موائد الرحمن .. سياسة وأرز ولحمة وثواب كبير

16/07/2014 - 11:49:55

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

تقرير : وليد سمير

تقول كتب التاريخ إن حاكم مصر، أحمد بن طولون، مؤسس الدولة الطولونية «قبل 1200 عام»، فى أول أيام رمضان، أعد وليمة كبرى للتجار والأعيان، وأمرهم بفتح بيوتهم، ومن موائدهم فى شهر الإحسان، وخطب فيهم «جمعتكم لآمركم من الآن أن تفتحوا بيوتكم وتمدوا موائدكم للسائل والمحروم، ومن لا ينفذ هذا الأمر يتعرض لأشد العقاب»..


كانت «نفحة» ابن طولون أول بداية لفكرة موائد الرحمن فى مصر، الرجل بالفعل أصدر قراراً بإقامة الموائد منذ السنة الرابعة لحكمه، الذى دام 16 عاماً، وأمر أن يعلق فى كل مكان.


وورث ابنه «خمارويه» الفكرة، فكان يقيم موائد الرحمن للإفطار والسحور فى الأماكن العامة.


ومع مرور الزمن اختفت موائد الرحمن لفترة حتى عاد الخليفة الفاطمى المعز لدين الله، وأقام مائدة فى شهر رمضان يفطر عليها أهل جامع عمرو بن العاص وكان يخرج من قصره 1100 قدر من جميع ألوان الطعام لتوزع على الفقراء، وسميت «دار الفطرة»، ووصل طول بعضها إلى 175 متراً، وفى عصر المماليك والعثمانيين تراجعت موائد الرحمن بسبب الحروب, واكتفى المصريون فى العهد المملوكى ببعض المظاهر البسيطة التى لا تصل إلى ما سمى بعد ذلك «مائدة رحمن»، وعندما جاء الاستعماران الانجليزى والفرنسى بدأت الجمعيات الخيرية تعيد إحياء موائد الرحمن للفقراء.,


وفى القرن العشرين بدأت فى العودة مرة أخرى تحت رعاية حكومية لبنك ناصر الاجتماعي، الذى كان يقيم مائدة بجوار الجامع الأزهر، يفطر عليها أربعة آلاف صائم من أموال دافعى الزكاة،ومن ثم بدأت موائد الرحمن بالازدهار وانتشرت فى العديد من الدول العربية والاسلامية.


وهكذا أصبحت موائد الرحمن من مظاهر شهر رمضان الكريم ولكن من اللافت للنظرهذا العام أنها شبه مختفية وليست بالعدد والكثرة التى كانت قبل ذلك فما الأسباب التى أدت لذلك هل الأرتفاع الجنونى لأسعارالسلع الغذائية أم سوء الأحوال الاقتصادية أم اختفاء المصالح التى كانت من أجلها تقام أكبر الموائد مثل إنتخابات مجلس الشعب وإنتخابات المحليات.....


يقول محمد السيد مشرف وطباخ لموائد الرحمن :أعمل بهذه المهنه منذ 15 عاما ولكن الثلاث سنوات الأخيرة أو بالأخص بعد ثورة 25 يناير بدأت موائد الرحمن تخف تدريجياً فالكل يعلم أن موائد الرحمن يمولها واحد من اثنين إما فاعل خير يبتغى الثواب والأجر من الله عز وجل ، يا صاحب مصلحه ومنصب سياسى يريد التفاف الناس حوله وتعرف الناس عليه ليعطوه أصواتهم إذا رشح للانتخابات ، ونظرا للظروف التى مرت بها البلاد من سقوط نظام مبارك والحزب الوطنى ثم نظام الإخوان العام الماضى فنجد أنه قد سقط حوالى 75% من ممولى موائد الرحمن فى السنين الماضيه من رموز الحزب الوطنى وجماعة الإخوان ولم يتبق إلا من يريد ابتغاء وجه المولى عز وجل ولذلك تناقصت أعداد موائد الرحمن بهذا الشكل هذا العام عن الأعوام السابقه .


ويؤكد هذا الحاج (محمد غريب) أحد كبار تجار كماليات السيارات فى سوق التوقيقية فيقول طبعا بعد ثورتى 25 يناير و30 يونيو البلد (أتغربلت) وعندما يجىء شهر رمضان هذا العام أصحاب المصالح اختفوا مابين نظام قديم وإخوان ولم يبق إلا من يريد ابتغاء وجه الله عزوجل ولكن طبعا إلى جانب ذلك لازم كمان مننساش الحاله الاقتصادية التى تمر بها البلد وارتفاع الأسعار لكل شىء وخاصة السلع الغذائيه فالوجبه التى كانت تتكلف السنه الماضيه 10جنيهات تتكلف هذاالعام 20 جنيها كمان أضف أسعار الفراشة والكراسى والكهرباء كل ده أسعاره أيضا زادت الضعف لافتا إلى أن أسعار تجهيز الموائد تختلف طبقا لحجم المساحة التى تغطيها الفراشة ولمبات الكهرباء وعدد الكراسى المستخدمة فيها، حيث تبدأ من 3 آلاف جنيه طوال شهر رمضان للمائدة التى لا تتجاوز 100 متر وتسع لنحو 50 فردا وتزيد كلما زادت المساحة وأعداد الكراسي. فكل ده طبعا أدى لتقليل موائد الرحمن إلا من أعانه الله عزوجل.. فنجد أن البعض من كان يقيم مائده تسع 200 فرد أستبدلها هذا العام بمائده تسع 75 أو 100 فرد أو لم يقيم مائدة الرحمن هذا العام واستبدلها بشنط رمضان كل حسب استطاعته ....


