اليابان تودع دستور السلام

16/07/2014 - 11:55:12

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

تقرير : هالة حلمي

فى تعمد ملحوظ تجاهلت وسائل الإعلام اليابانية خبر إحراق مواطن يابانى نفسه فى وسط العاصمة طوكيو احتجاجاً على تعديل المادة التاسعة فى الدستور اليابانى مما يعنى تخلى اليابان عن مبدأ أساسى من مبادىء دولتها الحديثة وهو سلميتها فى الحروب وهذا التعديل المثير للجدل الذى أقرته الحكومة اليابانية بالإجماع رغم معارضة الرأى العام هو أول تعديل للدستور منذ أن فرضته الولايات المتحدة على اليابان بعد هزيمتها فى الحرب العالمية الثانية عام 47 والمثير أن الولايات المتحدة اليوم هى أول الداعمين لتعديل دستور السلام اليابانى وبالطبع من أجل مصالحها الخاصة .


فى خطوة اعتبرها المحللون تاريخية صدق مجلس الوزراء اليابانى على الطلب الذى تقدم به رئيس الوزراء تشينزو آبى بإعادة تفسير المادة التاسعة فى الدستور الموضوع منذ 67 عاماً والتى تنص على «تخلى الشعب إلى الأبد عن الحرب بوصفه حقاً سيادياً للأمة وكذلك يتخلى عن التهديد أو استعمال القوة كوسيلة لتسوية النزاعات الدولية ويضيف النص من أجل تحقيق الهدف الذى حددته الفقرة السابقة لايجوز تشكيل قوات برية أو بحرية أو جوية أو أيه قوة حربية .


ووفقاً للتفسير الجديد للمادة التاسعة فإن الجيش اليابانى سيسمح له لأول مرة بالمشاركة فى عمل جماعى عسكرى للدفاع عن النفس ويعنى هذا بعد إقرار بعض القوانين إن اليابان ستكون قادرة على مساعدة حلفائها مثل أمريكا وإستراليا ولكن بشرط أن تكون اليابان نفسها تحت التهديد .


وقال وزير الدفاع اليابانى أتسونورى أونوديرا إن حكومة تشينزو آبى وافقت على قرار يحدد التحول الذى يخفف القيود المفروضة على الأنشطة التى يسمح لليابانيين بالقيام بها فى عمليات حفظ السلام التى تقودها الأمم المتحدة وفى المناطق الرمادية التى يسمح لليابانيين بالقيام بها فى عمليات حفظ السلام التي تقودها الأمم المتحدة وفى المناطق الرمادية التى لم تصل الأوضاع فيها إلى حد اندلاع حرب شاملة .


وبناء على قرار مجلس الوزراء تمت إعادة تفسير المادة التاسعة ولم يتم تعديلها وذلك لأن أى تغيير فى الدستور يتطلب موافقة ثلثى أعضاء البرلمان بمجلسيه كما يتطلب إجراء استفتاء عام شعبى وهو أمر يستحيل فى ظل معارضة شعبية تتجاوز 60 فى المائة تقف ضد التخلى عن المبادىء السلمية . لهذا لجأ شينزو آبى المدافع بقوة من هذه الخطوة إلى ما اعتبره المحللون حيلة إعادة التفسير . وعلى الفور وبعد إقرار مجلس الوزراء لها تم البدء فى تشكيل فريق متخصص تابع لأمانة الأمن القومى من أجل إعداد التشريعات المطلوبة لممارسة حق الدفاع الذاتى الجماعى. أعضاء الفريق الثلاثون قام تشينزو آبى بإختيارهم بنفسه ومن المنتظر أن يعدوا عشرة قوانين جديدة سيتم عرضها على البرلمان قبل شهر أكتوبر لإقرارها .


هذه الخطوات سبقها شهور من الجهود المضنية التي بذلها رئيس الوزراء تشينزو آبى ذو التوجهات اليمنية المحافظة لإقناع الساسة فى اليابان بأهمية هذه الخطوة خاصة أعضاء حزب نبوكوميتو المؤتلف مع حزبه الليبرالى الديمقراطى فى الحكومة . ويرى آبى المدعوم بقوة من الولايات المتحدة إن الترتيبات الدفاعية اليابانية لاتتماشى مع المخاطر الراهنة فى الوقت الذى تطور فيه كوريا الشمالية قدراتها الصاروخية النووية . وتنمو فيه القوة العسكرية الصينية وتتحدى اليابان فى السيطرة على جزر سينكاكو ويعتقد آبى وأنصاره أن استمرار تمسك اليابان بمبدأ السلام لن يمكنها من ممارسة الردع اللازم للدفاع عن أمنها القومى أو الحفاظ على سلام واستقرار المنطقة .


