أهالى حارة اليهود : المسلسل لم يقدم التاريخ كما يجب أن يكون

05/07/2015 - 9:24:43

صورة ارشيفية صورة ارشيفية

تقرير - محمود أيوب

فى معرض حديثه عن "يهود مصر" قال الكاتب محمد أبو الغار، فى مؤلفه "يهود مصر من الإزدهار إلى الشتات"، متحدثا عن "حارة اليهود": إن حارة اليهود لم تكن حارة بالمعنى الحرفى، فهى فى الحقيقة حىكامل فيه شوارع وحوارى كثيرة متصلة ببعضها البعض، وتقع وسط القاهرة بين القاهرة الإسلامية والقاهرة الخديوية، وكان يسكنها أعداد كبيرة من المسلمين والأقباط، وكان سكانها من اليهود مرتبطين بأمرين، أولهما الدخل المحدود، والآخر القرب من مصادر الرزق بالنسبة للحرفيين فى الصاغة وغيرها، أما من تحسنت أحواله المادية فقد كان يهجر الحارة إلى عابدين أو باب اللوق أو باب الشعرية أو الجمالية أو الأزبكية أو الدرب الأحمر، ومن ترتفع أحواله المادية أكثر  كان ينتقل إلى العباسية ومصر الجديدة، أما من انضم إلى الأغنياء فكان سكنه الزمالك أو جاردن سيتى، ولم تكن الحارة، مكانا إجباريا ملزما لسكن اليهود فى أى زمان من التاريخ الحديث لمصر، لذا فإنها لم تكن "جيتو" يهوديا مماثلا للجيتو فى أوروبا الشرقية الذي ألزم اليهود بالسكن فيه".


حديث "أبو الغار" عن "حارة اليهود" لم يمنع ما تناقلته الألسن من معلومات مغلوطة تفيد بأن "الحارة" كانت لليهود فقط، وأن الأقلية داخلها كانت من نصيب المسلمين والأقباط أيضا، وهو أمر تناولته عدد من الأعمال الدرامية والكتابات البحثية، غير أن زيارة واحدة لـ"حارة اليهود" تنفى تلك المزاعم، وتؤكد – بما لايدع مجالا للشك- أن الحارة التى كانت تضم ما يقرب من 350 شارعا صغيرا بعرض لا يتجاوز المتر الواحد، وتمتد تلك الشوارع لمسافات كبيرة جدا، ويقال أيضا أنها كانت تضم نحو 13 معبدا لم يتبق منها سوى ثلاثة معابد فقط، أشهرها معبد موسى بن ميمون الذي تشير كتب التاريخ والتراث الإسلامى إلى أنه كان مقربا من القائد الإسلامى صلاح الدين الأيوبى.


الكتب ذاتها تشير أيضا إلى أن اليهود الذين كانوا يملأون الحارة حتى قيام ثورة 23 يوليو 1952، كان عددهم يقترب من 150 ألف يهودى، عام 1939، تقلص عددهم بعد "النكبة" – حرب 48- وقيام ثورة يوليو 52، واصبحوا 80 يهوديا فقط.


"المصور" زارت "حارة اليهود" بحثا عن حقيقة الحارة، وسط الكم الهائل من الشائعات والأقاويل التى تطاردها، محمد الساعى، يقطن بالحارة منذ عام  63 قال: عاصرت تواجد اليهود فى الحارة  وكنت اتعامل معهم بصدر رب، كما أن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، أصبح واحدا من سكانها وكان عمره 13 عامًا، حيث كان يسكن معأسرته  في زقاق «خميس العدس» في منزل اليهودي «شاموئيل» لمدة خمس سنوات.


 


وعن حكايات اليهود فى الحارة، أضاف "الساعى" بقوله: أتذكر أنه كان من ضمن احتفالاتهم ما يسمى بـ "عيد المساخر"، وكنا نحن نطلق عليه «عيد المسخرة»، وهو يمثل ذكرى انتصار اليهودي «مردخاي» والملكة «استير» على «هامان» الحاكم الفارسي الذي حاول إبادة اليهود في إمبراطورته.


