الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعبًا طيب الأعراق

02/07/2015 - 9:40:00

رجائى عطية رجائى عطية

كتب - رجائى عطية

     بين عصر شاعر النيل حافظ إبراهيم، وعصر سقراط المتوفى سنة 399 ق الميلاد.. نحو ألفى وأربعمائة سنة، ومع ذلك فقد التقيا على حكمة واحدة تتفق على الدور العظيم لحواء فى تربية الأجيال.


     تلقينا عن حافظ إبراهيم فى سنوات الصبا فى المدارس بيتًا جامعا من الشعر يقول:


                الأم مدرسة إذا أعددتها  أعددت شعبًا طيب الأعراق


    ونقرأ فى المأثورات عن سقراط فيلسوف الإغريق وأبى الفلاسفة، قوله «عندما تثقف رجلاً تكون قد ثقفت فردًا واحدًا، أما عندما تثقف المرأة فإنك تثقف مجتمعًا
بأكمله».


     ولا مبالغة فى الحكمة التى يصدر عنها أبو الفلاسفة، وشاعر النيل، وإن كانت مقولة شاعرنا أكثر وضوحًا وأجمل بيانًا وأصدق فى التعبير عن المراد.


     أجل يتأثر بالرجل محيطه، أو بعض محيطه، ولكن محيط حواء أوسع وأكثر تنوعًا فضلاً عن أنها تتعهد الأجيال فى سنوات التكوين التى تكون فيه صفحتها بيضاء نقية وتأثرها بما تتلقى وتسمع أكثر عراضة وعمقا وأقرب للرسوخ فى الوجدان.. وهذه حقيقة معروفة، فمن فاته مثلاً حفظ القرآن فى سنوات الطفولة والصبا يشق عليه حفظه إذا حاول ذلك فى سن متأخرة، والعادات والسلوكيات المحفورة فى سنوات التلقى الأولى أمتن ثباتًا وأعرض مساحةً وأعمق التزامًا لديه لأنه تلقاها وتعلمها واعتادها وألفها من يوم أن زرعت بصفحة بيضاء، وبهذه الألفة تنزرع هذه التقاليد فى وجدانه وتصير جزءًا من نسيجه.


     والأم فى أسرتها هى الكافل الأول لهذه التربية التى تسرب للطفل فى سلاسة مجمل القيم والأخلاق والسلوكيات والعادات.. الأم المثقفة - وقد صارت حواء كذلك فى زماننا - أقدر على انتقاء الإيجابيات وأولوياتها وتستيفها وزرعها فى صفحة وجدان أطفالها.. وهى هى التى تعايشهم فى البيت قبل أن ينتقلوا إلى المدارس أو الورش لتبث فيهم مهجتها وتراقب لعبهم ولهوهم واحتكاكاتهم بأبناء وبنات الجيران أو المدارس الأولية، وترصد ما عساهم يخرجون فيه أو به عما تزرعه فيهم وتتغيا تربيتهم وتنشئتهم عليه، فتبادر إلى التوجيه وما يقتضيه حسب الحاجة من تنبيه أو نصح أو تحذير أو عقاب، فهى التى تصنع سلوكيات وعادات أطفالها على عينيها، وترى نفسها فى نمو براعمها على ما تحبه وتتمناه وتحرص عليه لهم..


     لا عذر لحواء اليوم إذا لم تتقدم بثقة وثبات وعزم لحمل أمانتها وأداء رسالتها، غير هيّابة ولا متوجسة من « مصادرات » بعض الرجال الذين لم يحسنوا تثقيف أنفسهم وإنارة عقولهم .. فالذى يصادر على حواء مزعزع الثقة سقيم الوجدان، تحركه عقدة « الأفضلية» دون أن يكلف نفسه حيازة أسبابها ومقوماتها ، فيستيسر « المصادرة » على غيره، فلا هو رحم بتحسين نفسه وأداء دورة بكفاءة ومقدرة، ولا هو ترك غيره يرحم وكفًّ شَرَّه عن المجتمع بالمصادرة الجهولة على أداء الأكفاء القادرين ..


     لذلك لست أحب لحواء أن تلجأ إلى منطق الحصص لنول حقوقها فى التمثيل البرلمانى أو غيرة، فمنطق الحصص ـ فضلاً عن عدم دستوريته ـ لا يلجأ إليه إلاَّ الضعيف غير القادر على منافسة الأقوياء، وحواء ليست ضعيفة، بل إن إمكانياتها فى المنافسة أوسع من إمكانيات الرجال، فتعداد حواء أكثر، وتستطيع من ثم بزيادة الوعى والقيد بالجداول أن تترجم ذلك إلى أكثرية فى الأصوات الانتخابية.


     لست أدعو بهذا إلى أن تنحاز حواء فى التصويت إلى بنات جنسها لمجرد هذا الانتماء، فالثقافة الموضوعية توجب التصويت للأفضل، سواء كان ذكرًا أو أنثى، وإنما أعنى أن المجال مفتوح أمام حواء لتتقدم فى منافسة حرة وموضوعية، لتفسح لنفسها مجالاً مستحقًّا لأداء رسالتها التى تقوم عليها نهضة الأجيال.