الشعب اليونانى بعد أن قال «OXI».. يبحث عن «نعم» لحل عادل

08/07/2015 - 11:05:41

تقرير: نهال الشريف

قال اليونانيون كلمتهم «لا» فى الاستفتاء التاريخى الذى شهدته الدولة صبيحة الأحد الماضى رافضين شروط الدائنين لتبنى خطة تقشف وزيادة الضرائب التى أثقلت كاهل المواطنين. ورغم فرحة اليونانيين بكلمتهم المهمة التى حققت نسبة ٦١٪ مقابل ٣٨٪ من الموافقين على شروط الدائنين، إلا أن مستقبل اليونان كعضو فى منطقة عملة اليورو التى تشمل ١٩ دولة، وكذلك عضوية الاتحاد الأوربى الذى يضم ٢٨ دولة يبقى أسير المخاوف والتكهنات ويحذر الكثيرون من سقوط اليونان، في دوامة المجهول.


يربط اليونانيون بين كلمة oXI التى تعنى «لا» باليونانية والشعور بالكرامة الوطنية، فقد سبق وأن قالوها عام ١٩٤٠ فى مواجهة المهلة التى منحها موسولينى لليونان للاستسلام دون مقاومة، ولكن الرفض أدى لاجتياح جيوش الفاشية لليونان الأول منذ ٤٠ عاما، ولكن تبقى النتائج التى تترتب على «لا» هى محور الاهتمام العالمى.


ففى الوقت الذى أكد فيه كل من الرئيس الفرنسى هولاند والمستشارة الإلمانية أنجيلا ميركل احترامهما لنتيجة الاستفتاء، إلا أن النتائج التى سيخرج بها اجتماع قمة دول اليورو فى بروكسل اليوم الثلاثاء هى موضع ترقب الجميع. هذا الاجتماع لن يحضره وزير المالية يانيس فاروفاكيس الذى أعلن استقالته من الحكومة. فقد قال فاروفاكيس إنه أبلغ بأنه ليس موضع ترحيب وأنه سيتحمل كراهية الدائنين. ويعتقد أن هذا الرفض راجع لتشدده فى جولات المفاوضات مع الدائنين قبيل عقد الاستفتاء.


وقد اتخذت الأزمة اليونانية إيقاعا متسارعا منذ وصول حزب سيريزا اليسارى بقيادة الكسيس تسيبراس للحكم مطلع عام ٢٠١٥. حيث فاز الحزب الذى يعنى اسم العودة للجذور على خلفية وعود تسيبراس بعدم فرض مزيد من إجراءات التقشف وخفض الإنفاق الحكومى على البرامج الاجتماعية التى تمس فى المقام الأول أرباب المعاشات والفئات المتوسطة والبسيطة من المجتمع.


وتمثل اليونان التى انضمت لمنطقة اليورو مطلع عام ٢٠٠١، اقتصاديا ٣٪ فقط من إجمالى اقتصاد الاتحاد الأوربى، وقد تفاقمت الأزمة اليونانية بعد اندلاع الأزمة المالية العالمية، انطلاقا من وول ستريت عام ٢٠٠٨. وفى ٢٠٠٩ أعلنت الحكومة اليونانية فى ذلك الحين أن الحكومات اليونانية المتعاقبة كانت تقلل من تقدير حجم العجز المالى لديها على مدار سنوات، وهنا بدأت الشكوك حول صحة الأوضاع المالية لليونان. ومع حلول عام ٢٠١٠ لم يعد باستطاعة اليونان الحصول على قروض واتجهت الدولة نحو الإفلاس مما أنذر بأزمة مالية جديدة وكبيرة. وللخروج من المأزق قامت الترويكا التى تضم صندوق النقد الدولى والبنك المركزى الأوربى والمفوضية الأوربية بإعلان حزمتى انقاذ مالى لليونان بقيمة ٢٤٠ بليون يورو، ولكنها مشروطة بإجراءات تقشف وخفض كبير فى الموازنة اليونانية وزيادة كبيرة فى الضرائب.


ولكن لم تنجح خطة الإنقاذ فى القضاء على المشكلات الاقتصادية اليونانية، فقد حقق الاقتصاد انكماشاً بمقدار الربع خلال خمس سنوات وارتفعت البطالة بمقدار ٢٥٪ . كذلك فإن معظم أموال خطة الإنقاذ تذهب لسداد الديون وأعبائها بدلا من ضخها لتدوير عجلة الاقتصاد. وتذكر بعض التقديرات أن الدين العام فى اليونان قفز من ١٠٧٪ من إجمالى الناتج المحلى عام ٢٠٠٧ إلى ١٧٧٪ عام ٢٠١٤ بما يساوى ٣١٧ مليار دولار. وهو مستوى اعتبر صندوق النقد الدولى أنه لا يمكن دعمه. وطالب بتسديد كامل ديونه وقدرها ٥،٣٢ بليون يورو على مدى ١٠سنوات.


وجراء شروط الدائنين انخفض متوسط عائد الفرد بأكثر من ٣ آلاف يورو وتضاعف معدل البطالة ٤ مرات من ٧،٨٪ عام ٢٠٠٨ إلى ٨،٢٧٪ عام ٢٠١٣. ولكن لابد من الإشارة إلى أن عام ٢٠١٤ حقق اليونان بعض التقدم الاقتصادى، حيث انتقل معدل النمو من السلبى بنسبة سالب ٣،٩٪ إلى الإيجابى بنسبة ١،٦وتراجع العجز العام ٥،١٣٪ إلى ٦٥،١٪.


المتخوفون من نتائج الاستفتاء يظنون أن اليونان ستخرج من منظومة اليورو وربما فى نهاية المطاف من عضوية الاتحاد الأوربى، ولكن رئيس وزراء اليونان تسيبراس والذى خاض مغامرة سياسية خطيرة كان يمكن أن تكلفه مستقبله السياسى يؤكد أن سؤال الاستفتاء المكون من٧٢ كلمة لا يتضمن أى حرف للخروج من منطقة اليورو، وإنما يهدف حسب قوله لتقوية وضعه التفاوضى مع الدائنين. قبل أيام قليلة من الاستفتاء أعرب تسيبراس عن أمله أن يقوم الدائنون بشطب ٣٠٪ من ديون بلاده والحصول على فترة سماح لتأخير سداد المتبقى مدتها ٢٠ عاما.


أصداء الأزمة اليونانية تزيد المخاوف والقلق فى دول أخرى مثل إسبانيا والبرتغال وإيرلندا وقبرص التي تواجه مشاكل شبيهة بالوضع فى اليونان. كما أنه فى حالة خروج اليونان من منظومة اليورو والاتحاد الأوربى يضع زعماء أوربا فى مأزق سياسى كبير، حيث يعتقدون أن بقاء أوربا موحدة سياسيا هو الأولوية الأجدر بالاهتمام. ومع ذلك لم يتمكن هؤلاء الزعماء من إصلاح أوجه القصور فى هيكل منطقة اليورو. كما يوجد مأزق آخر فى الانسحاب من اليورو والاتحاد الأوربى تشبهه جريدة نيويورك تايمز الأمريكية بحقل الألغام السياسى لايجرؤ أحد على اجتيازه.


حيث لا تتضمن قوانين تأسيس الاتحاد الأوربى ونظام العملة الأوربية الموحدة قواعد منظمة للخروج من هاتين المنظومتين سواء بشكل اختيارى أو اضطرارى. وفى اللحظة الحالية بعد أن قال اليونانيون «لا» فإنهم يبحثون الآن عن «نعم» لاتفاق عادل مع الدائنين.