مواقيت الظل

20/07/2015 - 9:45:22

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

د.هشام قاسم - طبيب وكاتب مصرى

حيث لا زرع ولا شجر حول سور مدرسة السلام الحديدى بتلك المدينة الجديدة المخصصة للضباط والتى أنشئت داخل الصحراء.. فإنه ليس هناك ظل طوال نهار اليوم خارج المدرسة إلا ظل عمود خرسانى عند زاوية سورها المواجه لكشك الحراسة الخشبى الذى يجلس فيه فرد الأمن. يتميز بأنه أطول وأعرض من زملائه أعمدة الزوايا الأقصر و الأكنز.


لتلكما الميزتين المحدودتين لظل هذا العامود ركنت إليه امرأة ريفية تحمل رضيعا تبيع الجبن القريش والزبد .


عندما ظهرت فى المدينة كانت تلفها من قطاع لقطاع، ومن مربع إلى مربع و المشنة على رأسها دون أن تبيع سوى بيعة أو بيعتين . المشترون الحقيقيون هن مدرسات مدرسة السلام قبل دخولهن فى الصباح إليها وبعد خروجهن منها بعد الظهيرة . لامت نفسها:


- لما اللف والدوران على بيعة أو بيعتين .. الواحدة تقعد قدام المدرسة أفيد و أريح.


من قبل أن يأتى المدرسون والطلبة فى السابعة تجلس أمام بوابة المدرسة على الأرض وتظل تحت الشمس التى لا ترحم وهى فى السماء البعيدة عن المدرسة، ثم وهى ترتفع لتبقى فوق المدرسة وفوق رأسها، ثم وهى تميل مبتعدة عن سماء المدرسة فى الجهة الأخرى تحملتها طوال أشهر الدراسة لكن عندما توقفت و أتت أشهر الصيف كانت أحمى ما تكون أشد من جلسة الخبيز أمام الفرن.


بعد انتهاء قدوم المدرسات إلى المدرسة فى فترة الصباح- بما فيهن المتأخرات-تجولت بعينيها يميناً ويساراً حتى ظهر لها الظل الممتد لعامود سور المدرسة الخرسانى بعرض الرصيف. تلكأت فى التحرك لكن عندما اقتربت الظهيرة واشتدت الشمس عليها رفعت المشنة إلى رأسها وتحركت نحو شق الظل قبل أن يختفي.


الإنعام بالبعد عن الشمس العافية فارقة معها مهما كان زمهرير الجو المحيط بها لذلك كلما تحرك الظل تحركت معه.. تدور حول مركز الظل.. العامود المميز كما تدور الأرض التى تجلس عليها حول الشمس المستقوية . فى الصباح قبل دخولهم المدرسة عندما تكون الشمس آتية من السماء التى فوق قطاع المدينة الأول (أ) تجلس هى إلى غرب العامود وجهها فى وجه عسكرى الحراسة الذى ينعم بالظل داخل صندوقه. يأخذ الابن منها ليداعبه كلما ضجرت منه ومن زنه أو خاف عليه من شدة الشمس ولا تحميه قطعة الظل التى تتحامى فيها الأم عند الظهيرة، تلتصق بالعامود تماماً لتنعم بأى قدر من الظل، وعندما تعبر الشمس فوقها باتجاه القطاع الآخر من المدينة تدور باتجاه شرق العامود مديرة ظهرها للعسكرى بعد أن تعطيه ما اعتاد أن يأخذه منها.. قطعة جبن أصغر من ربع الكف «جدعنة».


لا يلمحها بسهولة فى هذا الوضع الجديد الذى تجلس فيه على الضلع الآخر لزاوية السور الخارج من بواية المدرسة .. إلا أنه معروف أنها موجودة كالشمس إذا اختفت من خلف السحب . أغلب المدرسات يأتين إليها فى مرواحهن ليشترين منها. بعد انتهاء لمة المدرسات من حولها تبقى للمشترين الفرادى الذين يأتون إليها من حين إلى آخر.


عندما يزداد غروب الشمس وتكون أخف ما تكون عليها ويزداد الظل المفروش من حولها ينعدم الشارون فتلم حاجياتها وترفع المشنة على رأسها وتمضى إلى خارج المدينة إلى حيث لا يعلم أحد.