سؤال الهوية في رواية السلفي

20/07/2015 - 9:29:04

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

ربيع مفتاح - مترجم وناقد مصري

    رواية "السلفى" وثيقة أدبية سياسية أدبية تاريخية. المؤلف عمار علي حسن الذي يتابعه كثيرون كمفكر سياسى أو اجتماعى، فى هذا المقام، ذو حس روائى متميز. والمقولة إن يوسف إدريس قاص وإن كتب الرواية ونجيب محفوظ روائى وإن كتب القصة القصيرة أتفق معها إلى حد كبير، فالحس الروائى بما يؤدى إليه من قدرة على إنشاء السرد وبناء الشخصيات وإجراء الحوار المعبر والكاشف عن الشخصيات والناقل إلى الأحداث بما فى ذلك من إبداع لغة شفيفة. كل ذلك من مفردات الرواية لا يبلغها إلا من كان ذا حس روائى.


    تطرح الرواية سؤالا محوريا ومصيريا وهو: هل يمكن أن تتنازل مصر عن حضارتها مقابل أية أيديولوجية أحادية؟ هذا هو السؤال الأهم الذي تطرحه رواية "السلفي" من خلال 21 عتبة هي مكونات الرواية التي تبلغ 300 صفحة من القطع المتوسط. نعم مصر حالة منفردة علي مستوى التاريخ الإنساني والجغرافيا الطبيعية. مفصل تاريخي وجغرافي لن يتكرر وليس له مثيل. ولهذا فهي عصية علي التنميط. مصر متعددة وستظل هكذا. يجيء هذا السؤال المحوري علي لسان الراوي الحاضر. أنت سألتني لماذا أنا هكذا؟ وأنا أجبتك بسؤال كيف أصبحت أنت هكذا في غفلة مني؟ ولم أدرك ما حجم خطيئتي وفجيعتي إلا حين صرخت في وجهي: أنت كافر ووصمت أمك بأنها كافرة.


    أظن أن المسافة بين الابن الذي ضل طريقه والأب الذي ينهم في عقيدته هي المسافة بين مصر الحضارة ومصر التي يريدونها إمارة صحراوية تأوي المتطرفين.


استطاع الكاتب توظيف الفضاء الزماني والمكاني اللامحدود في بداية الرواية صفحة 7


(لم تكن البيوت هكذا قبل أن يولد أبوك، كانت من الطين السود مثل كيتك الكثة ومع ميلادك أنت يا ولدي. خلخلها الفلاحون الذين تدعي في أكيادهم المهترئة وحوش كاسرة لا أحد يري أنيابها فأسقطوها فوق تعرجات الشوارع القديمة وأقاموا مكانها غابات الأسمنت المتجهمة التي يتعانق فيها الصهد والصقيع وتكاد تحجب عن أرواحنا شمس العصر الأليفة).


اختيار المكان  اختيار موفق فتوجد القرية التى نشا فيها طه حسين فهنا يلفت الأنظار إلى أن شتان ما بين سلفى و سلفك   أى سلفى أنا طه حسين رائد من الرواد الكبار رجل مزج ما بين الغرب و الشرق و اطلع على الثقافة العربية و الغربية  فهذا يكون سلفنا لكن سلفه هو شى آخر فإذن  هذا التناقد أو هذا التوازى وهو عالم كل ما فيه هو مصر و كل ما فيه ليس مصر هذه الصحراوية وهذا الأسلوب فى التفكير و هذا  المظهر  فى الزى و الملبس وما إلى ذلك و إلى آخره فليست  هذه هى مصر.


في هذه البداية يتبلور مفهوم الرواية وتكشف عن تقنية الروائي في تناول هذا الموضوع. نحن أمام أب يخاطب ابنه. نتعرف إلي الابن من خلال ما يطرحه الأب. كما أن غياب شخصية الابن تقنية مقصودة منذ البداية. الأب يستحضر الابن متى شاء وأينما شاء. هوية مصر يمثلها الأب وكل النماذج المشرفة في الرواية أما هوية الإسلام السياسي تمثيلها الابن السلفي وكل النماذج التي أخذت طريقه.


الأب هنا عندما يتخاطب مع ابنه  فالأب بكل القيم المصرية البعيدة عن التطرف. فمصر أقرب ما تكون مثل السجادة المتداخلة الألوان بل ليس تداخلا وإنما امتزاج ثم انتصار . لا تستطيع أن تفصل لونا عن بقية الألوان هى الفرعونية و اليوناينة و الرومانية هى القبطية والإسلامية صهرت كل هؤلاء فى بوتقتها . هى كل هذا التاريخ بما فيه من فرس و أتراك وعثمانيين ومماليك وإنجليز.


هذا  الكوكتيل الرائع  لا يوجد فى أى بلد فى العالم ومن ثم هى ملكة التاريخ و أيضا  ملكة الجغرافيا الوسطية المصرية  تكلم عنها الراحل الرائع  جمال حمدان  فى كتابه  (عبقرية المكان) لن يستطيع أحد أن يختزلها فى لون واحد  الأب فى هذه الرواية وصل إلى حالة  التماهى و التوحد مع مصر.


