فضائل النُساخ والوراقين على الحضارة العربية الإسلامية

20/07/2015 - 9:35:48

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

إسراء المنسي - باحثة مصرية

 الثقافة هي المقياس الحضاري الذي يميز كما ونوعا هذا الشعب عن ذاك، وهذا البلد عن سواه، كما أن صناعة الكتاب والمدونات الأخرى من أبرز علامات تلك المفاضلة، فالمؤشر الحضاري إذا ما جرت المقارنة بين مختلف الحضارات يظهر أن الثقافي هو المقياس الأبرز في تلك المقارنات، ومن هذا الثقافي تعلو الثقافة المكتوبة أولا وتليها الثقافة الشفهية ثانيًا، بمعنى أن الأبعاد المعرفية بهذه الحضارة أو تلك تنطلق أولا من المخزون الثقافي بشقيه الفلكلوري والعلمي المدون.


    وقد كانت دكاكين الوراقين صرحا للثقافة والحوار العلمي في الحضارة العربية الإسلامية، لقد فُتحت هذه الدكاكين في الأصل لأعمال تجارية بحتة، ثم قصدها المثقفون والأدباء، واتخذوا منها مكانا لاجتماعهم وأبحاثهم، وأصبحت حوانيت بيع الكتب مكانا للاجتماعات الثقافية بصفة شبه يومية.


الوراقة


   عرف لفظ "الوَرّاق" بأنه اسم لمَنْ يكتب المصاحف وكتب الحديث وغيرها، وقد يقال لمَنْ يبيع الورق. وعمل الوراق كان النسخ وبيع الورق، ولكن يفهم من أقوال بعض المؤرخين مثل ابن النديم، واليعقوبي، وياقوت الحموي أن للوراقة معنى أوسع، فهي تعني أيضا مَنْ يجلد الكتب ويبيعها، فسوق الوراقين هي السوق التي تباع فيها الكتب.


    وكانت الوراقة تشمل: النسخ وما يتبعه من تزويق وتذهيب، وبيع الورق وسائر أدوات الكتابة وموادها، ثم تجليد الكتب وبيعها. ومهنة الوراقة اشتهر بها الكثيرون، وبعضهم أصاب شهرة ومالا، فابن النديم صاحب كتاب "الفهرست" كان وراقا يبيع الكتب، ويُعَدّ أوسع الوراقين شهرة، وأبعدهم صيتا، وأوسعهم اطلاعا على الكتب والمصنفات.


    وكان من النُساخ الوراقين طائفة اشتهرت بالسرعة، كما كان كثير من النُساخ يستخدمون في خزائن الكتب الخاصة والعامة، ويندر أن تخلو خزائن الكتب الكبيرة من ناسخ أو أكثر ينسخون الكتب المختلفة لتودع في تلك الخزائن.


الوراقون


    كان العلماء من غير الوراقين يتخذون الوراقين مساعدين لهم، كما كان هناك العديد من العلماء الذين لهم وراقون مخصصون ينسخون مؤلفاتهم وينسخون مؤلفات غيرهم لتضاف إلى مكتبات العلماء الخاصة. ومن الذين كان لهم مساعدون من الوراقين النُساخ الطبيب المترجم حُنين بن إسحاق، وكان له وراق يُدعى عبد الوهاب بن عيسى. والمؤرخ الجهيشاري كان له وراق يُدعى أحمد الشافعي. وكان هؤلاء الوراقون بجانب نسخهم للكتب يساعدون في الحصول على المراجع للعلماء، كما كانوا ينسخون ويروجون المؤلفات بين الناس بعد تصحيحها وضبطها، ويذكرون بإسناد ممَنْ نقلوا حتى يتصل بمؤلف الكتاب، كما كانوا يقرءون الكتب على المؤلفين، وبعضهم كان ينظم مزادات علنية للكتب ويثمنون الكتب ويعقدون الصفقات، كما كانوا يحتكرون بعض الكتب وينسخونها بأثمان مرتفعة، كما كانوا يشرفون على تصدير الكتب وإرسالها عبر الأمصار.