ولهذا ومنذ توليه وضع آبى نصب عينيه تغيير الواقع المفروض على بلاده منذ مايقرب من سبعة عقود والذى لم يجرؤ سابقوه على المساس به آملاً أن يتفهم الشعب اليابانى أهمية هذه الخطوة فى المستقبل .


وبالطبع أثارت السياسة الجديدة لليابان غضب جارتها الصينية وعلقت وزارة الخارجية الصينية «إن الصين تعارض إختلاق اليابان للتهديد الصينى للترويج لبرنامجها السياسى المحلى وإنها تطالب اليابان بأن تحترم المخاوف الأمنية المنطقة لجيرانها الآسيويين والتعامل بحكمة مع هذه المسألة. وكما اعترضت كوريا الجنوبية انطلاقاً من تضررها من الاستعمار اليابانى لشبة الجزيرة الكورية فى القرن العشرين وقالت سول إنها لن تقبل أى تغيير فى السياسة اليابانية يؤثر على أمنها إلا إذا نال موافقتها .


وأمام هذه الإعتراضات تقف الولايات المتحدة مرحبة ومؤيدة وبشدة للسياسة اليابانية الجديدة والتى تسعى إلى إيجادها منذ سنوات طويلة رغم أنها هى التى فرضت على اليابان هذا الدستور بعد الحرب العالمية الثانية .


ولكنها اليوم ومن أجل مصالحها تريد حليفاً فاعلاً فى المنطقة لمواجهة التهديدات خاصة من كوريا الشمالية وكبح جماح تحركات الصين فى المحيط .


صحيح أن الخطوة التى اتخذها تشينزو آبى لم تكن هى أقصى ما يطمح إليه الأمريكان ولكنها تمهد الطريق لجيوش الدولتين للتخطيط والتدريب والعمل معاً بصورة أكثر تقارباً. وتستعد الدولتان الآن لإعادة صياغة اتفاقيات الدفاع المشترك لأول مرة منذ 17 عاماً . الجدير بالذكر إن جيش الدفاع الذاتى اليابانى رغم أنه لم يطلق حتى الآن رصاصة واحدة فى معركة حربية إلا أنه يعد واحداً من أكثر جيوش العالم تطوراً وتسليحاً . وفى حال ما إذا أقر البرلمان القوانين الجديدة سيسمح له بإسقاط صاروخ كورى شماىل يتجه إلى أمريكا أو مساعدة سفينة أمريكية تتعرض للهجوم فى الماء بالقرب من اليابان كما سيسمح له بتقديم الدعم اللوجيستى للأمريكان بما فى ذلك الذخيرة هذا فى حالة ماتعرضت اليابان لتهديد .


وطبقاً للسياسة الجديدة أيضاً سيسمح لجيش الدفاع الذاتى اليابانى باستخدام السلاح فى عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة . الاستثناء الأساسى الذى استطاعت ضغوط حزب نيوكوميتو فرضه هو عدم المشاركة بجنود يابانيين فى معارك حقيقية على الأرض .


وكان تشينزو آبى قد حقق انتصاراً آخر فى بداية شهر إبريل الماضى عندما صدق البرلمان على رفع الحظر على بيع الأسلحة الذى كانت تفرضه اليابان على نفسها طيلة قرابة نصف قرن . وأصبح من الآن فصاعدا بإمكان اليابان تصدير العتاد العسكرى وستسمح القوانين الجديدة بتطوير وإنتاج أسلحة بالاشتراك مع الولايات المتحدة والدول الأوربية وتصدير تجهيزات عسكرية لأغراض سلمية وإنسانية مثل بعثات حفظ السلام للأمم المتحدة ولكن تحظر القوانين الجديدة علي اليابان تصدير أسلحة قد تشكل خطراً على السلام والأمن العالميين .