فاطمة بنت المثنى أستاذة أشهر المتصوفين

09/07/2015 - 9:27:28

 إيمان حسن الحفناوي إيمان حسن الحفناوي

كتبت - إيمان حسن الحفناوي

شهرته ملأت الدنيا، إنه محي الدين بن علي بن محمد بن عربي الحاتمي الطائي الانلسي والمشهور ب "ابن عربي"، تعددت ألقابه، سموه الشيخ الأكبر، وإمام المحققين، البحر الذاخر، سلطان العارفين، وكثير من الألقاب أطلقت عليه، وهو من كبار المتصوفة والفلاسفة المسلمين، قام بتأليف الكثير من الكتب، من أشهرها الفتوحات المكية وهو مكون من 560 بابا، وكتاب فصوص الحكم، وله ديوان "ترجمان الأشواق"، مئات الكتب ألفها  في مختلف المعارف الدينية والأدبية والفلسفية، إلا أن الكثير من هذه الكتب لم تتم طباعتها للأسف، وما تم طباعته استفادت به الإنسانية ولا زالت، له الكثير من المقولات التي لا زلنا نرددها والتي تحرض العقل على التفكر والتأمل، من كلماته " الحكم نتيجة الحكمة، والعلم نتيجة المعرفة، فمن لا حكمة له لا حكم له، ومن لا معرفة له لا علم له"، وهو القائل "الزمان مكان سائل، والمكان زمان متجدد" وقد كان يحترم المرأة ويعتبرها هبة الله لهذه الحياة، وقال في هذا المقام؛ المكان الذي لا يؤنث لا يعول عليه"، ومن فلسفته قال" كل بقاء يكون بعده فناء لا يعول عليه، وكل فناء لا يعطي بقاء لا يعول عليه"، ومن تقديسه لله وحبه لصنعه قال" لا تحتقر أحدا ولا شيئا فالله حين خلقه لم يحتقره"، وقال أيضا" لن تبلغ من الدين شيئا حتى توقر جميع الخلائق"، ولن نحيط بعلم هذا الرجل في هذه المساحة الصغيرة، لكن هي نبذة صغيرة لنعرف قدر هذا الانسان الذي يعتبر بحق عقلية فذة ينهل منها الطالب في أي عصر فلا يرتوي لأنه كلما نهل طلب المزيد، هذا العالم المتبحر كانت أستاذته امرأة من خيرة نساء عصرها، تتلمذ على يدها ومنها تعلم الكثير، ومنها أيضا عرف قدر المرأة فصار من العلماء الذين يدافعون عن حق المرأة في حياة كريمة هي جديرة بها، خدم العالم ابن عربي أستاذته لمدة عامين، وتعلم منها الكثير، ولم ينس فضلها عليه، حتى قال عنها " كانت رحمة للعالم"، قال عنها أيضا "هي من العابدات السائحات، إن أسهبت أتعبت، وإن أوجزت أعجزت وإن أفصحت أوضحت، شمس بين العلماء، بستان بين الأدباء علمها عملها عليها مسحة ملك وهمة ملك"، قال عنها أيضا بما يدلنا على سمات شخصيتها" لم أر في حياتي من الرجال ولا النساء أشد ورعا ولا اجتهادا منها"، ورغم أن هذه السيدة الجليلة ماتت ولم تترك كتابا نرجع إليه إلا أن وفاء إبن عربي لمعلمته جعلنا ندرك الكثير عنها من كتبه وما رواه عنها.


