عيد الفطر المبارك

15/07/2015 - 10:24:51

أحمد عمر هاشم عضو لجنة كبار العلماء ورئيس جامعة الأزهر الأسبق

الله أكبر .. الله أكبر .. الله أكبر.. الله أكبر.. الله أكبر .. الله أكبر.. الله أكبر.. الله أكبر .. الله أكبر.. الله أكبر.. ولله الحمد. الحمدلله.. منْ على الأمة الإسلامية بالأعياد وجعلها فواصل زمنية وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلي آله وصحبه أجمعين.


ففى يوم العيد تنزل رحمات الله لمن يجتمعون للصلاة ولخطبة العيد.. أما الذين لا يكملون سماع خطبة العيد ويخرجون من المسجد دون أن يستمعوا للموعظة فقد فاتهم خير كثير وثواب عظيم وجزاء من الله العلى القدير، فقد جرت عادة بعض الناس بعد صلاة العيد أن يخرجوا من المسجد متجاهلين ومتناسين أنه يوم الجائزة وأن الملائكة تتلقى الذين يكملون شعائر يوم العيد تتلقاهم الملائكة مهنئين ومباركين وحاملين لهم جائزة رب العالمين، لماذا يستعجلون أيستعجلون من أجل دنياهم؟.. إنها عرض زائل وعارية مستردة، وإن مجلس علم، خير مما يذهبون إليه وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع فخطبة العيد أيها الإخوة أحد مجالس العلم بل إحدى شعائر الإسلام ولئن جاز للمسلم أن يصلى العيد وأن يخرج فإن ذلك ليس من كمال العبادة، وليس من كمال الحصول على الثواب الذى أعده الله تعالى للصائمين القائمين الذين ينتظرون فرج الله وجائزة الله فى يوم العيد لأن هذا اليوم يسمى فى السماء يوم الجائزة.. فبعد أن تصلى العيد، وبعد أن تستمع إلى الخطبة ينبغى عليك أن تبقى بالمسجد، وأن تصافح إخوانك وأن تسلم على المسلمين وأن تهنئهم ويهنئوك لتكتمل الفرحة ولتنتظر بعد ذلك أن تصافحك ملائكة الله وأنت على الطريق، أما أولئك الذين يتركون الثواب والأجر ويتعجلون الدنيا الفانية فقد تركوا خيرا وافرا كان عليهم أن يأخذوه من أجل ذلك لابد أن نعلم أن الأعياد فى الإسلام جعلها الله تعالى فواصل زمنية بين العبادات.. فقد جاء عيد الفطر عقب فريضة الصيام كما جاء عيد الأضحى عقب فريضة الحج إلى بيت الله الحرام فربط رب العزة كل عيد من الأعياد بعبادة عظيمة من أعظم العبادات لأن - الرسول صلى الله عليه وسلم عندما هاجر من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة وجدهم يتخذون يومين يلعبون فيهما فسألهم ما هذان اليومان؟ قالوا: هذان يومان كنا نلعب فيهما فى الجاهلية ونلهوا فنحن نلعب فيهما أيضا بعد الإسلام وهما: يوم النيروز ويوم المهرجان فقال لهم النبى صلى الله عليه وسلم: لقد أبدلكم الله تعالى بهما خيرا منهما يوم الفطر، ويوم الأضحي. وعيد الفطر أيها الإخوة المؤمنون هو يوم الجائزة يكافئ الله سبحانه وتعالى فيه عباده الصائمين وينادى ملائكته: أغدوا إلى عبادى الصائمين، فتغدو الملائكة إليهم تصافحهم وتهنئهم وتبارك هذا اليوم العظيم المبارك وإن هذا اليوم... وهو يوم عيد الفطر المبارك يمثل الفرحة الأولى للصائمين فى الدنيا لينتظروا الفرحة الأخرى يوم لقاء الله لأن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “للصائم فرحتان يفرحهما إذا أفطر فرح بفطره وإذا لقى ربه فرح بصومه” ففى يوم الفطر حيث يفطر الصائمون فى هذا اليوم على أن وفقهم الله تعالى إلى هذه العبادة التى تكفل بثواب أصحابها، ويفرحون بالجائزة وبالرحمة التى تتنزل عليهم ولقد أباح الله تعالى فى هذا اليوم من اللهو المباح، مما يروح به المسلم عن نفسه حتى إن السيدة عائشة رضى الله عنها كانت تنظر إلى الأحباش وهم يلعبون فى هذا اليوم وسمح وأذن لها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تنظر إليهم وهم يلعبون بالدرق وفى هذا اليوم أيضاً أباح الله تعالى من الترويح عن النفس ما يوضح أن هذه الشريعة السمحة جاءت سمحة فى كل تعاليمها لا تزمت فيها ولا تشدد ولا غلو فيها ولا إسراف وذلك أنه فى يوم عيد من الأعياد دخل سيدنا أبو بكر الصديق رضى الله عنه على بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعلى ابنته السيدة عائشة رضى الله تعالى عنها فوجد جاريتين تغنيان بغناء بعاث وهو يوم من الأيام المشهورة التى كانت فيها حرب بين الأوس والخزرج وكانت لهم أغان أشبه بالأغانى الوطنية يتذكرون هذا اليوم وما فيه فــأبو بكر الصديق نهر ابنته السيدة عائشة رضى الله تعالى عنها، وقال لها : مزمار الشيطان فى بيت رسول الله.. تقول السيدة عائشة: فلما غفل غمزتهما، أى لتخرجا، وكان النبى صلى الله عليه وسلم قد أدار ظهره، فالتفت إلى أبى بكر وقال له: يا أبا بكر ألم تعلم أن هذا اليوم عيد؟ إن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا.