ويضيف (مصطفى حسين ) طباخ لموائد الرحمن قائلا: طبعا الحاله الأقتصاديه صعبه جدا و أنا اعرف ناس كتير كانت تقيم موائد الرحمن كل عام لم تقمها هذا العام بسب الظروف الماديه حتى من أقامها هذا العام نجده قليل فى كمية الطعام فيعطى فى الوجبه ربع فرخه بدل نصف فرخه وقطعة لحمه بدل قطعتين وكمان ممكن تكون ملبسه مش حمرا حتى كمية الأرز والخضار تم تقليلها وتم استبدال الأطباق بصينيه مقسمه لثلاث أو أربع أجزاء لاتكفى إلا لبضع معالق قليله وتم استبدال العصير والخشاف ببعض التمرات وزجاجة مياه، وغصب عنهم هيعملوا ايه الأسعار مولعة.


ويقول (عصام عبدالخالق ) تاجرإكسسوار سيارات ببولاق طبعا الظروف الاقتصاديه أساس فى قلة موائد الرحمن فارتفاع أسعار المواد الغذائية بنحو 50% تقريبا، وبالأخص اللحوم والسكر والأرز والزيت والسمن التى تعتمد عليهم موائد الرحمن بشكل أساسي، كما أن تجهيز مائدة الرحمن تمر بعدة مراحل، تبدأ باختيار المكان المناسب فى الأحياء الفقيرة وبعد الحصول على موافقة الحى كى لا تتعارض إقامتها مع حركة المرور فى الشارع، ومن ثم يتم تقدير احتياجات المائدة من السلع الغذائية وفقا للأعداد المتوقع قدومها للإفطار، وذلك لشراء وتخزين ما تحتاجه المائدة على مدار الشهر.


ويتم ذلك وفقا لمقدار المال الذى تم تخصيصه من قبل المتكفلين بإقامتها، فهناك من يتبرع بالمال وهناك من يتبرع بالجهد، ومنهم من كان يتولى الطبخ أو تقديم الطعام على المائدة أو غسل الأوانى وتنظيفها كل حسب مقدرته، لافتا إلى أن تكلفة المائدة الواحدة تقدر من 8- 10 آلاف جنيه يوميا.


ولكن بعض الناس اتجه إلى مايسمى بنك الطعام وهو أن فى كل منطقه يقوم بعض الشباب بتغليف وجبة إفطار وتوصيلها لكل أسره فقيره معروفه فى المنطقه وذلك بيقلل الإحراج الذى قد تتعرض له بعض الأسر من أنتظار الإفطار على مائده فى الشارع إلى جانب أن ذلك بيوفر فى التكاليف من إهدار أطعمه زائدة أو متطالبات الموائد من فراشه وكراسى وكهرباء كما أنه من الممكن أن يشارك كل أهالى المنطقه كل حسب أستطاعته ليس بالضرورى أن يقوم من يريد إطعام فقير بأن يقيم مائدة ل50 فرد بالعكس فأنا على سبيل المثال باستطاعتى توفير إفطار لثلاث أشخاص اليوم بتكلفه 100 جنيه وغدأ ممكن عشرة كما انه من الممكن اشتراك عدة اشخاص فى إطعام العديد من الأسر الفقيرة كل حسب استطاعته وأنا أرى أنه نظرا للظروف الاقتصادية اللى أحنا بنمر بها هذه الطريقه أفضل وبتحافظ على الطعام وعلى مشاعر الفقير كما أننا ممكن نداوم عليها بعد رمضان إن شاء الله..


جدير بالذكر أن مائدة الرحمن بمسجد مصطفى محمود بشارع جامعة الدول لاتزال تحتفظ كما هى فى الأعوام السابقه بأكبر عدد من الصائمين فى رمضان وحتى يستطيع الصائم أن يفطر فيها فعليه الأنتظار من بعد صلاة العصر وذلك بحسب مايؤكده الأستاذ (محمد أبو اليزيد) أحد المشرفين القائمين على المائده حيث يصل إلى 700وجبه للمائدتين المقامتين امام المسجد كما يتم عمل 800وجبه أخرى يتم أعطاؤها للمحتاجين بالمنطقه.


وفى إطار التأكيد على ارتباط القوات المسلحة بأبناء الشعب المصرى صدق الفريق أول صدقى صبحى القائد العام للقوات المسلحة وزير الدفاع والإنتاج الحربى على إقامة 140 مائدة رمضانية موزعة بجميع محافظات الجمهورية بطاقة تتجاوز 41 ألف و 600 وجبة معلبة يوميا لتوزيعها على الصائمين بإجمالى مليون و 248 الف وجبة طوال شهر رمضان المبارك.


الشيخ على محمود أبو الحسن رئيس لجنة الفتوى الأسبق بالأزهر يشير إلى أن قضية موائد الرحمن قد أخذت جدلاً وردًا كبيرًا من المصريين على مدار السنوات الماضية، لافتًا إلى أن الرأى الشرعى أنها ليست حراماً، والتخفيف عن المساكين والفقراء أمر إسلامى يحثّ عليه القرآن، لكن الحقيقة أن موائد الرحمن ورغم فائدتها إلا أنها لم تحل مشكلة وما زالت معدلات الفقر عالية جدًا، ولذا فالأسلم هو الاستفادة من هذه الأموال والاستفادة من التبرعات والصدقات فى إقامة مشاريع قومية تستوعب بطالة الشباب وتستوعب قدراتهم.