أئمة وشعراء غنائيون أيضا

20/07/2015 - 9:37:09

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

د. نبيل حنفي محمود - كاتب مصري

  جاء علي الأمة العربية حين من الدهر لمعت فيه طائفة من أئمة وفقهاء برعوا في قرض الشعر كبراعتهم في استنباط الأحكام والإفتاء في أمور العقيدة، ليأخذ قريضهم طريقه إلى حناجر نجوم الغناء في عصرهم وما تلاه، بعد أن ترنموا جميعا بحب رسول الله صلي الله عليه وسلم والتشوق إلى الحب الأعظم وهو الحب الإلهي، مما يعد طَلْية المنشدين والمداحين ومن يترسم منهجهم من أهل الغناء.


إن الإحاطة بتلك الطائفة من الأئمة لما يضيق به المتاح من مساحة لمقالة كهذه، لذا سوف يقتصر الأمر هنا على تعريف القارئ المعاصر بثلاثة من أولئك الأئمة، ممن امتدت شهرتهم حتى الآن، وما زالت هناك غنائيات قوامها أبيات من أشعارهم تتردد في أسماعنا. والأئمة الثلاثة هم: الصرصري والشهاب والزملكاني.


الإمام الصرصري


هو يحيي بن يوسف بن يحيي بن منصور بن المعمر بن عبد السلام، أبو زكريا جمال الدين الصرصري، والصرصري نسبة إلي صرصر القرية القريبة من بغداد، وقد وصفه الشيخ موسي بن محمد اليونيني في كتاب "ذيل مرآة الزمان" بقوله: "كان من العلماء الفضلاء الزهاد العباد، وله اليد الطولى في نظم الشعر، وشعره في غاية الجودة"، وقد تحدث ابن تغري بردي عن شعر الإمام الصرصري في ترجمة أفردها له في الجزء الثاني عشر من كتاب "المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي"، فقال عنه: "صاحب المدائح النبوية السائرة في الآفاق، وشعره كثير يدخل في ثمانية مجلدات، وغالبه طبقة عالية"، وإن كان موسى اليونيني يقول إن قصائده في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم تشغل ما يقرب من عشرين مجلدا.


ولد الشيخ يحيي في سنة 588 هجرية (1192 ميلادية)، وفقد بصره في أواخر عمره، ولقي وجه ربه شهيداً في أوائل سنة 656 هجرية (1258 ميلادية)، عندما تصدي – وهو الكفيف – لجنود التتار أثناء اجتياحهم بغداد، فطعن أحدهم بعكازه فقتله، وكتب ابن كثير في كتاب "البداية والنهاية" عن الإمام الصرصري: "وما اشتهر عنه أنه مدح أحدا من المخلوقين من بني آدم إلا الأنبياء"، وقد عرض الشيخ موسى اليونيني في كتاب "ذيل مرآة الزمان" نماذج من مدائح الصرصري في رسول الله صلي الله عليه وسلم، ومن تلك المدائح:


صلى عليه إله العرش ثم على


أصحابه فهم الأعيان والنجب


أزكى صلاة وأنماها وأدومها


وأجر ذلك عند الله أحتسب


وأرتجي بمديحي فيه مكرمة


من دونها الفضة البيضاء والذهب


لكنني لو قطعت الدهر ممتدحا


للمصطفي ما قضى بعض الذي يجب


وكان من الطبيعي أن تأخذ أشعار الإمام الصرصري طريقها إلى حناجر المنشدين والمداحين، ولعل في حصيلة الكبار منهم من المدائح ما يؤكد ذلك، ولكن الأمر المؤكد هو ما صنعته الإذاعة المصرية في أوج تألقها في الخمسينيات، عندما دفعت بقصيدتين من قصائد الصرصري إلى اثنين من كبار الملحنين، فصنعا لهما لحنين من أجمل وأروع ما أنتجت الإذاعة من غناء ديني. والقصيدة الأولي التي أذيعت للمرة الأولى عبر برنامج الإذاعة العام قبل ربع الساعة من الثامنة مساء الجمعة 9/12/1955، هي "رسول الحق"، لحن أحمد صدقي وشدت بها المطربة أجفان الأمير، والأبيات التالية هي مطلع القصيدة:


المجموعة: يا حجة الله على الخلق ومن عنّا


دجي الشرك بنوره انجلى


أحمد الله إليك أنني أومن


بالله الذي شاد العلا


أجفان: أشهد أن الله جل ذكره


فوق السماوات على العرش استوى


رب قدير قاهر محتجب


عن العيون جلّ ربي وعلا


أشهد الله العظيم أنني


أشهد أنك الرسول المرتضى


    هكذا جمع الإمام الصرصري بيسر مذهل بين الحب الإلهي وحب الرسول في ثنايا أبيات قليلة. وقد صاغ أحمد صدقي – ذلك العبقري الذي ظلم حيا وميتا – لحنه في قالب الموشح، الذي أجاد فيه كثيرا، وإن تفوق وبلغ القمة في لحن "رسول الحق"، لينطلق به صوت أجفان الأمير القادر المتمكن، الذي يكشف لمستمعه الآن حجم الخراب الذي حاق الآن بالأصوات الغنائية.


