عارفات غير شهيرات

16/07/2015 - 9:48:52

إيمان حسن الحفناوي إيمان حسن الحفناوي

كتبت - إيمان حسن الحفناوي

الكلام عن أناس عرفوا معنى الحب الحقيقي في حضرة الحبيب الأعظم، وساروا على درب العشق الإلهي لا ينتهي ولا يمكن أن تحده حلقات، آلاف عرفناهم وقرأنا عنهم وآلاف لم تصلنا أخبارهم أو وصلنا منها النذر اليسير، لكن إذا خصصنا الحديث عن العارفات بالله فالمشقة كبيرة جدا، حيث ما ورد عنهن قليل لا يتناسب مع وضع نوراني وصلن إليه، ولا مع مكانة كل منهن عند أهل زمانها، فقد عرفت المرأة طريق هذا العشق، بل إنها تميزت فيه لما لها من طبيعة فطرية رقيقة ولما لها من عاطفة راقية تقودها للسماء إذا أحسنت التعامل معها.


العارفات كثيرات منهن من ذاع صيتها وملأ الآفاق مثل السيدة الجليلة نفيسة بنت الحسن الأنور، والعارفة رابعة العدوية، ومنهن من لم يذع صيتها بالقدر الكافي مثل منية بنت ميمون الدكالي، وعائشة الباعونية، وعائشة بنت أحمد ابن عبد الله، وغيرهن كثيرات.


في هذه الحلقة الأخيرة سنحاول في عجالة أن نمر على سيرة بعض هؤلاء العارفات في كلمات سريعة، لكننا لن نتطرق إلى سيرة المشهورات منهن لأنهن معروفات عند الكثيرين.


عائشة بنت أحمد


هي من العابدات اللاتي اشتهرن بورعهن وقد اهتدى علي يديها كثيرون، وهي من نساء مراكش، وكان الشيخ أبو أحمد الغزواني يرسل إليها كثيرين ممن يطلبون النصح والهداية، ولا يزال قبرها في مدينة سبتة يزوره كل من عرف تاريخها ومال قلبه إليها مما سمع عنها من صلاح وبركة.


عجردة العمية


كانت من العابدات اللاتي فاض بهن عشق الحبيب فأرهق أجسادهن لتنحل، منعنهن الرقاد ليلا والراحة نهارا، كانت من عابدات البصرة، وكان لها دعاء مشهور تدعو به كل ليلة حتى أن كثيرين احتفظوا بهذا الدعاء إلى أيامنا هذه تبركا به وصاروا يرددونه، كان دعاؤها هو:"إليك قطع العابدون دجى الليالي بتبكير الدلج إلى ظلم الأسحار يستبقون إلى رحمتك وفضل مغفرتك، فبك إلهي لا بغيرك أسألك أن تجعلني في أول زمرة السابقين إليك، وأن ترفعني إليك في درجة المقربين، وأن تلحقني بعبادك الصالحين، فأنت أكرم الكرماء، وأرحم الرحماء، وأعظم العظماء، يا كريم".. كان هذا هو دعاؤها اليومي، كل ليلة تتقرب به إلى الله وهي تصلي، وكانت صلاتها تبدأ من العشاء حتى الفجر لا تنقطع، وبقيت على هذه الحال ثلاثين عاما متواصلة حتى وافتها المنية، كانت عجردة تبكي وهي تدعو في سجودها لا تنقطع عن السجود ولا البكاء ولا الدعاء حتى يطلع الفجر، وقد رق لحالها أحد الأقارب، فقال لها: ألا تحاولين أخذ قسط من الراحة؟ ألا نمتِ ولو فترة بسيطة حتي يقوى قلبك على الاستمرار فردت عليه: وكيف أنام؟ إن ذكر الموت ينبهني دائما ولا يجعل عيني تطرف.


ماجدة القرشية


كانت من العابدات الزاهدات، تعلق بها كل من رآها لما لاح عليها من إمارات الزهد وعلامات التقرب لله، كانت تسكن البحرين، كانت تعجب من حال بني آدم فإنهم لا ينتبهون إلى مصيرهم ولا يتعظون مما يحدث لغيرهم فتقول:"سكان دار أوذنوا بالنقلة وهم حيارى يركضون في المهلة كأن المراد غيرهم أو التأذين ليس لهم، آه من عقول ما أنقصها، ومن جهالة ما أتمها، بؤسا لأهل المعاصي". وقالت أيضا:"بسطوا آمالهم فأضاعوا أعمالهم ولو نصبوا الآجال وطووا الآمال خفت عليهم الأعمال" وكانت في عظتها لمريديها تقول:"لو رأت أعين الزاهدين ثواب ما أعد الله لأهل الإعراض عن الدنيا لدأبت أنفسهم إلى الموت"، كانت تبكي كثيرا وعندما يقولون لها هوني عليك حتى لا يذهب نظرك وتتعرضي للعمى ترد عليهم: أعمى والله في الدنيا من البكاء أحب إلي من أن أعمى في الآخرة من النار، وفي حثها لتلاميذتها على السير قدما في طريق الحق كانت تقول لهم: "كفى المؤمنين اهتمامهم بالميعاد شغلا".


رقية الموصلية


عرفت بحبها الشديد لله حتى أنها كانت تقول دائما:"إني لأحب ربي حبا شديدا، فلو أمر بي إلى النار لن أجد النار أشد حرارة من حبه، ولو أمر بي إلي الجنة لن أجد للجنة لذة مع حبه، لأن حبه هو الغالب علي" وقالت أيضا: "إلهي وسيدي ومولاي لو أنك عذبتني بعذابك كله لكان ما فاتني من قربك أعظم عندي من العذاب، ولو نعمتني بالجنة لكانت لذة حبك في قلبي  أكبر".


وكانت تقول متعجبة ممن فاتتهم حلاوة البقاء في معية الله وجمال الشعور بحضرته:"شغلوا قلوبهم بالدنيا عن الله، ولو تركوها لجالت في الملكوت ورجعت إليهم بطرف الفوائد".


***


الكلام عن العابدات الزاهدات السائحات لن ينتهي ولا يمل منه، وقد نتمكن في أيام قادمة أن نغوص معا في هذا البحر اللجي وننعم برحلة روحانية تغسل عنا عناء المادية التي يعيش فيها عالمنا، ونتنفس مع هؤلاء الحوريات عبقا من نسيم الجنة.. وكل عام وأنتم بخير