رابعة بنت إسماعيل الدمشقية

25/06/2015 - 9:42:58

إيمان حسن الحفناوي إيمان حسن الحفناوي

كتبت - إيمان حسن الحفناوي

العشق هو حالة عبقرية ، مرهقة جداً ، حقيقة عرفها كثيرون وساروا في دروبها النورانية يقتاتون على شهد العشق الإلهي، ورغم أن المرأة لم يسبقها الرجل إلى هذا المجال وهذا النور، إلا أن كثيرات من العابدات العارفات المتيمات لهن من الحكايا ما يسحب روحك من داخلك لتسبح بين الحروف في عالم من فيوض النور، في هذه الحلقات نحاول معا أن ننفذ لبعض هؤلاء الفضليات السائحات في نور الرحمن.


كثيرون يعرفون رابعة العدوية، هذه العابدة الزاهدة التي ملأت سيرتها العطرة الآفاق، والتي على يديها صارت أبيات العشق الإلهي تمثل طريقا معبدا بالشوق والآمال أمام كثيرين، لكن قليلين من يعرفون العابدة التي نتكلم عنها اليوم وهي رابعة بنت إسماعيل الدمشقية، وفي الحديث والرواية عن رابعة العدوية تم الخلط كثيرا بين سيرتها وسيرة رابعة الدمشقية حتى أن البعض نسب للعدوية بعض أبيات من شعر رابعة الدمشقية، وبينما رابعة العدوية قد ولدت في مدينة البصرة لأسرة فقيرة ويرجح أن مولدها كان في العام 100 هجري وتوفيت لعام 180 هجريا وفي روايات أخرى لعام 186هجريا نجد أن رابعة الدمشقية فقد ولدت في الشام وتوفيت عام 229 هجريا، وكانت ثرية، وفي حين أن رابعة العدوية لم تتزوج بل اعتبرت أن الزواج إنما يحقق إشباعا للشهوة التي لم تجدها في نفسها لإنشغالها بحب أكبر وهو الحب الذي ملأ عليها كيانها كله، نجد أن رابعة الدمشقية تزوجت من أحمد بن أبي الحواري وهو من العابدين المعروفين في أيامه، وإذا كانت العدوية لم تتزوج لأنها أرادت الله فقط، فالدمشقية تزوجت لأنها أيضا أرادت الله فقط، رابعة الدمشقية هي التي خطبت زوجها لما عرفت عنه من عميق الورع وكثير الإحسان، وعندما أرسلت له، قال لها: ليس لي همة في النساء لشغلي بحالي، فقالت: إني لأشغل بحالي منك، وما لي شهوة ولكني ورثت مالا كثيرا فأردت أن تنفقه على موارد الخير التي تؤتيها وعلى إخوانك الصالحين، وأعرف أنك من الصالحين فتكون طريقي إلى الله، وتصبح خدمتي لك تقربا له لأنك من أصفيائه، ونصبح معا إثنان في حب الله، وقتها فكر وتدبر الأمر ثم قال لها إنه سيسأل أستاذه أولا، وذهب لأستاذه، وكان أستاذه ينهاه وزملاؤه عن الزواج حيث يرى أن من يتزوج منهم يتغير وتقل عبادته وانقطاعه لله، لكن أستاذه عندما سمع منه ما قالته رابعة قال له: تزوجها فإنها ولية لله وهذا الكلام الذي قالته لا يقوله إلا الصديقين، وعاشت رابعة مع زوجها ينهلان من معين العشق الإلهي حتى كانت لحياتهما شكلا لا يتوفر إلا للعارفين المتقربين، وقد نسب إليها الجوزي أبياتا من الشعر الرائع تناجي فيه ربها، كانت هذه الأبيات في روايات أخرى قد تم نسبها إلى رابعة العدوية، لكن ما تم الاستقرار عليه من روايات كثيرة، ما قاله زوجها عنها، فقد قال إن رابعة كانت تتغير أحوالها من الحب إلى الأنس إلى الخوف، ففي حالات حبها أنشدت:


حبيب ليس يعدله حبيب


ومالي سواه في قلبي نصيب


حبيب وإن غاب عن بصري وشخصي


ولكن عن فوادي لا يغيب


***


أما في حالات الأنس فقالت:


ولقد جعلتك في الفؤاد محدثي


وأبحت جسمي من أراد جلوسي


فالجسم مني للجليس مؤانس


وحبيب قلبي في الفؤاد أنيسي


***


وأما في الخوف فتقول:


وزادي قليل ما أراه مبلغي


أللزاد أبكي أم لطول مسافتي


أتحرقني بالنار يا غاية المنى


فأين رجائي فيك؟ أين مخافتي


وكانت رابعة هائمة في ملكوت الله ذاكرة لوجوده الذي وسع كل شيء لا يلهج لسانها إلا بذكره، ولا يستطيب لها العيش إلا بإحساسها بقربه، حتى أنها عندما كانت تقدم الغداء لزوجها ذات مرة شعرت أنه لا حاجة له في الطعام، فقالت له: كل يا عزيزي فما نضج الطعام إلا وأنا أسبح لله، يعني هذا أنها لم تكن تغفل لحظة عن ذكر الرحمن، لكن بعض المفسرين ذهبوا لدرجة أعلى فقالوا أنها ما قصدت بهذا إلا درجة عالية جدا من الصوفية فقد قصدت الآية "دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين"، وهو ما يعني درجة عالية تقارب درجة أهل الجنة الذين إذا اشتهوا شيئا لا يطلبونه من الله بل يقولون سبحانك بما يعني تنزيه الله والتأدب في الطلب، رابعة كانت صاحبة مكانة عالية عند زوجها وأهل زمانها لما عرفت به من زهد رغم وجود المال، وتقرب لله عز وجل وتفقه في دينه، وهي التي كانت تقول "إن دواء الإنسان دواءان، دواء إفاقة ودواء راحة، فأما الإفاقة فهو الكف عن المحارم، وأما الراحة فالرضى عن الله في جميع الأمور"، ولو تعمقنا في هذا المعنى لأدركنا أن علاج النفس البشرية فعلا إنما يكمن في هذين الدوائين، كانت تقول أيضا "إن العبد إذا أخلص بعمله لله عز وجل أطلعه الجليل على مساوئ عمله فانشغل بها عن جميع خلقه"، روعة المعنى القابع في هذه الكلمات يدلنا إلي أي مدى وصل فكر وصفاء عبودية هذه العابدة، أيضا من كلماتها "إذا أردت أن يطهر قلبك ويزكو بدنك فأرد الله بصومك وصلاتك، ولا ترد بهما قضاء الحوائج منه".


ولم تكن رابعة تنشغل إلا بخالقها، حتى أنها ذات مرة على مائدة الطعام كانت تحدث زوجها عن الآخرة، فقال لها: أحديث مثل هذا على الطعام؟ فأجابته: وهل مثلنا ينسى الآخرة؟ كل ما كان يعرض أمامها كان تذكرة، فتقول: ما رأيت ثلجا قط إلا تذكرت تطاير الصحف، ولا رأيت جرادا إلا تذكرت الحشر، وكلما سمعت الآذان تذكرت منادي القيامة، أنا شخصيا استوقفتني الكلمة الأخيرة، كم منا يسمع الآذان، من منا تذكر به منادي القيامة؟ من منا توقف ولو للحظة وفكر في هذا المعنى الذي يجعل بدنك يقشعر رهبة وأملا وترقبا، رحم الله هذه العابدة العارفة بالله التي قضت حياتها كلها في قصة حب لا تنتهي بالموت بل تتجدد بلقاء الحبيب.