معركة الحكومة والتجار

16/07/2014 - 12:39:20

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

تحقيق : بسمة أبو العزم

غالبية الناس التى تكتوى بنار أسعار السلع الغذائية ، تقول إن الدولة «خلاص» تقدمت باستقالتها من وظيفتها ، كراع لمواطنيها فى مواجهة جشع التجار . البعض الآخر يرى أن الحكومة عازمة على ضبط الأسعار ومنع الاحتكار ، حتى لا تتأثر بزيادة أسعار البنزين والنقل .


حرية التجارة الداخلية ، فى قبضة عائلات محددة ، تورثها للأبناء ، المجزر الآلى فى البساتين مثلاً ، تتحكم فيه عشر عائلات ، وتجارة الخشب تتحكم فيها عائلات من الصعيد ، الداخل بينها مقتول ، أو محروقة مخازنه . الأمثلة كثيرة على استغلال تجار السوق للمستهلكين والفقراء ، لكن ما الجديد فى هذا ؟


الجديد أن الدولة أفاقت من سباتها وقررت العودة إلى دورها فى مراقبة الأسواق والتجارة الداخلية ، لمنع الاحتكار . خطوة استبقها كبار التجارة والصناع بتقديم «السبت» للحكومة حتى لاتتخذ الأخيرة إجراءات حازمة معهم مثل إصدار تعديلات قانون المنافسة ومنع الاحتكار . التجار أفلحوا إن صدقوا ، تعهدوا لرئيس الحكومة إبراهيم محلب ، بتثبيت أسعار السلع وعدم رفعها تأثراً بزيادة أسعار البنزين والنقل الأخيرة .


لاتحاد العام للغرف التجارية دعا الخميس الماضى رئيس الوزراء ومجموعته الاقتصادية لحفل إفطار لجس نبض الحكومة بخصوص موقفها وأسلوب تعاملها مع التجار فى المرحلة المقبلة والاطمئنان على استمرار سياسة حرية السوق والبعد عن التسعيرات الاسترشادية والإجبارية ، ولكسب المزيد من ود الحكومة ومنعا للدخول فى صدام مبكر معها، تعهد كبار منتجى الزيوت والدواجن والألبان والمجمدات والخضر وأصحاب السلاسل التجارية والهايبر فى جلسات تالية مع رئيس الوزراء بعدم زيادة أسعار منتجاتهم بعد زيادة أسعار الوقود، وبالفعل قامت إحدى الشركات الكبرى بتقديم 500 طن دواجن مجمدة للمجمعات الاستهلاكية بخصم 25 بالمائة عن الأسواق وأيضا قدمت شركة أخرى فى مجال الألبان 500 طن للمجمعات بخصم 30 بالمائة لإثبات حسن النية .


يقول د. محمد أبو شادى وزير التموين الأسبق إن النشاط التجارى فى مصر قائم على طابع احتكارى عائلى متوارث ، فمجزر السيدة زينب القديم كانت تسيطر عليه عشر عائلات معروفة بالاسم ، وحينما انتقل المجزر إلى البساتين تحركوا معه، فهم المتحكمون فى أسعار اللحوم فيجلسون ليلا على المقاهى لتحسين أسعار اليوم التالى بعد الذبح ، أيضا سوق «غمرة» للسمك تسيطر عليه عشر عائلات وتمنع دخول أى عناصر جديدة متحكمة فى الأسعار .


أسعار الخضر والفاكهة يتحكم فيها عدد محدود من تجار سوق العبور و6 أكتوبر أما فى المحافظات فهناك أسواق جملة كبيرة تضم كبار التجار المتحكمين فى الأسواق لديهم .


أضاف أبو شادى أن التجار لهم مصلحة فى تطبيق حرية السوق وعدم تدخل الدولة لكنهم لايقتنعون بربح عادل والذى يتراوح ما بين 20 إلى 30 بالمائة بين حلقات التداول ، بالعكس هناك أنشطة تصل أرباحها إلى 500 بالمائة مثل تجارة الحلويات بدون تقديم أى قيمة مضافة ، أيضا الاحتكار لايقتصر على تجار المواد الغذائية بل يمتد إلى كافة السلع فتجارة الخشب يسيطر عليها 17 تاجراً بمنطقة «أم زوريو» أغلبهم من سوهاج ولاينضم لهم تاجر كبير إلا إذا باع وفقا لأسعارهم وحينما يخالفهم يكون مصيره القتل أو حرق مخازنه.