دعمهما يا أبا بكر إن لكل قوم عيدا وإن هذا اليوم عيدنا لتعلم اليهود أن فى ديننا فسحة إنى بعثت بالحنيفية السمحة” فوضح سيدنا المصطفى صلى الله عليه وسلم أن فى هذا ترويحا عن النفس وأن شريعة الإسلام التى بعث بها هى الحنيفية السمحة ولا يمكن أن يكون فى هذا الإصرار على شيء محرم حاشا لله، ولا يمكن أن يقر شيئاً من الأغانى المحرمة، التى لا يرضاها الله فى كلامهما ولا فى غنائهما وإنما هو الترويح عن النفس. بما هو حلال، إن هذا اليوم المبارك العظيم الذى أباح الله سبحانه وتعالى الترويح عن النفس.. يجب على المسلمين ألا يتخذوا من ذلك ذريعة للسخط وارتكاب ما حرم الله فى يوم العيد باسم الترويح عن النفس، ويجب عليهم أن يصونوا حرماتهم، وأن يصونوا أعراضهم وأن يصونوا شرفهم وأبناءهم لا أن يزلوا أو أن يضلوا فى يوم جعله الله يوم فرح وسرور ويوم جائزة يُثيب بها أولئك الصائمين القائمين الذين عبدوا الله حق عبادته، وإنه ليوم مبارك جدير بكل مسلم فيه أن يبدأ أخاه بالسلام وأن يصافح إخوانه، وأن يصطلح مع الذين سبق أن خاصمهم، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول “لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال يلتقيان فيعرض هذا، ويعرض هذا وخيرهما الذى يبدأ بالسلام”.


