أكره الثقافة

20/07/2015 - 9:46:24

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

هدى توفيق- قاصة مصرية

جاء تعييني في بدء حياتي العملية إلى زاوية أبو مسلم التابعة لإدارة أبو النمرس بمحافظة الجيزة.. لأعمل أخصائيا اجتماعيا، في مدرسة ابتدائية بينما أنا أعيش في شارع الهرم، بعد تجربة الانتقال القاسية إلى تلك القرية، علمت ممن يمرون عليها بالجاموس والحمير فتيات أو صبيان أنه لا توجد مواصلة تدخلك إلى داخل القرية، حيث المدرسة.. لا بد أن أسير مشيا علي الأقدام.


    تضايقت، وعزمت علي السير، الذي استمر لأكثر من ثلث ساعة في طريق أغلبه ترابي فهو ممتد لحوالي أكثر من كيلو ونصف، ومرت صعوبة التجربة إلى أن أصبحت لى تمرينا رياضيا مفيدا لشبابى وصحتي، لم يكن هناك أي عمل غير عمل البحوث الاجتماعية؛ لمنع دفع المصاريف، أولاد وبنات المدرسة جميعا من القرية، يخشون الأستاذ مصطفى آياتي. وكيل المدرسة أكثر من المدير نفسه القادم أيضا من الهرم، لأنه ببساطة هو كشيخ البلد، يعرف كل كبار العائلات، والعمدة، وضابط النقطة الشرطية.


    إذا أخطأ أو تجاوز أي تلميذ يأتيه مصطفى آياتي محذرا إياه، وإذا لم يتعظ يحضر الفلكة ويعبطه علي قدميه. هذه الأمور بالطبع، حتى لا نستخف بعقل القارئ، كانت في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات قبل حضور الألفية الثالثة تماما، أعتقد الآن، وبعد مرور سنوات العمل والجد رغم أنني تركته من فترة طويلة، لم يعد هناك فى ذاكرتي سوى مصطفى آياتي والفلكة، تبدلت الأحوال وجيل الألفية الجديدة، وجيل ثورة 25 يناير 2011 أصبح مختلفا تماما، لكني كنت للحق معجبا جدا بشخصية هذا الرجل مصطفى آياتي، ولا أعارضه في أي شيء يأمر به رغم أنه إلغاء لوجودي تماما، الذي اقتصر علي ملء أوراق روتينية كعادة كل المؤسسات الحكومية في مصر؛ فمصر بلد الأوراق. كانت القراءة شاغلي الوحيد، لم أكن قد تزوجت بعد.


    وفي إحدي مرات السير على الأقدام، للذهاب إلى عملي، رأيت فتاة فلاحة فاتنة شعرها المتبقي من طرحة حمراء أصفر ذهبي وعيناها باهرتان خضراوان، خمرية اللون، أشبه بالجمال المكسيكي أو البرازيلي لا أعرف، تدفع بقدميها الأنبوبة جرا، لتستبدلها من المستودع الذي لا يبعد عن المدرسة كثيرا والذي نقل بعد ذلك بعيدا جدا بعد أن انفجرت إحدى الأنابيب، وكادت تحرق القرية بأكملها، قفز قلبي وتمنيت أن أقترب ولو للحظات لأتأمل هذا الجمال الذي يقطن وسط الأحراش والتراب، والعفن، والغبار، والقذارة البادية في جلبابها المنقرش بألوان بهتت من كثرة الاستعمال والغسيل، مر الأمر بسلام واستعدت توازني، وحاولت أن أنسى أمرها واكتفيت أن أصرح لنفسي على الأوراق كمن يصرخ داخليًا دون صوت.


    في بداية الأمر نصرخ بكل حماس، بأن الأمر يعنينا وبعد مرور الوقت العصيب، أفقد حماسي بشدة، وأشعر بإهانة كبيرة داخلي تجاه هذا الجمال الطاغي، المقهور في براثن التخلف والقهر والجهل. وثمة إحساس داخلي جدا، يؤرقني، ويعذبني للغاية، وأشعر بالإثم الذي لا صوت له، ولا مدلول، غير أنين مكتوم يعم قلبي، ويخترق عقلي بذكريات مشاهد مؤثرة، لا تفارق مخيلتي، تنغص عليَّ في لحظات التأمل، الاختلاء مع نفسي ويتحول الأمر إلي ما هو شبه بموقف هستيري وأنه حدث لي كذا في يوم كذا، ربما يسقط تحديد الأيام من حساباتي، لكن الوجوه، والنظرات تظل جاثمة في أفق الذكريات كخفافيش الظلام، فتضلل أداءات عقلي، وتتشابك التفسيرات والتأويلات، ويثير حنقي لكل ما يحدث في العالم، من بؤس، وشقاء وعنف لا حدود له، ولا يفني أبدا، وأبدو رخيصا جدا أمام نفسي التي تكتفي بالمشاهدة، والابتسام.. ابتسامة صفراء باهتة ولا تتجاوز أي معني من المعاني الكبيرة والمجدية والحاسمة.. لأي أفق آخر غير حالة اللاجدوي، اللامبالاة "مفيش فايدة".


    أهذه هي المعرفة، والثقافة، أن تجرحني هكذا، بإشعال نيران الحيرة، وحسابات النفس العسيرة، والتساؤلات المروعة، والأجوبة غير المرضية بالمرة. ينساب في قلبي جرح غائر وعميق.. ويأتيني وجهها المشع بصهد الشمس الواضحة، التي زادته وهجا وجمالا وهو يضخ بدماء العافية، وهى تدفع أنبوبة البوتاجار بقدميها.. والعزيمة والبقاء وعندما أرنو متخيلا مدي حضنها الدافئ، وبساطتها السالمة والآمنة والوديعة، أهدأ إلي حد كبير وأرد بسلام وحب لا يأتيني كثيرا في شذى عطره مع فتاة الأنبوبة الفاتنة.