من دولة «داعش» إلي دويلات أخري في الشام والعراق والخليج أنماط جديدة من الحكم والتحالفات في الشرق الأوسط

16/07/2014 - 12:46:10

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

بقلم : السفير د. عزمي خليفة

جاء تحرك تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام " المعروف اختصارا بتنظيم " داعش" في كل من سوريا والعراق ليعكس تحولا استراتيجيا هاما في العقيدة العسكرية للتنظيم وهذا في حد ذاته مؤشر لاحتمالات عالية لحدوث تغييرات في البيئة الاستراتيجية ليس لسوريا والعراق فقط وإنما لمجمل منطقة الشرق الأوسط بدءاً بالشام ثم بدول الخليج العربية، إذ تحدد العقيدة العسكرية لأي تنظيم التوجه العام الحاكم لرؤية هذا التنظيم لطبيعة التهديدات التي تواجهه ومصادر انتشارها، ومن ثم فإنها تحدد حجم القوات اللازمة لهذا التنظيم ومستوي تسليحها وأماكن تمركزها، كما تحدد نمط القيادة والسيطرة، والأهداف التي يتوخي التنظيم تحقيقها.


من هذا المنطلق - تغيير العقيدة العسكرية - تقدمت قوات داعش في سوريا إلي الرقة وقامت باحتلالها أولا وسعت للاعتراف بها كعاصمة مؤقتة للخلافة الإسلامية وبالرغم من خطورة هذا التحرك إلا أن سوريا تكتمت الأمر إعلاميا وربما يمكن تفهم ذلك في ضوء انعكاساته السلبية عليها كدولة وكنظام لكن الغريب في الأمر تكتم الولايات المتحدة للأمر بالرغم من مخاطره علي مصالحها في ظل ترتيبات الأمن الأمريكية الحالية في المنطقة.


ثم قام "داعش" باحتلال المناطق السنية في العراق والتحرك صوب الموصل ثاني المدن العراقية بعد العاصمة بغداد التي هددت باقتحامها بعد ذلك لتهدد لأول مرة وبصورة مباشرة وحدة الأراضي العراقية، بخاصة أن الأكراد في الشمال استغلوا هذا التطور وسيطروا علي كامل مدينة كركوك الاستراتيجية والغنية بالإنتاج النفطي لأول مرة، وأشاروا في مباحثاتهم مع وزير الخارجية الأمريكي كيري إلي أن هذا التطور قد وفر واقعا جديدا في العراق يسمح باستقلال الدولة الكردية وهو ما لم يعلق عليه كيري وأن كانت إشارات قد خرجت من مصادر أمريكية فيما بعد تفيد بأن هذا الاستقلال يحتاج الي التنسيق مع تركيا وهو ما يفيد ضمنا قبولا أمريكيا بفكرة تقسيم العراق واقعيا وفعليا بعد أن نجحت امريكا في وضع بذور هذا التقسيم في الدستور الذي صدر تحت حمايتها خلال احتلالها للعراق.


هذه التحركات المتزامنة من "داعش "في سوريا والعراق ستؤدي إلي ثلاث نتائج هامة أولها التوجه إلي تقسيم سوريا والعراق علي أسس طائفية وهو هدف استراتيجي سعت إليه واشنطون من خلال مشروع الشرق الأوسط الموسع الذي استهدف نزع العروبة عن المنطقة العربية من خلال إذابتها في كيان جغرافي أوسع يتسم بالتعدد الثقافي والمذهبي أولا ثم تقسيم دول هذه المنطقة العربية علي أسس مذهبية وأثنية ثانيا بدعوي وجود صراعات داخلية والمطالبة بإعطاء مختلف الأقليات والجماعات وهو ما عبرت عنه صراحة كوندليزا رايس حينما ذكرت أن "الحرب الأهلية في سوريا هي الفصل الأخير في قصة تفكك الشرق الأوسط كما نعرفه فإمكانية الحفاظ علي وحدة المنطقة وإعادة بنائها علي أساس من التسامح والحرية والوصول بها إلي الاستقرار الديمقراطي بدأت تتسرب من بين أيدينا وتبتعد عن قبضتنا" ومن ثم فتفكيك الإقليم وإعادة بنائه معناه التخلي عن حدود سايكس بيكو التي تم التوصل إليها في أعقاب الحرب العالمية الأولي نتيجة انهيار الخلافة العثمانية، أما التقييم بأن الفرصة بدأت تتسرب من بين الأيدي الأمريكية وتبتعد عن قبضتها فهو تقييم ارتبط باستمرار الأسد علي رأس السلطة في سوريا الموحدة داخل حدود سايكس بيكو، وهو نفس ما عبر عنه بصورة أكثر وضوحا بايدن نائب الرئيس الأمريكي الذي أبدي استعداد بلاده للاعتراف بالدويلات الناتجة عن تقسيم العراق وسوريا.


أما النتيجة الثانية المترتبة علي تغير العقيدة العسكرية لداعش والتحركات التي ترتبت عليها فهي توقع صعود دور تيارات الإسلام الجهادي في مواجهة الإسلام السلفي والإسلام الاجتماعي الذي تمثله جماعة الإخوان المسلمين والتنظيمات الإسلامية المرتبطة بها والداعمة لها، فالنجاح - حتي وإن اعتبرناه نسبيا ومؤقتا - الذي حققه داعش والقوي السنية والبعثية المتحالفة معه سيتحول إلي مصدر الهام لمختلف التنظيمات الجهادية السنية والشيعية علي السواء خاصة أن تجربة سبتمبر 2001 قد رسخت لدي الإدراك الأمريكي إشكالية التعامل مع الإسلام السني الذي لا يخضع لقيادة موحدة بعكس الإسلام الشيعي الذي له مرجعياته الدينية التي يمكنها السيطرة علي تحركاته في الشارع، وهو الإدراك الذي جسده سلوك السفير الأمريكي بالبحرين خلال أزمة 14 فبراير والذي أيد المعارضة الشيعية بغض النظر عن الدور الإيراني لدعم هذه المعارضة مما دفع مجلس النواب البحريني إلي اتخاذ قرار بطرد السفير من البحرين وهو سلوك أشبه بسلوك السفيرة الأمريكية بالقاهرة أن باترسون التي أيدت مواقف الإخوان وجعلت الاتصالات بقيادات الجماعة لها أولوية علي الاتصالات بالحكومة المصرية وانتهي الأمر بمغادرة السفيرة للقاهرة أمام الاحتجاجات الشعبية.