 


وفيما يتعلق بالأثار المتبقية التى تدل على تواجد اليهود فى الحارة، أنهى محمد الساعى حديثه قائلا: معبد ابن ميمون آخر المعابد اليهودية التي تم ترميمها في عهد الرئيس الأسبق محمد حسنى مبارك، ويشاع أن المعبد يوجد بداخله نموذج لهيكل سليمان وكتاب التوراة مكتوب باللغة العبرية وآبار لمياه جوفية يشربون منها، ونجوم سداسية بكل مكان والشمعدان اليهودي ومقاعد للجلوس مثبتة بجانبي الغرفة، بالإضافة لغرفة كان "ابن ميمون" يعالج فيها المرضي، هذا كله بجانب غرفة للحاخامات وغرفه علويه مخصصة للنساء.


 محمد رجب، صاحب محل اكسسوارات فى "حارة اليهود"، إلتقط طرف الحديث عن معبد ابن ميمون، وأكمل بقوله: سمعت أن "ابن ميمون" كان الطبيب الشخصي لـ"صلاح الدين الأيوبي"، وعندما توفى الأخير، أعلن "ابن ميمون" اسلامه، وبعد وفاته نقله مجموعة من اليهود ليدفن فى اسرائيل، وكتبوا على قبره "الكافر" بحجة أنه كان طبيبا للقائد المسلم، و عندما جاءت منظمة اليونسكو لترمم المعابد اليهودية فى مصر، طلبت من اسرائيل أن ترمم 10 معابد وكان من بينهم معبد موسى بن ميمون لأنه عالم كبير، خاصة أن المعبد يمتاز بوجود لوحة رخام على مدخل بابه مكتوب عليها الوصايا الـ10  التى انزلت على سيدنا موسى.


"رجب" أكمل حديثه عن معبد "ابن ميمون" قائلا: :  يقال أنه يوجد بداخل المعبد سردابا يقود إلى غرفة المقدسة للمارسة الطقوس اليهودية، ويشترط على من يدخل هذا السرداب أن يكون حافي القدمين، ومنذ سنوات ليست بعيدة كان هناك سيدة يهودية تدعى «مارى» تتميز بروح المداعبة ، وتعتبر اليهودية الوحيدة التي ظلت بالحارة ولم تتركها الا قبل وفاتها، كانت يأتى لها مجموعة من اليهود الاسرائيلين لزيارتها ، كانت تقول لكل جيرانها أنها مصرية وليست إسرائيلية ورفضت الهجرة إلى إسرائيل رغم الاغراءات الكثيرة التى قدمت لها مقابل رحيلها عن مصر، لكنها فضلت البقاء فى القاهرة.


ناجى ياسين، من مواليد حارة اليهود، يعمل بالمهن التراثية ،عضو النقابة العامة فى الحرف التراثية  قال : كان فقراء اليهود أو الطبقة المتوسطة منهم يقطنون فى " الاوديش " وهى عبارة عن غرف متلاصقة ولكنهم كانوا تجارة فى الصندقية وفى الصاغة وفى الموسكى، أما أغنيائهم كانوا يعيشون فى منطقة  الظاهر" والسكاكينى، وكنا نتعامل معهم كمصريين عاديين.


وفيما يتعلق بالصورة التى قدمها مسلسل "حارة اليهود" لأهالى الحارة، قبل قيام ثورة 23 يوليو 1952،  قال شوقى عبد المحسن معوض، مدير عام مساعد بشركة بتروجاس، يقطن بالحارة منذ 60 عامًا: عدد كبير من أبناء الحارة يرفض الصورة التى حاول صناع المسلسل ترويجها للحارة، بأنها كانت مكانا للسكر والخمر، كما أن أحداث المسلسل لاتمت للواقع بصلة، وصناع العمل جانبهم الصواب، حيث كان أجدر بهم أن يصورا أحداث العمل فى الحارة، ولا يستعينوا بـ"مدينة الانتاج الاعلامى"، كما أنهم تجاهلوا الحديث مع سكان الحارة القدامى، للتعرف منهم على شكل الحارة فى التوقيت الذى حاولوا الحديث عنه فى "حارة اليهود".