الأغنية الوطنية في مصر عبد الناصر.. شمس لا تغيب

20/07/2015 - 9:41:58

الأبنودى الأبنودى

د. ياسمين فراج - كاتبة مصرية، أستاذة النقد بأكاديمية الفنون

    الأغنية الوطنية محركة الشعوب في أي زمان ومكان، تبث في الجنود روح القتال، وتؤرخ لانتصارات الأوطان والأحزان، وفي أوقات الاستقرار تكون البديلة عن حديث السياسة والنضال.


    كانت الأغنية الوطنية في مصر ومازالت بأنواعها المختلفة (قومية، سياسية، حماسية، دعائية) داعمة لأنظمة سياسية وهادمة لأنظمة أخرى، تؤرخ لأحداث الوطن، تعبئ الشعوب ضد مقاومة المحتل، وأخيرا تروج وتمجد زعماء ورؤساء لالتفاف الشعب حولهم. ولكن دائما ما يتردد في أذهان الكثيرين تساؤل يبحث عن إجابة: لماذا استمرت أغنيات الخمسينيات والستينيات الوطنية في أذهان وقلوب المصريين، وامتد تأثيرها لأجيال مختلفة؟ ولعل ثورة 25 يناير شاهدة على أن أصوات مطربي ومطربات خمسينيات وستينيات القرن العشرين كانت تتردد بالكلمات والنغمات لتشعل المشاعر الوطنية وتوقظها وتمنحها الصمود من أجل الدفاع عن المستقبل.


من يوليو 1952 إلى يونيو 1967


كانت لثورة 23 يوليو 1952 ستة أهداف:


   أولا: القضاء على الإقطاع: أنتجت أغنيات تعضد هذا الهدف، بعد قانون الإصلاح الزراعي، منها "فدادين خمسة" غناء محمد العزبي، "اديتني الثورة خمس فدادين" غناء عبد الغني السيد.


   ثانيا: القضاء على الاستعمار: أنتجت أغنيات مثل "نشيد التحرير" غناء ليلى مراد، "أجراس الحرية" غناء فايدة كامل، "نشيد العهد الجديد" غناء عبد الحليم حافظ.


   ثالثا: القضاء على سيطرة رأس المال على الحكم: أنتجت أغنيات مثل "مصانعنا الحربية" غناء فرقتي الثلاثي المرح وثلاثي النغم.


   رابعا: إقامة حياة ديمقراطية سليمة: أنتجت أغنيات مثل "إحنا الشعب" غناء عبد الحليم حافظ، "احكم يا شعب" غناء فايدة كامل، "إرادة شعب" غناء أحمد سامي.


    خامسا: إقامة جيش وطني قوي: أنتجت أغنيات مثل "أرض وجيش" غناء المجموعة.


   سادسا: إقامة عدالة اجتماعية.


   واستمر هذا الدعم الفني الذي صاحبه دعم مادي أيضا من أهل الفن، بعد هزيمة 1967، حتى انتصارات أكتوبر المجيد 1973.


    وكان الرئيس جمال عبد الناصر مدركا أهمية القوة الناعمة التي منها الموسيقى والغناء وتأثيرها القوي في تحقيق أهداف "الحركة المباركة"، ولعل الكلمة التي ألقاها في أحد خطبه عن قوة الفنون وتأثيرها في المواطن تثبت ذلك، وقال فيها: "إن الفن أصبح من أقوى الأسلحة في معركة الحرية السياسية ضد الاستعمار وضد الاستغلال، ومازالت في ذاكرتنا جميعا مشاهد من أعمال فنية كانت من أكبر مصادر الإلهام في كفاحنا الوطني، كذلك مازالت في أسماعنا أصداء أناشيد كانت أقوى ما حملناه معنا إلى ميدان القتال من عتاد، كانت الكلمة في مثل قوة طلقة الرصاص في نضالنا وكذلك كان النشيد". ولذلك دائما ما دعمت الأغنية في الفترة ما بين 1952 مرورا بأغنيات العداون الثلاثي على مصر، والوحدة الاندماجية بين مصر وسوريا، وأغنيات تعبئة الشعب والجيش بعد 1967 حتى تحقق النصر في 1973.