الملتقى الثقافي للأدباء والعلماء


    كانت دكاكين الوراقين مكان اجتماع للعلماء، حيث يتوافد الناس على السوق، ويجتمعون للبيع والشراء، فكان العلماء ينتهزون فرصة هذا التجمع ليقوموا بنشاط واسع من الناحية الأدبية، فينشدون الأشعار، ويعقدون الخطب، فأصبحت حوانيت الوراقين بمثابة منتدى فكري يقصده العلماء للمناظرة والنقاش في الشئون المختلفة، فقد كانت الوراقة مهنة سامية ويحترفها أدباء وعلماء وفلاسفة ومحدثون.


    وقد جرت مقابلات ومناقشات بين العلماء في حوانيت الوراقين، فقد ذكر التوحيدي في كتابه "المقابسات" أكثر من مائة حديث ومناقشة وحوار جرى، في سوق الوراقين في بغداد، بين مختلف علماء عصره من متكلمين ونحاة وأدباء ومناطقة وفلاسفة ورياضيين فضلاً عن علماء طبيعيين وفقهاء ومحدثين. وذكر اليعقوبي أنه كان في عصره أكثر من مائة وراق (بائع للكتب) في بغداد وحدها، وأن محلاتهم كانت مراكز للنسخ وللخطاطين والمنتديات الأدبية. وفي قرطبة نالت حوانيت الوراقين شهرة واسعة، فقد كانت بلاد الأندلس أكثر اهتماما واعتناء بخزائن الكتب. كما بُنيت سوق للكتب في فسطاط مصر في عهد الطولونيين والإخشيديين.


    أما عن سوق باعة الكتب في مصر فنقتبس من كلام المقريزي في كتابه "الخطط"، حيث يحدد مكان السوق فيما بين حي الصاغة والمدرسة الصالحية، ويبدو أن المقريزي وصف السوق سنة 700 هجرية تقريبًا، وكان سوق الكتب قبل ذلك تجاه الجانب الشرقي من جامع عمرو بن العاص (رضي الله عنه) في جنوب القاهرة (مصر القديمة)، وما برح ذلك السوق أن أصبح مجمعا لأهل العلم والمعرفة يترددون عليه، وينقل المقريزي ما أنشده أحد الشعراء عن هذا السوق، حيث يقول:


مجالسةُ السوقِ مذمومةٌ


ومنها مجالسُ قد تُحتسبْ


فلا تقربن غير سوقِ الجيادِ


وسوق السلاحِ وسوق الكتبْ


فهاتيكَ آلةُ أهلِ الوغى


وهاتيكَ آلةُ أهلِ الأدبْ


    وكان أغلب الوراقين أدباء ذوي ثقافة، يسعون للذة عقلية من وراء هذه الحرفة التي تتيح لهم القراءة والاطلاع، وتجذب لدكاكينهم العلماء والأدباء، فكانت دكاكين الوراقين منتديات فكرية لطلاب العلم والعلماء يتناقشون ويتذاكرون ويتبادلون المعرفة.


 وقد أفاضت كتب التراث في ذكر أخبار النُساخ والوراقين، وتناولت إنتاجهم ونوادرهم، وسرعتهم وخفة أيديهم، وحسن نسخهم وجمال خطهم، ولا غرو في ذلك فقد كان النسخ الوسيلة الوحيدة المتداولة في تلك العصور قبل اختراع الطباعة والتصوير، ولولا هؤلاء النُساخ ولولا أنها كانت حرفة مجزية لما وجدنا اليوم هذا الكم من المخطوطات الإسلامية التي تملأ مكتبات العالم. فقد كانت الوراقة من أشرف المهن يعمل فيها الأمراء والأعيان والعلماء بجانب العامة.


    إلا أن حالة الوراقين لم تكن طيبة في كل الأوقات، بل كان بعضهم يشتكي حاله وقلة ماله، وقد سُئل أحد الوراقين عن حاله فقال: "عيشي أضيق من محبرة، وجسمي أدق من مسطرة، وجاهي أرق من الزجاج، ووجهي عند الناس أشد سوادا من الحبر، وحظي أحقر من شق القلم".