محمد عبلة وحكايات البهجة

20/07/2015 - 9:38:09

الفنان محمد عبلة الفنان محمد عبلة

د. سماء يحيى - فنانة تشكيلية وناقدة مصرية

    "لغة الفن عالمية لكن الفن نفسه محلي" هذه الجملة التي قالها الفنان محمد عبلة ربما كانت تمثل خلاصة تجربته الفنية الخاصة ورؤيته للفن عامة، فرغم أن أعمال عبلة بصفة عامة هي لغة مرئية مفهومة للجميع، سواء دارسي الفنون والنقاد والمشاهد العادي في الشارع كما أن لها جمهورا داخل مصر وخارجها، إلا أنها تأتي دائما كانعكاس مباشر لجذوره وانتمائه وخبراته وثقافته وكل ما كون شخصيته.


    محمد عبلة فنان مصري حتى النخاع يحمل في تكوينه أفكارا وتجارب وخبرات ثقافات أخرى، لكنه في البداية والنهاية يعود لجذوره، هو متحيز للنيل والطمي والخضرة ولناس الأرض الطيبة البسطاء الأنقياء، ومتحيز أيضا للتفاؤل والبهجة والأمل، وأكبر دليل على ذلك ما أبدعه في معرضه الأخير بجاليري مشربية  تحت عنوان "حكايات لريم" (3 يونيو ـ 2 يوليو 2015) فكان تتويجا لكل هذا الاحتفال والانحياز للفرحة واللعب والبساطة والنقاء الإنساني.


    أعمال هذا المعرض تبدو للوهلة الأولى مرتجلة وعفوية لكنها في واقعها  حالة بحث عن التناسق والانسجام فيما بينها، يبدو توزيع العناصر في اللوحات كأنه تم وفق ما يمليه هوى الفنان دون حساب للتوازنات، كأنها مجموعة اختزالات لمشاعره وشخوصه وعناصره التي يحبها ولكنها في الحقيقة حالة تناغم إيقاعي ديناميكي عالية خلقها حوار حركي موسيقي، فخلف جماليات الطفولة العفوية التي تباغتك للوهلة الأولى، هنا تكمن الخبرة والتجربة الناضجة للفنان في طريقة تحقيقه للانسجام بين كل هذه العناصر رغم بساطة الأدوات المستعملة، واعتماده على تقنية السيلويت "فن قص الورق" في أغلب الأعمال المعروضة، فقد تخلى في معرضه هذا عن أدوات تعبيره المعتادة كلها مستخدما السيلويت، وهو واحد من أبسط وأعقد أدوات التعبير الفني عبر العصور، وهي ليست المرة الأولى لعبلة وإنما هي تجربته الثانية.


    أما الأولى فكانت في معرضه "السلم والثعبان" عام 1992، أما عن فن السيلويت فعمره يتعدى الألفي عام، فقد واكب اختراع الورق في الصين وانتشر بانتشاره في كافة أرجاء المعمورة، واستعملت كل الحضارات التي عرفت الورق هذا الفن الجميل على الأغلب في التعبير عن مناسباتها البهيجة والاحتفالية وفرحة أطفالها وتزيين جدرانها، فغالباً ما ارتبط السيلويت باللعب والبهجة، إلا أن عبلة في هذا المعرض حمل ذلك الوسيط التقليدي بفكر مبتكر وعالجه بطريقة معاصرة خالقا به عالما عجيبا يحكي حكايات متفردة. عالما خاصا جدا بالفنان سمح للمتلقين أن يشاركوه فيه ويحكوا معه حكايات متعددة ليست حكاياته لحفيدته ريم فقط، التي سمي المعرض باسمها، بل حكاياتهم هم أيضا وحكايات آبائهم وأجدادهم وأبنائهم وأحفادهم.


    يمكنك كزائر للمعرض أن تقرأ أعمال عبلة ببساطة على عدة مستويات دلالية تتراوح بين طفولته السعيدة المليئة بالمشاهد الريفية الجميلة بفتيات يحملن الإوز ونخيل وقطط وكلاب وزهور وكل ما يحتويه الريف من جمال، وكذلك أشكال لعفاريت وعسكر ومسؤولين، وما بين البلوغ والدراسة وصور الفنون التي درسها والمجتمعات التي عاش فيها، ما بين تأثيرات شرق أوروبا وفنون وسطها وغربها، وما بين المستقبل الحالم الأفضل المليء بالملائكة والأحصنة المجنحة الذي يتمناه لحفيدته، لكنك تستحضر دائماً وفي كل المستويات روح عبلة الطفل اللاعب الصاخب في جنبات لوحاته وأعماله الفنية دائما بمرح ومتعة وبهجة ينطلق دائماً من واقع عاشه أو يعيشه، أو يرى أنه سوف يعيشه مبدعا فنا بالبشر العاديين ومن أجلهم، فهو هنا يريدنا أن نحكي حكاياتنا بدون أي افتراضات أو توقعات منه لماهية الحكاية، فليس مطلوبا من المشاهد أن يفهم أعمال هذا المعرض بل المطلوب أن يعيش فيها، أن يحكيها ويرقص داخل اللوحات مع الشخوص الراقصة فرحا أن يقفز إلى داخل اللوحة ويعايش بهجتها كما تتقافز شخوصها نحوه باعثة روح البهجة فيه وفي أرجاء المكان. هي مغامرة بصرية مدهشة يريدك الفنان أن تخوضها معه ولا يريد منك أكثر من ذلك.