أكد أبو شادى أن الاحتكار والتحكم فى الأسعار لايتوقف على كبار تجار الجملة بل يبدأ من المستوردين فهناك لوبى احتكارى يتحكم فى الأسعار ، فكل سلعة يستوردها مابين 400 إلى 500 سلعة لكن دائما هناك العشرة الكبار الذين يستوردون بكميات كبيرة ويطرحون السلع بالأسواق لتجار الجملة ، فسلعة مثل السكر سعرها بالخارج 200 دولار للطن بما يعادل 1400 جنيه جملة لكنهم يطرحونها بالأسواق بسعر 4 آلاف جنيه.


ويضيف أن التجارة الداخلية تعانى كافة السلع من جشع واحتكار لبعض التجار والمستوردين فى ظل غياب دور الدولة وضعف الرقابة ، فهناك توقف عن تعيين دفعات جديدة من مقتشى التموين منذ الثمانينات فهناك 13 ألفا و500 مقتش على مستوى الجمهورية أعمارهم تجاوزت 50 عاما لا يستطيعون القيام بواجبات تتناسب مع حجم النشاط التجارى على مستوى الجمهورية ، وهناك 25 ألف مخبز و24 ألف محل بقال تموينى إلى جانب ثلاثة آلاف و600 مستودع أنابيب إلى جانب نحو 5 ملايين محل داخل كل محافظة يجب وقوعها جميعا تحت عيون رقابة مفتشى التموين وبالتالى النقص العددى يمنعهم من تأدية واجباتهم فالأجهزة الرقابية للدولة فى حاجة إلى دعم بشرى ومادى لتأهيل وتدريب العاملين بها .


أكد محمد أبو شادى أنه ليس بالقانون وحده تواجه الممارسات الاحتكارية والتحكم فى الأسعار ورفعها بشكل غير مبرر ، فعلى الدولة سرعة الدخول كمنافس عبر الاستعانة بشركات القطاع العام وتغيير إستراتيجيتها بالتعاقد التجارى مع المنتجين أنفسهم مباشرة بعيدا عن الوسطاء ، فحتى الآن المجمعات الاستهلاكية تحصل على الخضر والفاكهة من سوق العبور وبالتالى لم نكسر احتكار القلة لتجار الفاكهة والخضر وبالتالى يجب التعاقد مع الفلاحين مباشرة والتوسع فى الزراعة بالأراضى المملوكة لوزارة الزراعة وتوفيرها بمنافذها بأسعار مخفضة تخلق منافسة حقيقة .


وتابع أنه لايجب أن يقتصر دور الدولة على الدخول كمنافس بل يمتد إلى تيسير دخول عناصر جديدة من الشباب للأسواق لخلق منافسين جدد للتجار لكسر الاحتكار ويتم ذلك عبر فتح أسواق بديلة وتوفير قروض من البنوك لهم مع تدريب الشباب على أصول الاستيراد والتصدير .


تحديد هامش ربح وسيلة جيدة لضبط الأسعار فى حالة جشع التجار ، وسبق أن هددت بتطبيق التسعيرة الإجبارية حينما توليت حقيبة وزارة التموين والتجارة الداخلية لمحاربة الارتفاع الجنونى لأسعار الخضر والفاكهة بالرغم من علمى عدم امتلاكى كدولة لأدوات تطبيق التسعيرة الجبرية لكن الهدف وقتها تخويف التجار لكننا نجحنا فى وضع تسعيرة استرشادية عبر لجنة تقدم بشكل أسبوعى السعر العادل وإعلانه وبالرغم من عدم الالتزام به بشكل كامل الا أن مفتشى التموين كانوا يراقبونها فحدث انضباط فى الأسعار لكن إلغاءها حاليا بدون وضع بدائل أمر خاطىء .