وبعد أقل من ستة أشهر قدمت الإذاعة قصيدة ثانية للإمام الصرصري، هي "يا راضيا بالحب" التي لحنها فؤاد حلمي وترنمت بلحنها المطربة الكبيرة نجاة الصغيرة، وجاءت الإذاعة الأولى لذلك اللحن في الثامنة وثلاث وعشرين دقيقة من مساء الأحد 27/5/1956، وتضمن اللحن خمسة أبيات من قصيدة تغني فيها الصرصري بالحب الأعظم وهو الحب الإلهي، وتبدأ بالبيت التالي:


يا راضيا بالحب في ربه


لقيت كل الخير في قربه


الإمام الشهاب


هو محمود بن سليمان بن فهد، قدمه ابن تغري بردي في مستهل ترجمة أفردها له في الجزء الحادي عشر من كتاب "المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي" بقوله: "الشيخ الإمام العالم العلامة البليغ البارع الكاتب.... شهاب الدين أبو الثناء الحلبي الدمشقي الحنبلي، صاحب ديوان الإنشاء بدمشق"، وقال في الجزء التاسع من كتاب "النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة": "ومولده سنة أربع وأربعين وستمائة (1246 ميلادية)، ونشأ بدمشق وسمع الحديث وكتب المنسوب، ونسخ الكثير. ويضيف ابن تغري بردي في كتاب "المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي": "وكان ممن أتقن الفنين نظماً ونثراً"، ونقل رأي الشهاب محمود نفسه في شعره، حيث قال: "قال الشيخ صلاح الدين: وكان هو يزعم أن نثره أحسن من نظمه، والذي أراه وأبرأ فيه من العناية والعنا، أن نظمه أعذب في الأسماع"، وتجيء الحجة علي صحة حكم الشيخ صلاح الدين علي شعر الأمام الشهاب، مما حوته مصادر ذلك العصر الأدبية والتاريخية من بدائع أشعاره، وقد أثبت الشيخ موسي اليونيني باقة منها في الجزءين الثالث والرابع من كتاب "ذيل مرآة الزمان"، ومنها الآبيات التالية في مفتتح قصيدة نظمها الإمام الشهاب مادحا السلطان قلاوون بعد فتح المرقب، وهو حصن بالشام مشهور بالمنعة:


الله أكبر هذا النصر والظفر


هذا هو الفتح لا ما تزعم السيرُ


هذا الذي كانت الآمال إن طمحت


إلى الكواكب ترجوه وتنتظر


فانهض وسر واملك الدنيا فقد نحلت


شوقا منابرها وارتاحت السرر


    ولم يخل إنتاجه الشعري من مدائح نبوية، وهو ما اتجهت إليه الإذاعة المصرية إبان فترة الأوج من إنتاجها الغنائي، لتختار بضعة أبيات تدفع بها إلى الملحن المقتدر أحمد صدقي، الذي صاغ لها لحنا – لا نعلم الآن شيئا عنه – شدت به المطربة الكبيرة نجاة علي، وأذيع باسم "محمد سيد الأقوام" للمرة الأولى قبل ربع الساعة من العاشرة مساء الخميس 9 ربيع الأول 1369 هجرية (29/12/1949)، وكان البيتان التاليان في مقدمة اللحن:


محمد سيد الأقوام، أكرم من


علت بشرعته فوق الورى الرتب


محمد المصطفى الهادي الذي شهدت


ببعثه أنبياء الله والكتب


الإمام الزملكاني


هو الثالث – طبقاً للسياق التاريخي – ممن استعانت الإذاعة المصرية بأشعارهم من أئمة، والمعني بالسياق التاريخي هنا تواتر الفترات الزمنية التي عاشها أولئك الأئمة. والإمام الزملكاني هو قاضي قضاة الشافعية محمد بن علي بن عبد الواحد بن عبد الكريم الشهير بالزملكاني، نسبة إلى زملكا أو زملكان، إحدى قرى دمشق حيث ولد في شهر شوال 667 هجرية (1269 ميلادية)، وترجم له كل من ابن تغري بردي وابن إياس والشوكاني الذي قال عنه في كتاب "البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع": "وكان ذكيّ الفطرة نافذ الذهن فصيح العبارة، وأطلق عليه الذهبيّ عالم العصر وكبير الشافعية... وأفتي وله نيف وعشرون سنة، وتخرج عليه غالب علماء العصر". وتحدث ابن تغري بردي عن مواهبه في الجزء التاسع من كتاب "النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة": "وكان إماما علامة بصيرا بمذهبه وأصوله، قوي العربية صحيح الذهن فصيحا أديبا ناظما ناثرا"، لذلك تولى نظارة الديوان ووكالة بيت المال ونظارة الخزانة، حتى انتهى به الأمر لتزكيته لتولي قضاء دمشق، فلما توجه إلى القاهرة لإقراره في منصبه الجديد بحضرة السلطان الناصر محمد بن قلاوون، أدركته المنية في الطريق بمدينة بلبيس في محافظة الشرقية، يوم الخميس السادس عشر من شهر رمضان 724 هجرية (6/9/1324 ميلادية)، ودفن بالقاهرة بالقرب من الإمام الشافعي.