أما النتيجة الثالثة فهي اختلاف الثقل النسبي للتنظيمات المختلفة للإسلام الجهادي في الشرق الأوسط ككل ، فإذا كان تنظيم القاعدة هو التنظيم الأم للإسلام الجهادي ومن ثم كانت كافة التنظيمات الجهادية تدين له بالولاء فمن المؤكد أن انتصارات داعش علي الأرض في سوريا والعراق ستمنح الأخير ثقلا نسبيا أكبر علي حساب القاعدة وهو ما وضح بالفعل من تصريحات أيمن الظواهري قائد تنظيم القاعدة فور إعلان البغدادي زعيم داعش بأنه خليفة المسلمين فإذا بأيمن الظواهري يعلن انه الخليفة وينبغي علي البغدادي مبايعته وهو ما رفضه الأخير.


هذه النتائج الثلاث المترتبة علي تغيير العقيدة العسكرية لداعش - التخلي عن الحدود الحالية وزيادة أهمية الإسلام الجهادي واختلاف الثقل النسبي للتنظيمات الجهادية - تتواكب مع سياسة أمريكية جديدة يمكن تحديد أهم ملامحها في تصريحات أمريكية بإعلان نيتها الانسحاب من الخليج لارتفاع أولوية تواجدها في أسيا لاعتبارات عديدة، وعدم إمكانية الحفاظ علي الحدود الحالية في الشرق الأوسط، والانفتاح علي الإسلام الجهادي وإعادة النظر في نمط تحالفها مع أوربا التي ينبغي عليها تحمل بعض المسئوليات الدفاعية عن نفسها خاصة في ظل تصاعد أهمية الفيل الصيني من جانب وأهمية البحث عن صيغة جديدة للتفاهم مع روسيا من جانب آخر.


ولكن الأخطر بالنسبة للسياسة الأمريكية الجديدة في الشرق الأوسط أن أهمية إسرائيل بالنسبة للسياسة الجديدة للولايات المتحدة ستنخفض، كما أن إسرائيل ستحاط بقواعد الإسلام الجهادي في سوريا والعراق وربما غزة، في مقابل ارتفاع أولوية إيران وهو ما عبرت عنه القيادة الأمريكية بأنها تسعي لإعادة صياغة توجهات إيران الخارجية أي المحافظة علي وحدة إيران كدولة رئيسية في الشرق الأوسط الجديد بدلا من إخضاعها بالقوة من خلال إسقاط الأسد في سوريا الذي نجح في تعزيز وجوده بالانتخابات وتخليه عن السلاح الكيماوي بل واحتمالات استعداده لتولي رئاسة دويلة علوية في الشرق الأوسط الجديد.


إذن نمط التحالفات الحالي الذي طرحته الحدود الحالية (سايكس بيكو) لم يعد صالحا، وقواعده لم تعد صالحه، والنخب العربية الحاكمة حاليا لم تعد صالحة (أحد أسباب التخلي عن مبارك في 25 يناير 2011) والاتجاه الأكثر ترجيحا للسياسة الأمريكية في المنطقة سيكون تقسيم كل من سوريا والعراق إلي ثلاث دول ولبنان قد يبقي وفق الصيغة السياسية الحالية أو انقسامه إلي ثلاث دول والانتقال إلي الخليج لتنقسم السعودية إلي ثلاث دول أيضا وضم الكويت لدولة شيعة العراق بحكم التركيبة السكانية ذات الأغلبية الشيعية، مع وضع ترتيبات لانتقال سلطة اتخاذ القرار في البحرين إلي الشيعة.


ولكن هذه الأوضاع الجديدة في المنطقة تطرح تساؤلين:


التساؤل الأول: هل سيصمد التحالف السني مع داعش ذي العشرة ألاف مقاتل في سوريا والعراق أخذا في الاعتبار افتقاده للحاجة للحشد الجماهيري؟


التساؤل الثاني: ماذا نحن فاعلون؟ وأقصد بنحن مصر ودول الخليج الأربع السعودية والإمارات والكويت والبحرين؟


إجابة السؤال الأول أن المهم في هذا المقام الدعم الدولي الذي ستوفره واشنطن للخريطة الجديدة ومدي تماسك الموقف الدولي لاستقرار التقسيم في ظل وجود سوابق لمثل هذا الحل في منطقة البلقان وأفريقيا بل وأسيا.


وإجابة السؤال الثاني تتوقف علي مدي الإدراك بالمخاطر المحدقة بالخليج من ناحية ومدي الرغبة في القيام بدور فاعل للمحافظة علي الحدود الحالية وذلك لن يتحقق إلا بتغيير الدول الخليجية الأربعة لمواقفها في عدد من القضايا يأتي في مقدمتها الأزمة السورية لتتحول إلي دول داعمة للأسد حتي يمكنه مواجهة الدعم الذي قررت واشنطن تقديمه إلي بعض التنظيمات الإسلامية "المعتدلة في سوريا" دون تسميتها فهل هم مستعدون؟؟!!