وصف أبو شادى الحديث عن البورصات السلعية بالترف فالأولى تطوير أسواق الجملة الحالية فهى بمثابة بورصات ، لكن بعض التجار حينما شاهدوا الأسواق بتركيا على مستوى أعلى وبها شاشات الأسعار يرغبون فى تقليدهم دون الوعى باختلاف الثقافات فأغلب التاجر بأسواق الجملة أميون وهم المتحكمون بالأسواق والأسعار فلا يجب إضاعة الوقت ويجب تطوير الحالى.


أكد.د. عبدالمطلب عبدالحميد رئيس قسم الاقتصاد بأكاديمية السادات أن التجارة الداخلية تسير وفقا لنظام احتكار القلة بداية من المستورد حتى تاجر الجملة فيستغلون الظروف أسوأ استغلال ، ولضبط الأسواق لابد من الضرب بيد من حديد على القلة الجشعة التى ليس لها روح تضامنية ووطنية فى ظل حالة التحول السياسى التى تمر بها البلاد .


لتحقيق استقرار فى الأسعار يجب على الحكومة توفير كميات كبيرة من السلع بأسعار عادلة مع مقاضاة المستغلين ، أيضا تحديد هوامش ربح لكافة السلع .


طالب د. عبدالمطلب بتفعيل قوى لتعديلات قانون المنافسة ومنع الاحتكار مع مصادرة السلع وتغليظ العقوبات فيجب الدخول فى حرب مع المستغلين ومحاربة أباطرة وحيتان التجار والمستوردين .


هناك تشويه لهيكل الأسعار لصالح المستغلين تحت مسمى «التجارة شطارة» فتحرك الأسعار نحو الارتفاع لايعادل الزيادة الطبيعية للتكلفة ، لذا على الحكومة حماية الفقراء من الجوع وارتفاع الأسعار وجشع التجار حتى لايثور الشعب ومنح ذلك بتعوضيهم عبر رفع الأجور وتطبيق الدعم النقدي وتوصيله لمستحقيه .


دعا أبو طالب الحكومة لبسط سيطرتها الرقابية عـلى الأسـواق مـع تـوفير السلــع بأسعـار مخفضــة داخل المجمعات الاستهلاكية بجودة عالية أيضا الضغط على محتكرى بعض السلع بتهديدهـم بفتـح باب الاستيراد من دول تقدم نفس المنتجـات بأسعار أقل.


التحول نحو آليات السوق الحر لها ضوابط أهمها منع الاحتكار وحماية المستهلك واستقرار الأسعار ، فالهدف الأساسى للسياسة الاقتصادية للحكومة يجب أن تقوم على التوازن بين الدخول والأسعار ، فمعالم السياسة الاقتصادية للحكومة غير واضحة حتى الأن لكن لايجب الاكتفاء بالجلوس مع التجار للتعهد بعدم رفع الأسعار بل اتخاذ إجراءات صارمة تمنعهم فلا مانع من إقامة البورصات السلعية بشرط تقديم المعلومات بشفافية حتى لا تكون باباً خلفياً للاحتكارات.


من جانبه أشار عمرو عصفور نائب رئيس شعبة تجار المواد الغذائية بالغرفة التجارية بالقاهرة إلى أن الأسعار المحلية لاتعكس توجهاً حقيقياً للأسعار العالمية للسلع فدائما هناك مبالغة فى رفع الأسعار وذلك يرجع لوجود نوعين من الاحتكارات المسيطرة على أغلب السلع أولها الاحتكار غير المقنن ويسير طبقا للمحسوبية فيقوم المستورد بالتحكم فى سعر السلعة ورفعها بدون مبرر وهذه الفئة يمكن تطبيق القانون عليها ، أما النوع الثانى الاحتكارات المقننة وهى الأخطر فتظهر نتيجة لانخفاض عدد المنافسين بها فى الإنتاج لكونها معتمدة على استثمارات عالية ويصعب اختراقها وأشهر تلك المنتجات الزيوت والسكر والأرز ، هناك أربع مصانع كبرى تتحكم فى تصنيع الزيوت ومسئولة عن الاستيراد أيضا ثلاثة مصانع للسكر بخلاف خمسة مستوردين كبار .


