورة ليست صورتها في الغالب الأعم وأسم ليس لها، اختارته بعناية ليعبر عن حالتها.


    تستخدم الكثير من النساء الفيسبوك مدفوعات برغبة قوية في البوح. أو بقناعة راسخة برغبتها بالتغيير.. تغيير وضع المرأة بشكل عام. والذي يكون نابعا من إيمانها بأن الكلمة قادرة على التغيير. أو من إيمانها بأنها غير قادرة على تغيير واقعها فتستبدل بهذا العجز دفاعها عن المرأة بشكل عام. فنجد أن طريقتها في التعبير علي صفحات الفيسبوك تعبر عن الغضب الكامن تجاه واقعها هي، فتنقل استغاثة خجولا مرتبطة بتجربة شخصية من خلال قضية عامة.


    مكن الفيسبوك أية فتاة من أن تكون قادرة على الحصول على حريتها الافتراضية حتى في أكثر الأماكن محافظة. فلم تعد تحتاج للخروج من بيتها. يكفي أن يكون لديها خدمة الإنترنت لتفعل ما تشاء وهي في بيتها وأبوها جالس أمامها. تؤثر هذه الطريقة في التعامل مع الفيسبوك على رؤيتها لنفسها وليس فقط رؤيتها لمجتمعها، حيث تجعلها في محاولة دائمة للظهور بصورة مثالية وتقديم نفسها للعالم الافتراضي بصورة قد تكون مغايرة للواقع، عن طريق نشر صورها وأخبارها وأفكارها وأحلامها، منتظرة الحكم عليها من قبل أشخاص لا تعرفهم. ونتيجة الحكم سواء بـ "اللايكات" أو بالتعليقات تكون منبع شعورها بالأمان والأهمية الوهمية.


على كرسي الاعتراف


    تكتب على صفحتها: "متزوجة منذ 4 أشهر، تزوجت ليس لأنني أريد بيتا وعائلة وإنما لأني أحب الجنس، أشبعت رغباتي والآن أشعر بالملل من زوجي، هو يريدني ويريد أن يمارس الجنس معي كل يوم، وأنا لا أريد. قررت أن أزوجه من أخرى فعرضت الحالة على صديقتي ووافقت... سأوافيكم بالتفاصيل".


    تكتب أخرى: "أنا متزوجة وعندي ولدان، متفاهمة جدا مع زوجي وأحبه لكنه في الفترة الأخيرة أصبح يطلب مني طلبات لا أحبها تخص العلاقة الجنسية بيننا... حدثت مشاكل بيننا وتغير هو في تعامله معي بطريقة غريبة، فقد أصبح يحب أن أعذبه وأهينه.... ترك كل جسدي واهتم فقط بقدمي... لا أطيق هذا الوضع ولا أريد أن أخسر زوجي... فهل من اقتراحات؟”.".


    أيا كان الاسم.. فإن "حزن الحياة" أو "دموع الوطن"، تستخدم صفحتها كي تتحدث عن تفاصيل حياتها وتتشارك مع أصدقاء لا تعرفهم، وتحدثهم عن مشاكلها العاطفية والجنسية التي تعودت منذ الأزل على أن تخفيها حتى عن نفسها. بغض النظر عن رأي القارىء في مشاكل هذه الفتاة أو عن تحليله لدوافع كتاباتها التي من الممكن أن يعتبرها خادشة "للحياء العام" إلا أنها تدل على التطور الذي جعل هذه الفتاة، وإن كانت متخفية خلف شخصية وهمية، أن تعلن احتياجاتها ومشاكلها العاطفية والجنسية. فهذه المشاكل كانت من التابوهات الكبرى، والتي كان المجتمع، ولا يزال، يحاول التستر عليها وكنسها وإخفائها تحت سجادة، والدعاء ألا تظهر على السطح أبدا. وظهور هذه التعبيرات علي السطح بما تحمله من مشكلات هو إعلان عن رفض الختان العقلي والجسدي والجنسي للفتاة. إعلانها عن احتياجاتها الجنسية هو إعلان عن إنسانيتها، ومشاركتها لمشاكلها وهمومها هو إقرار بكينونتها وحقها في الحياة.


    فعندما تجد رجلا يكتب تحت اسم مستعار عن علاقته التي استمرت أكثر من ثلاث سنوات مع زوجته، ويشكو من أنه فقد أي رغبة في أي علاقة جنسية، وتراقب كم التعاطف ومحاولة إيجاد الحلول له، لدرجة المتابعة لحالته بعد فترة لمعرفة إن نجح في حل مشكلته أم لا، تتأكد أن الحقوق الجنسية هي حقوق محصورة للذكر، بالمطلق، حتى على صفحات الفيسبوك. وهو ما لم يمنع المرأة من أن تخترق هذا "الإطلاق" لتفرض حقوقها بإعلان مشاكلها ورغباتها الجنسية، ولتمنع احتكار الحق الجنسي من قبل الرجل في هذا الفضاء الالكتروني.


   تقول يقول الحديث: "ما اجتمع رجل وامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما". هذه قاعدة دينية تحركت من الواقع كي تطال الفيسبوك. فبدأت الفتاوى التي تحرم أي علاقة بين الرجل والمرأة على الصفحات العامة أو من خلال الشات الخاص. كما فرض بعض الرجال على نسائهم حصارا “افتراضيا/ إلكترونيا” لمنعهن من بناء أي علاقة افتراضية مع رجال. بينما سمحوا لأنفسهم باستعمال هذا الفضاء ليبنوا العلاقات البريئة وغير البريئة.


    خلق الفيسبوك ساحة للتعبير عن الآراء ومحاولات التغيير. وساعد الكثيرين ممن يعانون من مشاكل العزلة أو الخجل في التعامل مع الآخرين على التغلب على هذه المشاكل، واستخدام مواقع التواصل الاجتماعي في علاجها. فتح هذا الفضاء آفاقا لتفريغ الشحنات العاطفية المكبوتة، فبدأت الدردشات وإقامة الصداقات ووصلت لحد إقامة العلاقات الجنسية. وقد يعتبر البعض أن هذا من مساوىء الفيسبوك القاتلة، وقد يعتبره آخرون فسحة للتعارف والتقارب مع الجنس الآخر. في جميع الأحوال فإن إستخدامه بهذا الشكل هو واقع، وهو اختيار لكل شخص.


    المرأة لا ترى تحررها من منطلق واحد. فهناك امراة ترى تحررها في حصولها على الشهادة العليا أو على عمل يقوم به الرجال فقط. وهناك من تري تحررها في إشعال سيجارتها على مرأى من الجميع أو شرب كأسها في مقهى على الطريق، أو أن ترتدي ما تريد، أو تضع صورتها عارية على صفحات الفيسبوك.. كلها خيارات، اختارتها بإرادتها. والاختيار أول خطوات التحرر والحرية.