فمن كان مخاصما لأخيه فليذهب وليبدأ بالسلام وليصطلح مع أخيه ومن كان قاطعاً لأرحامه فعليه أن يبادر فى هذا اليوم المبارك العظيم وأن يصل أرحامه وأن يزور أقاربه وإذا كان قد وسع الله عليه فليوسع عليهم فى هذا اليوم وعلى أبنائه وعلى أحبائه وعلى جيرانه، إنه يوم التواصل، يوم التواد، يوم التراحم، يوم المحبة والفرحة والألفة بين المسلمين ولقد صان الله تعالى هذا اليوم عن أن يكون موطنا لمذلة إنسان أو أن يمد فقير يده، فكلفنا الإسلام أن ندفع زكاة الفطر قبل أن نصلى العيد حتى نغنى فقراءنا عن أن يمدوا أيديهم أو أن يذلوا أنفسهم فى هذا اليوم فقال سيدنا المصطفى صلى الله عليه وسلم: “أغنوهم عن السؤال فى هذا اليوم” فمن دفعها قبل صلاة العيد فهى زكاة مقبولة ومن أخرها إلى ما بعد العيد فهى صدقة من الصدقات ولا تسقط عنهم لأنها تصبح دينا فى عنقه، أيها الإخوة المؤمنون إن يوم العيد فى الإسلام يوم له جلاله وبهاؤه فعلينا أن نتواصى فيما بيننا بالحق وبالصبر وبالصلح بين المتخاصمين وبصلة الأرحام التى أمرنا ووجهنا إليها سيدنا المصطفى صلى الله عليه وسلم حيث قال: “من سره أن يبسط له رزقه أو ينسأ له فى أثره فليصل رحمه” وقال رب العزة سبحانه وتعالى فى الحديث القدسي: أنا الرحمن.. خلقت الرحم وشققت له اسما عن اسمى فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته” وقد تعلقت الرحم بعرش الرحمن وقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة فقال رب العزة لها أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟ قالت: بلي، قال: فهو لك ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: -


اقرءوا إن شئتم فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا فى الأرض وتقطعوا أرحاكم، ولا تنتظر من قريبك أن يصلك هو أولا ثم تصله أنت بعد، بل أبدأ أنت بالصلة أولا. فصلة الرحم الحقيقية تتضح بصورتها المثلى بأن تبدأ الذين قاطعوك وأن تقوم بصلتهم أنت لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: “ ليس الواصل بالمكافئ.. ولكن الواصل الذى إذا قطعت رحمه وصلها” يعنى ليس الواصل بالمكافئ.. أى الذى إذا زاره قريب يزوره،


ليست هذه صلة هذه تسمى مكافأة على زيارته ولكن الواصل أى الذى يصل رحمه حقيقة هو الذى إذا قطعت رحمه.. هو الذى يبدؤها ويزورها.. وهناك من الأرحام.. من يكره قريبه ويبغضه.. وربما يحمل له العداوة، فحين يكون هذا القريب فقيراً يكون ثوابه أكثر لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (أفضل الصدقة الصدقة على ذى الرحم الكاشح( أى القريب الذى لا يحبك لأنها تكون خالصة لله وتكون استجابة لصلة الرحم حتى وإن كان يسيء إليك، أو يقطعك أو يجهل عليك، فإن رجلاً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له: يا رسول الله إن لى قرابة أصلهم ويقطعونني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلم عنهم ويجهلون علي، فقال له النبى صلى الله عليه وسلم : لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل ولايزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك. صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنى الحديث أن هذا الرجل الذى له قرابة يقوم بصلتهم وهم يقابلون صلته بالقطيعة، ويحسن إليهم ويقابلون إحسانه بالإساءة ويكون حليما معهم وهم يجهلون عليه، فالنبى صلى الله عليه وسلم قال له: إن كنت كما تقول فكأنما تسفهم المل.. والمل هو الرماد الحار أى كأنك ترمى فى وجوههم التراب الحار تبكيتا لهم وتقريعاً وتوبيخاً، ثم قال له: “ولايزال معك من الله ظهير”، أى أن الله معك، والملائكة معك والله يؤيدك، والله يكون فى رعايتك وهدايتك، ولايزال معك من الله ظهير عليهم مادمت على ذلك فعلينا أن نصل أرحامنا، وأن نصطلح مع إخواننا وأن نجعل من هذا اليوم المبارك يوم فرح وسرور ويوم تعاطف وتحاب وتواد هذا فيما بيننا وفى داخل مجتمعنا أما المجتمعات الدولية، فيجب على الأمم والدول أن تتواصى بالحق، وأن تتواصى بالصبر وأن تمد يد التعاون فيما بينها للدول الفقيرة وأن تمد يد التراحم للأقليات الإسلامية وللدول الإسلامية الناشئة التى تحتاج من الأمة الإسلامية أن تكون يداً واحدة وأن تتعاون معها على البر والتقوى وأن تكون يداً واحدة.