أبولّينير موكب أورفيوس

20/07/2015 - 9:44:08

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

ترجمة وتقديم: حسين عبد الزّهرة مجيد - كاتب عراقى

    كنا على موعدٍ مع الربيع


          ما إن سرى العصيرُ العتيقُ في سواعد الشجر، حتى تسلّل الصقرُ المُجنّحُ إلى الردهة السادسة في المستشفى الجمهوري العتيق بالبصرة. حطَّ على القدم، وأخذ يقرِض في الإبهام. كنتُ أنظرُ إلى الشاعر مسجىً بالبياض، وأقولُ هل تغادرُ الشمسُ قلوب الشعراء! لكن الشعراء لا يعرفون البتر، ولا يموتون بنوبةِ خريفٍ أو شتاءٍ واحدة. يتغير الشعراء، فيخترقون عاداتنا بالشعر، أسلوب حياتهم المتكاملة. وفي الحديث النبوي الشريف إن للهٌ كنوزاً لا يعلم مفاتيحها غير الشعراء.


          قلتُ أعودُ!


          عدتُ إلى هذا الديوان الصغير الذي ظهر قبل مئة عامٍ أو يزيد، وكان أولَّ الحداثة. أعرفُ حُبَّ الشاعر حسين عبد اللّطيف لصنوه الفرنسي جيوم أبولينير (1880 ـ 1918). وها أنا، مرةً أخرى، أردُّ التحيةَ لهما.


أورفيوس


أكبِر بالقوة الحيّة


ونُبلِ المُحيّا


ها هو الصوتُ الناطقُ بالضوء


كما جاء في البيماندير، كتابِ هرمز


السُلَحفاة


من تراقية الساحرة، هذا الجنون!


أصابعي الماهرة تناغي الأوتار


فتُهرَعُ لها، ولأغنياتي


الكائنات


الحصان


عرفتْ أحلامي العصيّة ركوبَك


عربةَ نصيبي الذهبية، سيارتَكَ البديعة


كيما تتشبثُ الأعنّةُ بالجنون،


قصائدي نماذجٌ لكل الأشعار


عنزة التبت


شَعرُ هذه العنزة،


وحتى صوفُ جاسون الذهبي


لا يضاهي شعرةً واحدة


في ضفائر حبيبتي


الأفعى


غريم الجمال


كم امرأةً ذهبت


ضحيةً لقسوتك!


حوّاءُ، يوريداس، كيلوباترا


وأعرف ثلاثاً أو أربعاً غيرهن


القط


أريد لبيتي


امرأةً عاقلة


قطةً تخطو بين الكتب


وأصدقاءَ لكلِّ الفصول


من دونهم لا أعيش


الأسد


أسدٌ! عنوانُ


الملوك الخاسرين


واليومَ، لا تولدُ إلاّ في قفصٍ


في هامبورج، بين الألمان


الأرنبُ البرّي


لا تكن فاسقاً كالأرنب


ولا ذليلاً كالعاشق


دع عقلك يغتني دائماً


بالمواليد


كالأرنبة


الأرنب


أعرف أرنباً آخرَ


بودي لو أصطاده حيّا


بيته هناك بين الصعتر


في أرضِ الأحلام


الجمل


بجماله الأربعة


طاف الدون بيدرو


العالم وأخذه العَجَب


فعل ما أتمناه


لو كان لي مثل تلك الجمال


الفأر


الأيامُ الجميلة، فئران الزمن


تقرضن حياتي، قمراً بعد قمر


إلهي! سأبلغ الثامنة والعشرين


أنظرُ في السنين التي ضاعت سدى


الفيل


كالفيل


في فمي كنزٌ


أيها الموتُ الأرجواني! 


أشتري صيتي بالكلمات


أورفيوس


أُنظرْ إلى هذه القبيلة المفترسة


ألفُ قدمٍ، وألفُ عين


خنافسُ، حشراتٌ، قملٌ


وجراثيم أكثر دهشة


من عجائب الدنيا السبع


ومن قصر روزموند!


اليُسرُوع


العملُ سبيلُ الغنى


اعملوا أيها الشعراء المساكين!


تنهيدة اليسروع المتصلة


تصبح فراشةً غنيّة


الذبابة


الأغاني التي يرددها ذبابنا


حفظها في النرويج


من الذباب الساحر


ملك الثلج


البُرغوث


براغيثٌ، أصدقاءٌ، وعشاقٌ أيضا


يا لَقسوة المحبين!


نُريقُ لهم دمنا


يا لَخيبة الأحباب


الجُندُب


ها هي الجرادةُ الهيفاء


قوتُ القديسِ يوحنا


فلتكن قصائدي


وليمةً لأفضل الرجال


أورفيوس


ليكن قلبك طُعماً، والسماءُ غديرا!


أيُّ صيدٍ من الأنهار أو البحار


يضاهي في الصورة أو الحلاوة


تلك السمكة الباهرة، يا رسولي، يا منجاتي؟


الدولفين


دلافين، تمرحُ في البحر


لكنّ الأمواجَ مُرّةٌ


أيثورُ فرحي أحياناً؟


والحياةُ قاسيةً ما تزال


الإخطبوط


يقذف حبره على السماوات العالية


يمتصُّ دماء المحبين


ويراه حلواً


أنا، ذلك الوحشُ الأثيم


قنديلُ البحر


ميدوزات، رؤوسٌ بائسة


شعرٌ بنفسجيٌّ


يا من تفرحن بالأعاصير


كذلك أنا، لي أعاصيري


جرادُ البحر


مريبةٌ، يا لأفراحي


كجراد البحر، نمضي


إلى الوراء


إلى الوراء


الشَّبّوط


كم سنةً تعيشُ


في بِركك المزدحمة!


سمكَ الكآبة


هل نسيك الموت؟


أورفيوس


ملكةُ الطائرِ الرَّفراف


حبٌّ، وحورياتٌ مجنّحة


تعرف الأغاني المميتة


مهلكة، وهمجية


لا تلتفت لتلك الطيور اللعينة


واسمع نداء الملائكة


حورياتُ البحر


أيتها الحوريات، من أين يأتي السأم


حزيناتٌ تحت النجوم؟


أنا مثلك أيها البحرُ، تملؤني الأصوات المكسورة


وسفني تغني، فتُسمّي السنين


الحمامة


حمامةٌ، حبٌّ وروح


ولَدَت سيدَنا المسيح


أنا مثلُكِ أحبُّ مريمَ أخرى


وأتزوجها


الطاووس


هذا الطيرُ، حين ينشرُ مروحته


ويَجِرُّ ريشه


يزدادُ جمالاً


لكنه يكشفُ عن أسته


البوم


قلبي المسكينُ بومٌ


يتسَمَّرُ، ويتحرّر،


نشِفَ دمَه، ورَكَّ


أباركُ كلَّ محبيني


أبو منجل


أجل، سيضمني الثرى


يا موتُ، يا محتوم!


أبو منجل، الكلمةُ اللاتينية الحاسمة، المخيفة،


طائرُ النيل الأصيل


الثور


أصدقائي، هذا الملاكُ يُسبِّحُ في الجنّة


حيث يلتئمُ الشملُ


مع الملائكة


إن شاء الله