    أكثر ما يلفت النظر، بل الأكثر إدهاشا في معرض عبلة "حكايات لريم"، هو الجدارية، هذه الجدارية التي قد تستدعي لعقلك الفن البدائي أو الفرعوني أو ربما كان الأقرب لها تلك الرسوم الشعبية التي ترسم على حوائط البيوت الريفية، فقد استطاع عبلة فيها أن يحقق الاتزان والتناغم الحركي والانسجام ووحدة الإيقاع، وكذا التنوع دون استعمال أي ألوان سوى الأسود للورق والأبيض للحائط، وتتكون هذه الجدارية العجيبة من شجرة ممتدة الجذور في الأرض كأنها تضرب بجذورها في الزمن وممتدة الأفرع في السماء بحثا عن مستقبل، عن أمل، حولها فتيات ونساء يرقصن إحداهن تحمل "الطشت" وفيه إوزة بينما يصعد حمار سلما ليتسلق الشجرة التي يقف على أحد أفرعها في الجانب المقابل جمل في حالة سكون وحركة في الوقت نفسه فتشعر وكأنه سوف يسقط عن الغصن إلى الخلف وكذلك هو يتقدم إلى الأمام بخطى ثابتة مما يعطي المشاهد إحساسا بحالة من الترقب للقادم، أيضا يوجد قناع إفريقي ينظر للفتاة حاملة الإوزة وأربعة راقصين متشابكين في دائرة بهلوانية تعلوهم شمس، وفي أعلى اليمين نشاهد قارب صيد يحمل صيادا وإلى جواره سمكة عملاقة رمز الخير والنماء والخصوبة في الموروث الشعبي، وعلى الجانب الآخر يحلق أعلى الشجرة حصان الأحلام المجنح نحو نجمة في تأثير أوروبي شرقي واضح، كذا نرى إلى أقصى اليسار طيورا محلقة إلى خارج المشهد يرد عليها هدهد ينظر نحو الشجرة ليعيدنا إلى الداخل مرة أخرى لنتأمل ما يوجد أسفل الشجرة وعليها من قطط وعصافير وطيور متنوعة وزهور وبيوت ريفية وعرائس يركضون ويرقصون في ديناميكية، وأطفال يلعبون بحلقات وعجل وطائرة ورقية، في حالة من الديناميكية الحركية المذهلة في إطار زمان ومكان سائلين بلا حدود، في حكاية ماضية أو مضارعة أو آتية حقيقتها أنها بلا وجود إلا في لحظتنا الحاضرة، لأن عناصرها بمجرد أن تتفكك عن الحائط لن تجتمع مرة أخرى على صورتها التي وضعها فيها الفنان في لحظة انتابه فيها شعور ما دفعه لتجميعها بهذا الشكل، ولن تتكرر هذه اللحظة مرة أخرى، فسيلويت عبلة هذا متعدد الدلالات يتميز رغم كل هذا التنوع بالوحدة والاتساق والانسجام. نحن أمام عمل فني على مستوى رفيع زاخر بالتفاصيل الصغيرة حافل بالنغم مفعم بالفكر وبقوة أداء تعكس درجة النضج في التفكير والمهارة التقنية التي وصل إليها الفنان الذي أثبت قدرته على مخاطبة الوجود الإنساني، بكل اللغات، بإبداعه لعمل ذي جذور محلية برغم استعماله عناصر من ثقافات أخرى استحضرها وطوعها برؤيته المصرية ليجعلها مفهومة لكل البشر على اختلاف أجناسهم ومشاربهم.


    احتوى المعرض أيضا على لوحات عبارة عن شرائح الاستنسل التي استخدمها الفنان في أعماله المطبوعة يظن المشاهد لوهلة أن هذه الشرائح سوداء اللون ولكنها في حقيقة الأمر تحمل طبقات متعددة من الألوان نتيجة استخدامها في الطباعة ليحملها الفنان فكرة أوسع، وكأنها طبقات حملها الزمن لأشكال وضعها الفنان على أرضيات تنوعت مابين الأبيض فقط وأبيض ثبت عليه قصاصات من ورق ملون لتعطي الأشكال إحساسا بالحركة، ففي هذه الأعمال يبدو التضاد واضحا بين خطوط رسوم القطط والجنود والعصافير وغيرها من العناصر اللينة مع شيء من الحدة والخطوط الهندسية القاطعة الواصلة بينها، كما يبدو أيضا واضحا هذا التضاد بين الكتلة الداكنة والفراغ الزاهي الألوان حولها، ونلاحظ أنه يعمل هنا على القواعد الأساسية لفن الطباعة رغم استعماله لقالب الاستنسل كعنصر مكون للوحة، وقد شكلت هذه اللوحات ترديدات وتنويعات للفكرة الأساسية التي اشتملتها الجدارية، كما احتوى المعرض على مجموعة من أعمال الطباعة على ورق، عملت على نفس تيمة العرض البهجة والتفاؤل والفرحة دون بعد كلي عن الواقع المعيش، ولكن وبلا منازع كان السيلويت هو بطل العرض الرئيسي.


    خلاصة القول إن لوحات معرض محمد عبلة "حكايات لريم" ليست مجرد حكايات مبهجة تعود بنا لصخب وبراءة الطفولة، وليست مجرد متعة للرؤية تختلف عن كل الموجود على الساحة الفنية، بل هي واحة للجمال وحالة نقية من البهجة ترتاح فيها العين وسط هجير من القبح والمشاكل اليومية.