    ولكن لماذا يحظى الكثير من تلك الأغنيات الوطنية بشعبية كبيرة وتظل هي الأفضل بين أجيال الشعب المصري؟


    أولا: لأن الكلمات التي كتبها شعراء تلك الفترة للأغنية الوطنية مثل بيرم التونسي وأحمد شفيق كامل وحسين السيد، وصلاح جاهين، ومرسي جميل عزيز، وصالح جودت، وعبد الفتاح مصطفى، وغيرهم، كانت نابعة من شعور وطني قومي عام، فعموم الشعب المصري كان كتلة واحدة غير متشرذمة.


    ثانيا: كانت هناك علاقات إنسانية شخصية بين مجموعة من الملحنين والشعراء والمطربين والمطربات، فعلى سبيل المثال عبد الحليم حافظ كان صديقا على المستوى الشخصي لكل من كمال الطويل ومحمد الموجي. كذلك كانت أم كلثوم ورياض السنباطي وأحمد رامي. ومحمد عبد الوهاب وحسين السيد. ومحمد عبد المطلب ومحمود الشريف. وكانت فكرة فريق العمل هي السائدة في مجال الموسيقى والغناء، وكانت هذه العلاقات الإنسانية تخلق كيمياء بين أعضاء فريق العمل يكون نتاجه أعمالا موسيقية لها خصوصية وجودة عالية.


    ثالثا: علاقة المطرب أو المطربة بالفرقة الموسيقية كانت علاقة إنسانية وليست عابرة ، لأن أغلب بروفات الأغنيات كانت تتم في منزل المطرب أو المطربة بشكل دائم ومنتظم، هذه البروفات المنتظمة كانت عاملا رئيسيا في نجاح العمل الغنائي ونجاح المطرب.


    رابعا: كانت أساليب تسجيل الأغنيات آنذاك تعتمد على الدفقة الشعورية للمطرب والفرقة والكورال معا. حيث تُجرى مجموعة من البروفات بين المطرب والفرقة في وجود الشاعر والملحن عدة مرات فتتلاحم مشاعر وأحاسيس الجميع مع بعضها البعض، ثم يتم تسجيل الأغنية دفعة واحدة وكأنها تقدم في حفل حيّ، فتخرج الأغنية إلى المتلقي حاملة حرارة هذه الدفقة الشعورية غير المصطنعة. وبسبب هذا التجانس بين المطرب والفرقة ومهندس الصوت والشاعر والملحن تكتسب الأغنية مصداقيتها التي هي عامل رئيسي وراء بقاء الأغنيات التي توفرت لها هذه الأجواء الإنسانية.


الأغنية الوطنية المعاصرة:


    بعد انتصارات أكتوبر 1973 اختلف شكل ومضمون الأغنية الوطنية، للأسباب التالية:


    أولا: أدى ضعف المنظومة التعليمية (ما قبل الجامعية والجامعية) إلى صعود أنصاف شعراء، فكيف لمؤلف كلمات أغان وطنية أن يكتب كلمات لها وقع عميق في نفس المتلقي المتمرس والمثقف، وهو لا يمتلك قاموسا لغويا قويا، وهو لم يقرأ دواوين كبار الشعراء في جميع العصور السابقة؟


    ثانيا: بعد انتصارات أكتوبر المجيدة تحولت الأغنية الوطنية من داعمة لمجموعة من الأهداف الوطنية، إلى مجرد أغنيات احتفالية في مناسبات وطنية محددة مثل احتفالات أكتوبر، عيد تحرير سيناء، عيد الجلاء. وبعض هذه الأغنيات الاحتفالية تحولت إلى أغنيات دعائية لشخص الحاكم، ولعل أبرز هذه النوعية من الأغنيات كانت الأغنية الجماعية "اخترناك"، لافتقاد الشعب الالتفاف حول أهداف قومية وطنية محددة.