فمن هذه المرأة وكيف أثرت في فكر العالم الجليل؟ إنها فاطمة بنت المثنى القرطبية، وقد كنيت بالقرطبية حيث مكان ولادتها في قرطبة، عرفت فاطمة طريق الحب الإلهي وهي صغيرة في بيت والدها، وتزوجت برجل صالح إبتلاه الله بمرض الجذام  فظلت معه وعلي خدمته كأفضل ما تكون الزوجة الصالحة، ربع قرن وهي تخدمه، وكانت رقيقة الحال فاتجهت إلى الخياطة لتكسب قوت يومها، لكن قرض المغزل أصبعها الذي تعتمد عليه في عملها، فصارت تعيش مما يلقيه الناس خلف بيوتهم، رغم ذلك ففي الأيام التي لم تكن تجد فيها قوتها كانت لا تحزن ولا تشعر بالغبن، بل تفرح وتعتبر أن ضيق الحال إنما هو نعمة من الله لأنه بذلك يجعلها تحيا كما عاش الكثير من الأنبياء والأولياء، وتعتبر أن هذا فضل كبير ومنزلة عظيمة من الله، وكان لها مريدون يتلمسون العلم عندها، لكن أفضلهم عندها كان ابن عربي فقد كان هو التلميذ المقرب لديها، وقتها كما يقول ابن عربي كان هي قد تجاوزت الخامسة والتسعين، ورغم ذلك كان لوجهها نور وصفاء لا تتمتع به إبنه العشرين لما أضفى الله عليها من رضاه، وكان لفاطمة أسلوب مختلف قليلا عن أمثالها من العارفين، في حب الله، فهي لم تكن تبكي ولم تكن تحب هذا بل كانت تضحك وتفرح، وعندما سألها إبن عربي عن هذا قالت له: إني أفرح به حيث إعتنى بي وجعلني  في رعايته، فبعد كل ما فعله معي ربي ألا أفرح به؟ وكانت تقول له في هذا الشأن:" عجبت لمن يقول إنه يحب الله ولا يفرح به، وهو مشهوده، عينه إليه ناظرة في كل عين، لا يغيب عنه طرفة عين"، وكانت تقول له :" أعطاني حبيبي فاتحة الكتاب"، وكانت تتعجب ممن تستعصي عليهم الأمور وعندهم سورة الفاتحة، وهذا لأنها وعيت أسرارها وعرفت  قدرها، وبالفعل عاين ابن عربي بنفسه أنها في أي أزمة كانت تلجأ لهذه السورة الشريفة وكان لها دعاء تتلوه بعدها، وقد انتفع منها بالكثير في هذا المجال وعنها تعلم علم الحروف الذي هو علم الخاصة كان ابن عربي لا يعتبر فاطمة أستاذته فقط، بل أقر بولادته الثانية، وقبل نسبته إلى هذه العارفة الجليلة، حتى أصبح يناديها "أمي"، وقام ابن عربي مع اثنين آخرين من تلاميذ هذه العارفة ببناء بيت صغير لها من الخوص  لتستطيع أن تعيش فيه، إلى هذا الحد كانت حياتها متقشفة للغاية فهي لم تكن تعر الدنيا أي اهتمام رغم أنها لو أرادت لأصبح عندها القصور من مريديها وتلاميذها الذين كانوا رهن إشارتها، عاشت هذه العارفة حياتها تسبح في ملكوت الله، تتدثر بعشقه، وتتغني بفيض محبته، لم يوقفها فقر بل اعتبرت الفقر وساما لأنه به امتحن الله أنبياءه ومحبيه، لم تعتبر الإعاقة شرا بل هي الروعة بنفسها لأنها تقربها من الله، لم تعتبر مرض زوجها الذي إستمر ربع قرن محنة، بل هي منحة  أفاء الله بها عليه ليدخله جنته، واختبرها بها لتؤدي واجبها بما يرضي الخالق، لم تعتبر الكبر في السن مشكلة بل هي هبة وهدية اعطاها الله لها لتستثمرها في عبادته، كل شيئ منه جميل ، كل شيئ منه يستوجب الحمد، وكل شيء منه هو خطوة تقربها أكثر من الحبيب، وماتت العارفة، ماتت وهي تقترب من المئة بوجه صبوح وضاء كفتاة غيداء، مساحيق الجمال لديها كانت تسبيحها، ومستحضرات العناية بالبشرة كانت وضوءها، وجمال طلتها كانت سماحتها، ماتت في بيت الخص الذي بناه لها تلاميذها، لكنه بإيمانها وتقربها للخالق كان أرحب من قصر وأجمل من دنيا لا تراها هي إلا مجرد دار انتقال، بينما يراها كثيرون دار قرار، رحم الله عاش قضت حياتها في عبادة ربها، وجزاها الله عن من علمتهم خير الجزاء.