عصفور يقول إن مافيا الأسعار ليست لها علاقة بالتجار فهم مجرد ناقل للسلعة خاصة أصحاب المحال التجارية للسلع الغذائية لكن المسئولية تقع على المستوردين والمنتجين، لكن الحكومة تسير بشكل جيد فى ملف الأسعار فهى تتعامل مع المتحكمين فى الأسواق بأسلوبين : أحدهما الترهيب بإصدار تعديلات قانون المنافسة ومنع الاحتكار والتلويح باستخدام القبضة الحديدية أحيانا مع إجراء جلسات للاتفاق الودى وأوقات أخرى لاستدعاء الحس الوطنى لديهم وبالفعل تم الاتفاق على تثبيت الأسعار حتى إذا ارتفعت سيحدث ذلك بشكل طفيف .


أوضح عمرو أن تجارة الرصيف عشوائية غير منظمة داخليا فلايتحكم فيها عدد معروف من كبار التجار فمصادرها متنوعة فهناك تهريب من ليبيا والسودان وأحيانا سلع اقتربت صلاحيتها من الانتهاء فتتخلص منها المصانع وبالتالى فتجار الرصيف لايتعاملون مع مستورد محدد بل لديهم كشكول متنوع وبالتالى لايحكمهم سعر واحد .


على صعيد آخر نفى شهبندر التجار أحمد الوكيل رئيس الاتحاد العام للغرف التجارية وجود أى نوع من الاحتكار بالأسواق مؤكدا على وجود قانون للمنافسة ومنع الاحتكار فإذا كان هناك احتكار سيعاقب من يخالفه، لكن قواعد العرض والطلب هى المتحكمة فى الأسعار.


الارتفاع المستمر للأسعار يعود لخفض كفاءة سلاسل الإمداد والتمويل للسلع وزيادة الفاقد أثناء التداول بين حلقات التوزيع وارتفاع تكلفة النقل وكلها أمراض مزمنة تحتاج لتطوير شامل لمنظومة التجارة الداخلية أيضا ارتفاع سعر صرف الدولار وصعوبة فتح اعتمادات مستندية للمستوردين واضطرارهم للسوق السوداء يساهم فى رفع تكلفة الاستيراد ، فالمنتج يحدد الزيادة فى أسعار السلع وفقا لزيادة التكلفة ، حتى المزارع هو المتحكم فى سعر الخضر والفاكهة فهذا العام سعر الفاصوليا البيضاء عشرة جنيهات من المزرعة ليصل سعر الطن إلى عشرة آلاف جنيه فالمزارع يحصل على ربح مناسب أما تجار الجملة فيحصلون على نسبة مئوية من المزادات .


اعتبر الوكيل المكسب المغالى فيه لصالح التجار أثناء نقص الكميات المعروضة من بعض السلع شطارة وتعويض عن خسائر يتعرض لها حينما يزيد العرض ويقل الطلب مضيفا أنه من الصعب تثبيت أسعار للسلع أو وضع أسعار استرشادية فالأسعار تختلف من محافظة لأخرى .


أضاف الوكيل أنه تم الاتفاق مع رئيس مجلس الوزراء على إنشاء شركة قابضة للبورصة السلعية فى مصر تسمى شركة الأمل والتنمية لها فروع بالمحافظات لعمل مناطق لوجستية لتكون نسبة الشركة القابضة 51 بالمائة والباقى يتم طرحه بالبورصة بما يساهم فى خفض الهالك ودعم الصادرات بما يؤدى لمنع الممارسات الاحتكارية للبعض .


أكد الوكيل على التزام التجار والصناع بتعهداتهم للحكومة بعدم رفع الأسعار فسيتم امتصاص زيادة تكلفة النقل والبنزين ضمن تكاليف الإنتاج الحالية