    ثالثا: ظهور مازج الأصوات (ميكسر الصوت) متعدد القنوات الصوتية، وبدأ في بداية السبعينيات بأربع قنوات صوتية ثم تزايدت إلى أربع وعشرين قناة صوتية، وأخيرا مع التطور التكنولوجي وصلت إلى عدد لا نهائي من القنوات الصوتية. هذه القنوات الصوتية أفقدت العمل الموسيقي الغنائي وحدته وطبيعته الإنسانية، لأنها قضت على ما يعرف بالبروفات بين المطرب والفرقة الموسيقية، ومن ثم اختفت من الأغنيات ما أطلقنا عليه "الدفقة الشعورية" التي تنتقل من المطرب إلى العازفين وبعضهم البعض. فكل عازف من أعضاء الفرقة الموسيقية يأتي في ساعة أو في يوم مختلف عن الآخر، ويقوم بعزف منفرد عن بقية زملائه، وكذلك المطرب الذي يغني بعد اكتمال تسجيل الآلات العازفة، وأحيانا يغني قبل اكتمال تسجيل الآلات العازفة لارتباطه بأعمال أخرى. وبذلك افتقدت الأعمال الغنائية التواصل بين المطرب والعازفين، أي الجانب الإنساني في العمل الفني الذي يكسبه المصداقية.


    رابعا: كان عدد الدارسين للموسيقى في الخمسينيات والستينيات قليلا، ولذلك كان الجهد المبذول في التدريب والعزف والتواصل مع ملحن ومطرب الأغنية أكبر. ومع تعدد الكليات والمعاهد الموسيقية بات عدد الخريجين في تزايد، ولم يعد العازف يعول على الجلوس مع الملحن أو المطرب لمعرفة بعض التفاصيل المتعلقة بالتعبير عن أجواء العمل الموسيقي ككل، وأصبح العزف ذاتيا، وفي الوقت نفسه آليا، حيث يقوم العازف بأداء المكتوب في النوتة الموسيقية، أو ارتجالها كل حسب آلته التي يعزف عليها، وفي جميع الحالات يعزف كل منهم بإحساس مختلف عن الآخر، ولذلك نجد أن المجموعة الوحيدة التي تعزف كمجموعة داخل استوديوهات تسجيل الصوت هي مجموعة الكمنجات لتوحيد النبر والتظليل الصوتي في الأداء. ولكن في العموم افتقد العمل الموسيقي الكثير من وحدة المشاعر بين صناعة الأغنيات ومنها الوطنية.


    خامسا: ظهور جهاز الأوتوتيون في استوديوهات تسجيل الصوت، وهو الجهاز المنوط بتصحيح أداء نغمات اللحن الذي يؤديه الصوت البشري، أوجد كما كبيرا من أنصاف ومعدومي المواهب الذين اقتحموا مجال الغناء، وللأسف يقدم هؤلاء أيضا الأغنيات الوطنية كما حدث في 25 يناير، فقد خرجت علينا أغنيات وطنية بأصوات لاعبي كرة قدم، فتيات إعلانات، وأنصاف مغنيين.


نوستالجيا الفنون


    حول ظاهرة الأغنية الوطنية بين الماضي والحاضر هناك عامل آخر ربما يغفله الكثيرون من النقاد، وهو الجانب النفسي للمتلقي، فجميع الأغنيات التي تُحسب على فترات ماضية من الزمن مرتبطة بشكل أو بآخر بجزء من تاريخ الأفراد، والأغنية الوطنية في الماضي ما هي إلا مثير يستدعي الزمن الذي أنتجت فيه بكل تفاصيله السياسية والاجتماعية والاقتصادية، إلى آخره، وهي التي تولد عند المتلقي مشاعر إيجابية تجاه الماضي الذي يوجد فيه أكثر من نقطة مضيئة بالنسبة له، وهذا ما يعرف بالنوستالجيا أو الحنين إلى الماضي، فالاستماع إلى عمل فني من الماضي يجبرنا نفسيا على عقد مقارنة بين الماضي بكل تفاصيله والحاضر، ودائما ما تنتصر صورة الماضي، لأننا ننتقي منه لحظات بعينها غالبا ما تكون لحظات النصر، والشباب، والقوة، وغيرها من الصفات الإيجابية.


    ربما تصبح الأغنيات الوطنية الراهنة في زمن لاحق هي أغنيات الزمن الجميل، أو ربما تسقط الأغنيات الوطنية لهذه المرحلة من ذاكرة تاريخ الفن نظرا لركاكة صناعتها إذا ما جاء المستقبل بما هو أفضل منها، وهنا علينا أن ننتظر ما سيقدمه لنا المستقبل.