هل لليسار مستقبل في العالم العربي؟

20/07/2015 - 9:30:38

كريم مروة كريم مروة

أحمد بوقري - كاتب من السعودية

يطرح مفكرون وسياسيون عرب في كثير من الكتابات والنقاشات السياسية الراهنة تساؤلات قلقة حول ضبابية أفق اليسار، وضرورة نهوض جديد له في عالمنا العربي، منقطعا عن صورة ماضيه مع ضرورة فهمه في بنيته وتصوراته السابقة وأخطائه، ومع ضرورة التخلص من اليقينيات والحتميات التاريخية التي أفسدت فكره السياسي وحولته إلى أيديولوجية خلاصية تملك كل الحقيقة ولا تملك كل الشروط، ومع ضرورة تجديد المفهوم في حقل الممارسة وضرورة قراءة التجارب السابقة قراءة أبستمولوجية لا أيديولوجية.


    يأتي هنا الحديث عن تجديد المفهوم وتجديد العمل في ظل حيوية الحياة السياسية المحتدمة والمتجهة بإشارات ونبضات مختلفة صوب الديمقراطية وإن كانت بنسبية سياسية متفاوتة من بلدٍ لآخر، وفي ظل تحولات وحقائق كونية جديدة. يتجدد النقاش عن نهوض يساري جديد في العالم، وعالمنا العربي يطاله جزء من دائرة النقاش خاصة بعد بروز الأزمة المالية العالمية الأخيرة والدعوات الفكرية والاقتصادية البارزة التي نجمت عنها وبسببها، تلك التي دعت إلى ضرورة قوننة رأس المال الجامح، والرجوع إلى سياسة مراقبة الدولة للحركة المالية غير المنتجة التي تتعامل مع مضاربات الأسهم وتسويق العقارات، والتي انفلتت من عقالها في العقدين الأخيرين. وتحت مظلة وهيمنة ظاهرة تاريخية معاصرة هي: ظاهرة العولمة ببعديها الاتصالي والمعرفي.


    هذه الظاهرة التاريخية المتحولة إلى حقيقة حضارية جديدة من حقائق عصرنا رغم تغوّلها وتوحش ممارساتها السياسية والمالية إلا أنها حالت دون تحقيق الجوهر / الحلم البشري، أو البعد الإنساني التنموي المتمثل في الحرية والتقدم تحت مظلة واسعة من العدالة الاجتماعية وتقاسم الثروات.


    اليسار في بنيته المعرفية ومهمته الجوهرية يعني التغيير في اتجاه تحقيق الحرية والتقدم والعدالة الاجتماعية، هذه الثلاثية الحلمية في الفكر والواقع وجعلها مجالاً للتفكير وفضاء للحلم. اليسار إذن هو المعني بحركة التقدم بمنظومتها المتكاملة وهو المعني بممارسات الحرية وتحقيقها بمضموناتها المتكاملة وهو المعني بالعدالة الاجتماعية كيفما تجلت نظرتها السياسية وكيفما مورست وطبقت في أطرها السياسية والاقتصادية. ليس على هذا التيار أن يقع في أخطائه السابقة نفسها فينعزل عن الأطر السياسية الأخرى والقائمة بل يصبح عليه أن يبحث عن أرضية جديدة هي بمثابة انطلاق لشراكة سياسية.


    وكان لهذا التيار السياسي الكوني تجربة كونية سقطت في نهايات القرن الماضي – تجربة الاتحاد السوفييتي - وقد كان لهذا السقوط المدوي أسباب موضوعية وجذور فكرية تتصل بفهم النظرية، لا استلهامها في التطبيق والممارسة. وبعد هذ السقوط لم يبق إلا جوهر الكدح الفكري والكدح العملي هاجسين إنسانيين نحو تحقيق حلم البشرية وتمتعها بالحرية والتقدم والعدالة الاجتماعية. هذا الحلم ظل متململاً تحت الرماد.


    هذا الجوهر / الطائر الفينيقي ترى كيف ينهض من رقدته؟ وكيف يتخلق في صيغ أخرى مغايرة ومتوافقة مع الحقائق الجديدة لعصرنا وهذه التحولات الهائلة والماثلة الآن.


    لم يعد الحديث عن اليسار حديثا في السياسة، بل صار كما أظن حديثا متجددا في الثقافة وفي حلم النهوض الحضاري العربي والتغيير المجتمعي المأمول. ولم يعد الثقافي متوارياً بحياءٍ أو خوفٍ وراء السياسي. ولم يعد المنطق الثقافي خاضعا للمنطق الأيديولوجي ورهاناته أو مراهقاته الشعارية الجوفاء مقبولاً، بل صار هذا الثقافي نسغاً جوهرياً يضبط هذا التيار المتجدد وينقد منطقه في سياقه السياسي ويغني حقل النقاش بالكثير من الأفكار والرؤى ويعيد قراءة الواقع والمعطى الحضاري قراءة تعين على الخروج من الأزمة وإعادة تحديد الأهداف بل تكوين الأحلام الواقعية الممكنة.