  عندنا نوعان من الشخصيات. شخصيات حافظت على هوية مصر و هاجرت داخل مصر مثل شخصية عطالله الأقرع الذى جاء به العمدة وتبناه بعد ذلك . أما النوع الثانى فهى الشخصيات التى تبناها الابن وتحولت إلى فصيل غريب عن أرضنا.


إذا كانت الرواية هي الشكل الأدبي الوحيد القادر علي استكناه الذات والواقع واستقراء المجتمع والتاريخ بصدق موضوعي موثق وتخيل فني مزج الكاتب الواقع والتاريخ بالخيال وقد ساعده ذلك علي رسم الشخصيات بدقة داخل بناء روائي متماسك نحن إذن أمام وثيقة أدبية سياسية تاريخية والحس الروائي هو المهيمن علي الأحداث والشخصيات من خلال سرد بلغة شفيفة وسارد حاضر مشارك في الأحداث. ليست القضية الأساسية هي الرسالة التي بعث بها الابن الغائب للأب والتي قلبت العالم رأسا علي عقب وإنما هذا التوحد والتماهي بين الأب وشخصية مصر. كلاهما انكسر لكنه لم يهزم من جراء هذا الفيروس الذي أصيبت به مصر منذ منتصف السبعينيات إلي يومنا هذا. وقد وضع الكاتب يده في عش الدبابير منذ البداية عندما صرح بالعنوان "السلفي". كلها تيارات إسلامية سياسية جاءت من الصحراء كالجراد لتأكل كل شيء في مصر.


عبر آليات سرد متنوعة يأخذنا الراوي إلي نبوءة الشيخة زينب "سيدة مجذوبة" التي اختارت بيت فهمي أفندي الأم والجدة وقالت لهم إن عندي نبوءة لابنكم وابن ابنكم وأنه لن يكون سعيدا بعلو نجمه بل سوف تحدث له مشاكل وبالفعل تتحقق النبوءة. المكان وهو مسرح الأحداث يتمثل في القاهرة حيث كان يعمل الأب ويعيش وكفر صفط اللبن التابع للمنيا في صعيد مصر وعلاقة هذا المكان بالإسلام السياسي المتشدد وتكتمل الواحد والعشرون عتبة بين هذين المكانين. والأماكن الأخرى مثل أفغانستان وهي جبال شهيقة وصحاري وتطرف شديد في المناخ صيفا وشتاء، صحراء تورا وبورا أو الأرملة السامة يتدربون فيها وفي ليبيا تحت مسمي الجهاد الإسلامي.


بالنسبة للتقنية الروائية الخاصة بنبوءة الشيخة زينب وفيما يخص العالم الروحاني فإنه يوجد لدينا ثقافة شعبية في هذا المجال. لقد استجلب الكاتب هذه الشخصية للتدليل علي حدث ما لكن المشكلة هنا في ثبات الموقف الفكري للشخصيات الرئيسية فمن ضمن عوامل جذب الشخصية الروائية التناغم والتطور وأحياناً الانقلابية وهذه الأشياء تؤجج الصراعي الدرامي الروائي كما اعتمد الكاتب في بناء الرواية علي ما يعرف بالتوالد النصي أو توالد الخطابات أي ربط الخطابات ببعضها وقد استوعبت الرواية ذلك وقد وظف الكاتب ذلك في إبراز شخصية مصر واختلافها ثقافيا وحضاريا عن أي بلد آخر وقد بث الكاتب سمات الشخصية المصرية الأصيلة في شخصية الأب فهمي المحامي المثقف المستنير أو في شخصية من تحدث عنهم ووصفهم المحامي نفسه.


وعلي لسان فهمي أفندي أيضا تكون نهاية الرواية بهذه الفقرة:


"يأتي الآن صوتك ولا أسد أذنيَّ بل أتركه يدوي. وأسمع صداه يتردد بين جدران الغرفة ثم يسكت فأسمع صوت الصمت هسيساً وطنيناً وأزيزاً بعيداً. أتري أن صوتك راح ينكمش ثم اندس في السرداب إلي جانب خطابك الأول والأخير الذي كفرتني فيه؟ لكن حين يسكت صوتك أري صورتك مرسومة علي الجدران تكاد تضيء العتمة. إنها صورتك أيام الطفولة البريئة ثم لا تلبس أن تزحف عليها لحيتك... حتى جاءت الشيخة "زينب" ورسمت أمامي عتباتها الإحدى والأربعين في ظل هذا الأتون الذي يغلي ويفور باتجاهات سياسية متناقضة وتداخلات شتى. تأتي رواية السلفي لتقول كلمة شجاعة وجريئة من خلال تقنية روائية محكمة قادرة علي المواجهة وقد تعانق فيها الجمالي مع المصرفي في إطار من التوازن الفني.