ويعد الزملكاني من أئمة التفسير والبلاغة، ومن كتبه التي تجمع بين الفقه والبلاغة "التبيان والمفيد في إعراب القرآن المجيد" و"البرهان الكاشف عن إعجاز القرآن" الذي قال عنه الدكتور منيع عبد الحليم محمود: "هو من أهم كتب التفسير علي مدى العصور، في بيان قوة وبراعة الأسلوب القرآني" (الأهرام:24/7/2003) وللزملكاني أشعار منها قصيدة في مدح رسول صلي الله عليه وسلم، كتبها أثناء اجتيازه درب الحج من الشام إلى مكة سنة 721 هجرية (1321 ميلادية)، وأثبت ابن تغري بردي منها اثنين وعشرين بيتا في ثنايا ترجمته للإمام بكتاب "المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي"، وتبدأ القصيدة:


أهواك يا ربة الأستار أهواك


وإن باعد عن مغناي مغناك


وأعمل العيس والأشواق ترشدني


عسى يشاهد معناك مُعنّاك


لم تقف إبداعات الزملكاني الشعرية عند المدائح النبوية، وإنما عالج أغراضا شتي، منها الغزل الذي استهل إحدى قصائده فيه بالبيت التالي:


أطرفك أم هاروتي يعقد لي سحرا


أريقك أم طالوت يعصر لي خمرا


إن المطالع لما حوته المصادر التاريخية والأدبية من نماذج من أشعار الإمام الزملكاني يكتشف بسهولة ما تميزت به من سمات غنائية واضحة، مما شجع القائمين علي شؤون الإنتاج الغنائي بالإذاعة في الخمسينيات، على انتقاء مجموعتين من أبيات القصيدة التي وقفها الإمام علي مدح الرسول، وضمت المجموعة الأولى التي انتقاها مسؤولو الإذاعة أربعة أبيات، جاء البيت التالي في مستهلها:


يا أفضل الرسل يا مولى الأنام ويا


خير الخلائق من إنس وأملاك


عهدت الإذاعة بتلك الأبيات إلي الملحن فؤاد حلمي، الذي أعطاها لحنا هو الأجمل فيما أنتجته الإذاعة من مدائح نبوية، وقد تغنت بلحن الأبيات الأربعة – الذي جاء في مقام الكرد – المطربة الكبيرة فايدة كامل، ليذاع باسم "يا أفضل الرسل" للمرة الأولى قبل التاسعة بخمس دقائق في مساء الثلاثاء 17 رمضان 1374 هجرية (10/5/1955 ميلادية) وعبر موجات برنامج "صوت العرب"، وبعد ما يقرب من عامين ونصف العام دفعت الإذاعة بالمجموعة الثانية من أبيات قصيدة الزملكاني إلى الملحن مرسي الحريري (وهو ابن الشيخ درويش الحريري) لتتغنى بها المطربة مديحه عبد الحليم، باسم "أهواك يا رب الأستار"، ولسنا نعلم الآن هل كان تغير المخاطب من (يا ربة) – كما أثبته ابن تغري بردي في نص الأبيات – إلى (يا رب) الذي جاء في الإعلان عن القصيدة، من قبيل التغيير أم أنه كان خطأ طباعياً؟


 إلا أن الأمر الثابت أن لحن الأبيات باسم "أهواك يا رب الأستار" أذيع للمرة الأولى عبر البرنامج العام في السادسة وخمس وأربعين دقيقة من مساء الأحد 12 ربيع الآخر 1377 هجرية (6/10/1957)، بمناسبة احتفال الإذاعة بالمولد النبوي الشريف.


لقد غاب ما غاب من تلك الغنائيات الجميلة عن الأسماع، وبقي معظمها في أسماع محبي الغناء العربي الأصيل، وفي الحالتين – الغياب والبقاء- تقدم تلك الغنائيات البديعة الدليل على أن الغناء الجميل والخالد عماده شعر قوي متقن.