    لم يتبق لليسار في العالم العربي غير هذا الأفق الثقافي. غير مهمته التنويرية على أقل تقدير في الوقت الراهن، فمهامه السياسية وأطره العملية السابقة تبدو الآن في المشهد السياسي إما ذائبة متناثرة، أو مفتتة ومشتتة، واتخذت وضعا جنينيا آخر لا يلوح من حضوره السياسي إلا أفق بعيد بلا ملامح حقيقية. لم يتبق لليسار العربي غير آلية العمل الثقافي المتجددة في حضورها أو وجودها المجتمعي، فهو بهذه الآلية وهذا المنظور الثقافي المنقطع مع ماضيه الأيديولوجي والسياسي قادر على أن يجذب إلى تياره العريض الكثير من القوى السياسية الفاعلة والمتباينة والتي تستهويها وتقع في قلب أهدافها وأولياتها قضايا التقدم والحرية والعدالة الاجتماعية. فهذه القضايا حيوية ومهمة لكل عربي وهي ليست حكرا على فئة دون أخرى. الاختلاف يكمن فقط في طريقة العمل الثقافي والسياسي وأشكاله المؤسسية من أجل تحقيق هذه المرتكزات الثلاثة لدولة المؤسسات ودولة القانون.


    من هذا المنطلق والمنظور الثقافيين يأتي كتاب "نحو نهضة جديدة لليسار في العالم العربي" لكريم مروة، وهو المثقف الكبير والسياسي العربي المخضرم ذو التجربة السياسية والثقافية العريضة والخصبة، وهو يرى الأفق مازال مفتوحاً لليسار في عالمنا العربي في تياريه السياسي والثقافي غير منفصلين، وإن كان يرى أن الأفق الثقافي أكثر قرباً وحيوية بل أكثر جذباً مجتمعيا على الأقل في اللحظة الراهنة، في ظل هيمنات جديدة لظواهرٍ سياسية ومعرفية كونية جديدة. هذا الأفق هو المدخل المقبول لتنمية الفكر وتجديد الحلم الإنساني.


    يرى كريم مروة "أن المهمة التاريخية التي تواجه اليسار ليست بالسهلة بل شديدة التعقيد. شديدة الصعوبة ولا خيار له سوى الدخول في التجربة من جديد بواقعية قصوى. وبنفس جديد ومن دون أوهام". لكن كيف؟ وتحت أية صيغة؟ وهو بصدد تحديد صيغته الجديدة يؤكد على المرحلية وعلى تحديد المهام بدقة لكل مرحلة قاطعا مع المفهوم القديم أولا ذلك الذي كان يربط طبقة اجتماعية وحيدة كحاملة لمشروع التقدم المجتمعي. ويقول: "إن وقائع العصر تشير إلى أن الأمور اختلفت عن السابق، وإن الفئات الاجتماعية المعنية بالتغيير قد كبرت وتنوعت وتعددت حتى وهي مختلفة في مصالحها". وهو هنا يقترح قضايا عشرين كمحاور رئيسية للتغيير والتجديد والتقدم. القضية الأولى متصلة ببناء الدولة وتحولها من النمط الاستبدادي القديم إلى البديل الديمقراطي الحديث، هي دولة الحق والقانون والمواطنة. ثم ينتقل إلى القضية الثانية التي تتعلق بالمجتمع المدني وتكوين مؤسساته فالمجتمع المدني هو القابل للعيش والتعامل مع مكونات العصر الجديد وتحولاته وهو بخلاف المجتمع الأهلي الذي يتوزع فيه المواطنون بين قبائل وعائلات وتيارات دينية متنازعة فيما بينها. والقضية الثالثة تتعلق بالمسألة الوطنية، فسلطة الدولة الواحدة هي المعنية بالاستقلال والسيادة وهي المعنية بالدفاع عن الوطن والحفاظ على حقوق مواطنيها. ويتطرق كريم مروة بنفس إنساني وحس ثقافي وسياسي رفيع لجملة من القضايا الأخرى التي تعد مقترحات ثقافية عملية ومنها:


    تحقيق التقدم الاقتصادي للخروج من تخلف التنمية، واستغلال الموارد البشرية استغلالا ناجحا، والاهتمام بالثقافة والمعرفة والتراث، والاهتمام بالمرأة والشباب.. حقوقهم وواجباتهم، والتطرف الذي يتخذ أصحابه شعارات ومفاهيم يلحقونها بالدين الحنيف تعسفا. وليس آخرها قضية علاقات بلداننا بالعالم وإيجاد التقاطعات والقواسم المشتركة مع قوى ثقافية وسياسية كونية تشاطرنا الوقوف بحزم ضد رأس المال المعولم المتوحش، والعمل من أجل عولمة إنسانية ديمقراطية بديلة.


    ألا يبدو مشروع كريم مروة مشروعا ثقافيا سلميا بمضامين سياسية قد لا يُختلف عليه كثيرا؟ في اعتقادي من داخل هذا المشروع التجديدي النهضوي قد ينهض طائر الفينيق. طائر اليسار من جديد.